منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

عاد الفساد السياسي.. والأطفال جائعون: هذان يجب أن يكونا على رأس أولويات مشروع بورنهام

07 يوليو 2026
مشجع شاب لأندي بورنهام في أشتون إن ماكرفيلد، 19 يونيو 2026.
مشجع شاب لأندي بورنهام في أشتون إن ماكرفيلد، 19 يونيو 2026.

بولي توينبي

في اليوم الذي يدخل فيه رئيس الوزراء الجديد مقر رئاسة الحكومة في داونينغ ستريت، سيجد أمامه كماً هائلاً من الرسائل والمذكرات التي تتضمن نصائح وتحذيرات وتوصيات ومطالبات. بعضها سيحمل أفكاراً ثمينة، وبعضها الآخر سيكون أقل قيمة، لكن القاسم المشترك بينها جميعاً أنها ستدور حول كيفية جمع الأموال أو إنفاقها، وحول القرارات التي ينبغي اتخاذها خلال أول مئة يوم، وهي الفترة التي ستحدد ملامح حكومته.

ومن المفارقات أن يومه الأول، الموافق 20 يوليو، يتزامن مع بداية العطلة الصيفية للمدارس في إنجلترا وويلز. ففي اللحظة التي سيدخل فيها إلى مقر الحكومة، سيغادر ملايين الأطفال بوابات مدارسهم متجهين -كما وصف أحد الأطفال الأمر في تقرير لجمعية الأطفال البريطانية- إلى “اللا شيء”. فهناك أطفال سيقضون أسابيع طويلة في عزلة ووحدة، وآخرون سيتحملون مسؤولية رعاية أشقائهم الصغار في حين يعمل آباؤهم، وكثيرون سيعانون من الجوع أو من مخاطر متعددة. بالنسبة لهؤلاء، ستكون الأسابيع الستة المقبلة فراغاً يشبه ذلك الذي عاشوه خلال جائحة كورونا، بعيداً عن الصورة الوردية التي تعرضها إعلانات العطلات الصيفية.

ويشكل التقرير الصادر عن جمعية الأطفال حول التكاليف الخفية للعطلات المدرسية على الأسر، واحداً فقط من بين عشرات النداءات التي ستصل إلى رئيس الوزراء الجديد، ليذكره منذ يومه الأول بأن أزمة فقر الأطفال في بريطانيا تتفاقم بصورة مقلقة، وأنها أصبحت مسؤولية تقع مباشرة على عاتقه.

وسيجد نفسه يومياً أمام مفارقة صارخة: الحاجة الملحة لتوفير الأموال من جهة، والحاجة إلى إعادة بناء ثقة المواطنين في أن المال لا يشتري القرارات السياسية ولا يوجهها من جهة أخرى.

ومن أكثر الأمثلة إثارة للاشمئزاز ما تكشفه الفضائح المتتالية المرتبطة بنيجل فاراج، والتي تمنح بورنهام فرصة مبكرة لإنهاء حالة الانحدار التي تشهدها الحياة السياسية بسبب تدفق الأموال الضخمة إلى الأحزاب والسياسيين.

فكل مظاهر الفساد المالي التي تلطخ صورة وستمنستر ستصبح مسؤوليته المباشرة؛ لأنه يمتلك السلطة الكافية لتنظيف النظام السياسي من التبرعات الضخمة التي تشوه الديمقراطية. صحيح أن غالبية أعضاء البرلمان أشخاص نزيهون، لكن استمرار الكشف عن حصول فاراج على أموال جديدة، وهذه المرة من شخص أدين سابقاً في قضايا احتيال ويعمل في مجال العملات المشفرة والمضاربات عالية المخاطر، دون الإفصاح الكامل عنها، يعزز قناعة الرأي العام بأن البرلمان البريطاني بات مستنقعاً للمال السياسي.

ولهذا أرى أن الفرصة متاحة الآن لوضع حد صارم للتبرعات السياسية الكبيرة، والاكتفاء بمبالغ محدودة، ما يرسل رسالة واضحة بأن العلاقة بين السياسة والمال يجب أن تخضع لقواعد أكثر نزاهة.

وسيعود قريباً إلى البرلمان مشروع قانون تمثيل الشعب، وأتمنى أن يتمتع رئيس الوزراء بالشجاعة لإضافة إصلاحات أكثر قوة إليه. صحيح أن المشروع يتضمن بعض الخطوات الإيجابية، مثل وضع سقف للتبرعات الأجنبية عند 100 ألف جنيه إسترليني سنوياً، لكنه لا يرقى إلى مستوى المشكلة.

وزير الخزانة دارين جونز يقول إن الحكومة “تتصدى لمن يحاولون شراء وبيع الديمقراطية”، لكن هذا التصريح مبالغ فيه كثيراً. فالتعديل الذي قدمته النائبة ستيلا كريسي أكثر واقعية؛ إذ يقترح تحديد سقف جميع التبرعات السياسية عند 100 ألف جنيه إسترليني، ما يمنع حفنة صغيرة من أصحاب المليارات من إغراق الأحزاب بملايين الجنيهات.

وخلال الانتخابات الأخيرة فقط، بلغ إجمالي الإنفاق السياسي نحو 94.5 مليون جنيه إسترليني، في حين أظهرت منظمة الشفافية الدولية أن 66% من التبرعات الخاصة عام 2023 جاءت من 19 شخصاً فقط. وهذه الأرقام وحدها تكشف حجم الخلل.

وليس في ذلك ما يعد بدعة؛ 

ففرنسا، على سبيل المثال، تحظر تبرعات الشركات والنقابات للأحزاب السياسية، كما تحدد سقف التبرعات الفردية عند 7500 يورو فقط.

وفي بريطانيا أصبحت الألقاب والمناصب الرفيعة تبدو وكأنها تباع وتشترى. فالتبرع بنحو ثلاثة ملايين جنيه إسترليني يكاد يضمن لصاحبه الحصول على لقب في مجلس اللوردات، وقليلون يصدقون أن المتبرعين لا ينتظرون مقابلاً سياسياً.

لكن الصورة تصبح أكثر وضوحاً مع حزب الإصلاح الذي يموله ملياردير تايلاندي يعمل في العملات المشفرة، بعدما منح فاراج خمسة ملايين جنيه إسترليني، في حين يعد الحزب بتشريع جديد يمنح العملات الرقمية امتيازات ضريبية واسعة، ويخفض ضريبة أرباحها إلى 10%، ويؤسس احتياطياً حكومياً من عملة “بيتكوين”، بل ويسمح بسداد الضرائب باستخدام العملات المشفرة.

ولكي يكون أي إصلاح عادلاً وغير منحاز، يجب أن يشمل جميع مصادر التمويل، ومنها تمويل النقابات لحزب العمال. فقد لجأت نقابة “يونايت”، وهي أكبر ممول للحزب، إلى خفض إسهاماتها المالية بنسبة 40% للضغط على الحكومة خلال أزمة إضراب عمال النظافة في برمنغهام.

كما هددت زعيمتها شارون غراهام، قبل انتخابات 2024، بسحب تمويل الحملات الانتخابية إذا تراجعت قيادة الحزب عن تعهداتها الخاصة بحقوق العمال.

ورغم أن هذا السلوك لا يخالف القانون، فإنه يثير التساؤلات ذاتها حول استخدام المال والنفوذ للتأثير في القرار السياسي.

ولذلك فإن بورنهام يستطيع أن يبني سمعته إذا اتخذ قراراً جريئاً بوضع حد لهذا النفوذ المالي، أياً كان مصدره.

وليس مستغرباً أن تظهر استطلاعات مؤسسة “فيرنس فاونديشن” أن 63% من البريطانيين يعتقدون أن الأثرياء يتمتعون بنفوذ سياسي يفوق بكثير ما ينبغي أن يكون لهم.

ولا يقتصر تأثيرهم على التبرعات السياسية، بل يمتد أيضاً إلى وسائل الإعلام التي يملكونها، والتي تستخدم في كثير من الأحيان لتشويه الحقائق المتعلقة بالضرائب والثروة، وتصوير الفقراء باعتبارهم عبئاً على المجتمع، في مقابل تمجيد الأثرياء.

وتكفي متابعة تغطية صحيفة “ميل أون صنداي” التي عنونت صفحتها الأولى بعبارة: “بورنهام يخطط لفرض ضرائب على منازل الطبقة الوسطى”، والحقيقة أن المقترح يقتصر على العقارات التي تزيد قيمتها على 1.5 مليون جنيه إسترليني، أي نحو 150 ألف منزل فقط، وهي فئة لا يمكن بأي حال اعتبارها جزءاً من الطبقة الوسطى.

أما الطبقة الوسطى الحقيقية، وفقاً لمعهد الدراسات المالية، فهي تتمثل في أصحاب الدخل القريب من متوسط الأجور السنوي البالغ نحو 39 ألف جنيه إسترليني.

كما حاولت صحيفة “صنداي تلغراف” إثارة المخاوف عبر عنوان يقول إن توني بلير يحذر بورنهام من رفع ضريبة أرباح رأس المال، رغم أن مساواة هذه الضريبة بضريبة الدخل قد توفر للخزانة نحو 11 مليار جنيه إسترليني.

واللافت أن هذه الفكرة ليست يسارية متطرفة كما يصورها البعض، بل سبق أن طبقها وزير مالية المحافظين نايجل لوسون في عهد مارجريت تاتشر، كما تشير استطلاعات مؤسسة “ديموس” إلى أن 46% من البريطانيين يؤيدونها مقابل 18% فقط يعارضونها، ومنهم عدد كبير من ناخبي حزب المحافظين.

لقد اعتادت كل حكومة عمالية اتخاذ خطوات للحد من الظلم الاجتماعي، لكن بورنهام يملك فرصة لتسريع هذه الإصلاحات إذا امتلك الإرادة السياسية.

ومع دخوله إلى مقر رئاسة الحكومة في 20 يوليو، سيكون هناك أيضاً نحو 1.3 مليون طفل في إنجلترا لن يحصلوا على الوجبات المدرسية المجانية خلال العطلة الصيفية؛ لأن أسرهم لا تستوفي شروط برنامج الأنشطة الغذائية الصيفية الذي لا يشمل إلا العائلات التي يقل دخلها السنوي عن 7400 جنيه إسترليني، وهو حد منخفض بصورة يصعب تصديقها.

كما أن تقديم قسائم غذائية خلال العطلة يعتمد على قرارات السلطات المحلية، ما يعني أن بعض الأطفال يحصلون على الدعم، في حين يحرم منه آخرون في مناطق مختلفة.

وهكذا سيجد رئيس الوزراء نفسه منذ يومه الأول أمام معضلتين متلازمتين: كيفية جمع الأموال وإنفاقها، وكيفية حماية القرار السياسي من تأثير المال والنفوذ.

لكن معالجة الفساد السياسي لن تكلفه الكثير، في حين أن نتائجها ستكون حاسمة في استعادة ثقة المواطنين، وستمنحه القدرة على توجيه موارد الدولة إلى الأولويات الحقيقية، وفي مقدمتها إنقاذ ملايين الأطفال من الجوع والفقر، بدلاً من ترك الديمقراطية رهينة لمن يملكون المال.

نقلاً عن الجارديان

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print