تتسارع المخاوف الصحية في جمهورية الكونغو الديمقراطية بعد إعلان السلطات الصحية الإفريقية تأكيد تفشي فيروس إيبولا في إقليم إيتوري شمال شرقي البلاد، في تطور يعيد إلى الواجهة واحدة من أخطر الأزمات الوبائية التي واجهتها القارة الإفريقية خلال العقود الأخيرة، ويأتي هذا التفشي الجديد في ظل هشاشة النظام الصحي المحلي، واستمرار النزاعات المسلحة، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، ما يثير القلق من إمكانية توسع العدوى إلى مناطق ودول مجاورة.
وقالت المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، وهي أعلى هيئة للصحة العامة في القارة، إن السلطات الصحية سجلت حتى الآن نحو 246 حالة يشتبه في إصابتها بفيروس إيبولا، إضافة إلى 65 وفاة في إقليم إيتوري، بينما أكدت الفحوصات المخبرية إصابة 4 حالات توفي أصحابها بالفعل نتيجة الفيروس.
وأوضحت المراكز الإفريقية، في بيان رسمي، أن أغلب الحالات سُجلت في منطقتي مونغوالو وروامبارا الصحيتين، وهما منطقتان تشهدان كثافة سكانية وحركة تنقل مستمرة ترتبط بعمليات التعدين والتجارة المحلية، الأمر الذي يزيد من مخاطر انتشار العدوى داخل الإقليم وخارجه.
تحرك إقليمي عاجل
أكدت المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أنها ستعقد اجتماعا طارئا يضم السلطات الصحية في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا وجنوب السودان، إلى جانب شركاء دوليين، بهدف تنسيق إجراءات الاستجابة وتعزيز أنظمة المراقبة الحدودية ومنع انتقال الفيروس إلى الدول المجاورة.
ويعكس هذا التحرك القلق المتزايد من الطبيعة السريعة لانتقال فيروس إيبولا، خاصة في المناطق الحدودية التي تشهد حركة مستمرة للسكان والعمال والتجار، في وقت تعاني فيه بعض الدول المجاورة من ضعف البنية الصحية وقلة الإمكانات الطبية.
وقالت الهيئة الإفريقية إن مدينتي بونيا وروامبارا تمثلان مصدر قلق بسبب ارتفاع معدلات التنقل البشري داخلهما، إضافة إلى النشاط المرتبط بالتعدين في مونغوالو، حيث تؤدي حركة العمال المستمرة إلى زيادة فرص انتقال العدوى بين المناطق المختلفة.
فيروس قاتل يهدد المجتمعات المحلية
يعد فيروس إيبولا من أخطر الأمراض الفيروسية المعروفة، إذ يتسبب في حمى نزفية حادة ويؤدي في كثير من الحالات إلى الوفاة إذا لم يتم التعامل معه بسرعة وفاعلية.
ووفقا للمراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض، ينتقل الفيروس عبر الاحتكاك المباشر بسوائل جسم الشخص المصاب، مثل الدم والعرق واللعاب، أو من خلال ملامسة الأدوات والمواد الملوثة، إضافة إلى إمكانية انتقاله أثناء التعامل مع جثامين المتوفين بسبب المرض.
وتشمل أعراض المرض الحمى الشديدة، والإرهاق الحاد، وآلام العضلات، والنزيف الداخلي والخارجي في بعض الحالات، بينما تزداد معدلات الوفاة عندما تتأخر عمليات التشخيص والعزل الطبي.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن سرعة اكتشاف الإصابات وعزل المصابين وتعقب المخالطين تمثل عناصر أساسية في احتواء التفشي ومنع تحوله إلى أزمة إقليمية واسعة.
تحديات صحية وأمنية معقدة
يمثل تفشي إيبولا في إقليم إيتوري تحديا مضاعفا للسلطات الصحية في الكونغو الديمقراطية، نظرا للظروف الأمنية المعقدة التي تشهدها المنطقة منذ سنوات، حيث تنشط جماعات مسلحة متعددة وتنتشر أعمال العنف والنزوح الداخلي.
وقالت منظمة الصحة العالمية إن بعض المناطق المتضررة من التفشي يصعب الوصول إليها بسبب التوترات الأمنية وضعف البنية التحتية، وهو ما يعطل عمليات الاستجابة الطبية ويؤخر وصول الفرق الصحية إلى المصابين والمخالطين.
كما تؤثر الأوضاع الاقتصادية الصعبة على قدرة السكان على الوصول إلى الرعاية الصحية، خاصة في المناطق الريفية التي تعاني نقصا في المستشفيات والمعدات الطبية والأدوية.
الحدود المفتوحة تزيد المخاطر
تثير طبيعة إقليم إيتوري الحدودية مخاوف إضافية لدى المنظمات الصحية الدولية، إذ يقع الإقليم بالقرب من أوغندا وجنوب السودان، ما يجعل احتمال انتقال الفيروس عبر الحدود أمرا واردا في حال عدم تشديد الرقابة الصحية.
وأكدت المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض أن التنقلات المرتبطة بالتجارة والتعدين والعمل الموسمي قد تؤدي إلى انتقال العدوى إلى مناطق أخرى إذا لم يتم احتواء التفشي بسرعة.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تسعى فيه الدول الإفريقية إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر والاستجابة السريعة للأوبئة بعد التجارب القاسية التي شهدتها القارة خلال جائحة كوفيد-19 وموجات إيبولا السابقة.
جهود الاحتواء والتطعيم
تواصل السلطات الصحية في الكونغو الديمقراطية، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية وشركاء دوليين، تنفيذ إجراءات طارئة تشمل تعقب المخالطين، وتعزيز الفحوصات المخبرية، وإنشاء مراكز للعزل والعلاج في المناطق المتضررة.
وقالت منظمة الصحة العالمية إن فرق الاستجابة بدأت بالفعل في نشر فرق ميدانية لتعزيز التوعية الصحية داخل المجتمعات المحلية، إضافة إلى توفير معدات الوقاية للعاملين الصحيين الذين يمثلون خط الدفاع الأول في مواجهة المرض.
كما يجري العمل على تقييم الحاجة إلى حملات تطعيم طارئة باستخدام اللقاحات المعتمدة ضد فيروس إيبولا، والتي أثبتت فاعليتها خلال موجات التفشي السابقة في الكونغو ودول إفريقية أخرى.
الكونغو وإرث متكرر مع إيبولا
شهدت جمهورية الكونغو الديمقراطية خلال العقود الماضية عددا من موجات تفشي إيبولا، وتعد من أكثر الدول تعرضا لهذا الفيروس منذ اكتشافه لأول مرة قرب نهر إيبولا في سبعينيات القرن الماضي.
وكانت البلاد قد واجهت واحدة من أخطر موجات التفشي بين عامي 2018 و2020 في شرق الكونغو، حيث أسفرت الأزمة عن وفاة آلاف الأشخاص وأثارت مخاوف عالمية من تحولها إلى وباء إقليمي واسع.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن تكرار ظهور الفيروس في الكونغو يرتبط بعوامل بيئية وصحية معقدة، من بينها ضعف أنظمة الرعاية الصحية، والاحتكاك بالحيوانات البرية، وصعوبة السيطرة على الأمراض في مناطق النزاع.
قلق دولي من اتساع نطاق العدوى
تتابع المنظمات الصحية الدولية تطورات التفشي الجديد بحذر شديد، خاصة مع ازدياد المخاوف من انتقال الفيروس إلى دول الجوار التي ترتبط مع الكونغو بحركة تنقل تجارية وسكانية واسعة.
وأكدت منظمة الصحة العالمية أن خطر انتشار المرض إقليميا لا يزال قائما، رغم عدم وجود مؤشرات حتى الآن على تحوله إلى أزمة دولية واسعة، مشيرة إلى أن تعزيز التعاون بين الدول الإفريقية يمثل عاملا حاسما في احتواء التفشي.
كما دعت المنظمات الدولية إلى توفير دعم عاجل للسلطات الصحية في الكونغو الديمقراطية، بما يشمل التمويل والمعدات الطبية وتدريب الكوادر الصحية، لضمان السيطرة السريعة على الوضع ومنع تفاقمه.
فيروس إيبولا هو مرض فيروسي خطير يسبب حمى نزفية حادة، وتم اكتشافه لأول مرة عام 1976 قرب نهر إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وينتقل الفيروس عبر الاحتكاك المباشر بسوائل جسم المصابين أو الأدوات الملوثة أو جثامين المتوفين، وتعد معدلات الوفاة المرتبطة به مرتفعة مقارنة بالعديد من الأمراض الفيروسية الأخرى، وقد تصل في بعض موجات التفشي إلى أكثر من 50 بالمئة. وشهدت دول إفريقية عدة، أبرزها الكونغو الديمقراطية وغينيا وسيراليون وليبيريا، موجات تفشٍ خطيرة خلال العقود الماضية، ما دفع منظمة الصحة العالمية والاتحاد الإفريقي إلى تطوير خطط استجابة سريعة تشمل المراقبة الصحية والتطعيم وتعقب المخالطين والتوعية المجتمعية للحد من انتشار المرض.
