منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

طلاب يواجهون العنصرية بلا حماية.. تجميد تحقيقات الحقوق المدنية بالمدارس في عهد ترامب

10 أغسطس 2026
طالبة في ولاية ميشيغان تتعرض لمضايقات عنصرية تركتها تعاني من صدمة نفسية
طالبة في ولاية ميشيغان تتعرض لمضايقات عنصرية تركتها تعاني من صدمة نفسية

أدى تجميد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عشرات التحقيقات الفيدرالية في قضايا الحقوق المدنية داخل المدارس إلى تعطيل إجراءات كانت تستهدف حماية الطلاب ومساءلة المدارس، لتبقى قضايا تتعلق بمضايقات عنصرية وتحرش جنسي وعنف معلقة، رغم أن بعضها كان قد وصل بالفعل إلى مراحل متقدمة من التحقيق والتفاوض على تسويات وإجراءات علاجية.

وبدأت إحدى هذه الوقائع في خريف 2023، عندما دخلت فتاة سوداء الصف الخامس في مدرسة تشيسانينغ المتوسطة بوسط ميشيغان، لتصبح الوحيدة من الطلاب السود في صفها.

تعرضت الفتاة، وفقاً لما روته هي ووالدتها لصحيفة “واشنطن بوست”، لسلسلة من الإهانات العنصرية داخل الحافلة والمدرسة، بينها وصفها بـ”القردة”، وتوجيه لفظ عنصري مهين للسود إليها، والتعليق على لون بشرتها بقول إن جلدها “محروق كقطعة دجاج”.

وتصاعدت المضايقات خلال شهر التاريخ الأسود عام 2024، بعدما سألها صبي أبيض يبدو متأثراً بدرس عن العبودية: “مرحباً أيتها العبدة، أين أدواتك حتى تعودي إلى العمل؟” ورغم إبلاغ مسؤولي المدرسة بالمضايقات، استمرت الوقائع، ما دفع الأم إلى البحث عبر الإنترنت عن “الحقوق المدنية” والوصول إلى نموذج شكوى تابع للحكومة الفيدرالية.

وكتبت الأم في شكواها أن ابنتها تتعرض للتنمر إلى درجة أنها لم تعد قادرة على التركيز في دراستها، مؤكدة تعرضها لأذى نفسي وعاطفي، ومطالبة بالحصول على مساعدة لطفلتها.

شكاوى التمييز داخل المدارس

أحيلت الشكوى إلى مكتب الحقوق المدنية بوزارة التعليم، الجهة التي تتولى التحقيق في شكاوى التمييز داخل المدارس، والتي أُنشئت أصلاً لإنفاذ قانون الحقوق المدنية لعام 1964، قبل أن تتوسع مسؤولياتها لتشمل التمييز على أساس الجنس والإعاقة وعوامل أخرى إلى جانب العرق.

وفتح المكتب تحقيقاً في مدارس اتحاد تشيسانينغ في يونيو 2024، ثم وثق بحلول الخريف ادعاءات المضايقات وأبدى مخاوف من عدم استجابة المنطقة التعليمية لها بصورة مناسبة.

وبدأ المسؤولون الفيدراليون في أوائل يناير 2025 مفاوضات مع المنطقة بشأن خطة لتحسين أوضاع الطلاب وتسوية القضية.

لكن المفاوضات توقفت بعد وصول إدارة ترامب، في تحول وصفته “واشنطن بوست” بأنه خروج عن عقود من الممارسة الفيدرالية.

أفاد ثمانية موظفين حاليين وسابقين بأن إدارة ترامب جمدت التحقيقات القائمة إلى أجل غير مسمى، بعدما خفضت عدد العاملين في مكتب الحقوق المدنية بأكثر من النصف وأغلقت سبعة من أصل 12 مكتباً إقليمياً.

قضايا معلقة

وصل أكثر من ثلاثة عشر تحقيقاً، بحسب الصحيفة الأمريكية، إلى المرحلة النهائية قبل أن تتوقف إجراءاتها، بينها قضية ميشيغان، وكانت تلك المرحلة تسمح بالتفاوض على إجراءات علاجية تشمل تدريب العاملين وتحسين أنظمة المساءلة، وفي بعض الحالات تعويض الطلاب.

وكشفت قاعدة بيانات وزارة التعليم عن فجوة كبيرة في التسويات؛ إذ أتم مكتب الحقوق المدنية خلال الأشهر الثمانية عشر التالية لبداية الولاية الثانية لترامب ثلاث تسويات فقط تتعلق بالمضايقات العنصرية.

ولم يبرم أي اتفاق يتعلق بالتحرش الجنسي أو العنف، وفي المقابل، أبرم المكتب خلال عام 2024، 25 اتفاقاً متعلقاً بالمضايقات العنصرية و47 اتفاقاً متعلقاً بالتحرش الجنسي أو العنف.

وشملت القضايا المعلقة ادعاءات بتعرض طلاب سود لوصفهم بألفاظ عنصرية وبـ”القردة”، ووصف أطفال من الشرق الأوسط بأنهم “إرهابيون”، ونشر مقطع مصور لعلاقة جنسية بين طلاب داخل مجموعة دردشة من دون موافقة، فضلاً عن اتهام مدير مدرسة بلمس فتيات بصورة غير لائقة.

وقال موظفون حاليون وسابقون إن عدم التحرك حال دون فرض إجراءات حماية اتحادية أو عواقب أو آليات للمساءلة على المدارس المعنية.

وأكد موظف سابق في مكتب الحقوق المدنية، مايكل بيليرا، أن مهمة وزارة التعليم تتمثل في ضمان عدم تعرض الطلاب للتمييز داخل المدارس حتى يتمكنوا من الحصول على تعليمهم، معتبراً أن تجميد هذه القضايا يعني أن الوزارة تقول إنها لن تؤدي هذا الدور.

وردت مساعدة وزير التعليم للحقوق المدنية، كيمبرلي ريتشي، بالإشارة إلى تراكم نحو 19 ألف قضية ورثتها الوزارة عن إدارة الرئيس السابق جو بايدن، مؤكدة أن الإيحاء بوجود قرار متعمد لترك القضايا المهمة معلقة “غير صادق”، وأن الوزارة تستخدم كل الأدوات المتاحة أمامها لمعالجة هذا التراكم.

لكن موظفين حاليين وسابقين قالوا إنهم مُنعوا من العمل على أنواع محددة من القضايا، وإن بعض التحقيقات المتعلقة بالمضايقات العنصرية الخطيرة كانت على وشك الانتهاء في الأيام الأخيرة من إدارة بايدن، قبل أن تتوقف بعد وصول ترامب وتغير أولويات المكتب.

توقف المفاوضات

توقفت قضية لودلو في ماساتشوستس بعدما أشار مشروع خطاب نتائج التحقيق إلى انتشار تقارير عن مضايقات عنصرية داخل مدرسة متوسطة بين عامي 2021 و2024، شملت وصف طلاب سود بألفاظ عنصرية، والتعليق بصورة سلبية على شعرهم أو لون بشرتهم.

وأبلغ محامٍ من مكتب الحقوق المدنية مدارس لودلو العامة في يناير 2025 بأن الوكالة خلصت إلى فشل المنطقة التعليمية في الاستجابة بصورة مناسبة لمضايقة أحد الطلاب، مع وجود مخاوف بشأن معاملة طلاب آخرين، وبدأ الطرفان مفاوضات بشأن اتفاق طوعي كان يتضمن دفع الرسوم الدراسية لطالب غادر المنطقة، وتدريب جميع الموظفين على قانون التمييز العنصري، والاستعانة بمستشار للمساعدة في تنفيذ سياسات وإجراءات شاملة.

واقترب الطرفان من الاتفاق في 21 يناير 2025، قبل أن تتوقف الحكومة عن التواصل مع المنطقة التعليمية، وتظل القضية معلقة منذ ذلك الوقت.

قالت مسؤولة الامتثال القانوني في المنطقة التعليمية، بيكي بوشارد، إن لودلو اتخذت من جانبها بعض الخطوات، بينها تقديم الدعم والإرشاد للطلاب والموظفين، مؤكدة أن المنطقة تتعامل بجدية مع بلاغات التمييز والمضايقات.

وتوقفت أيضاً الإجراءات في غراند جنكشن بولاية كولورادو، بعدما خلص مكتب الحقوق المدنية إلى تعرض طالبين من أصول شرق أوسطية للتنمر في الملعب والممرات ودورات المياه، وتضمنت الادعاءات وصفهما بـ”راكبي الجمال” و”الإرهابيين”، ومطالبتهما بالعودة إلى المكان الذي جاءا منه، وفقاً لوثيقة التحقيق.

قوانين خصوصية الطلاب

قالت متحدثة باسم منطقة مدارس وادي ميسا كاونتي 51 إن بعض الادعاءات غير دقيقة، لكنها رفضت تحديدها بسبب قوانين خصوصية الطلاب، مؤكدة أن المنطقة تسعى إلى اتخاذ قرارات تستند إلى الحقائق المتاحة وضمان عدالة العملية لجميع الأطراف.

وشملت التحقيقات المتوقفة أيضاً مدرسة فينيكس يونيون الثانوية في أريزونا، حيث أظهر التحقيق في مضايقات عنصرية تعرض لها شقيقان أسودان تراجع الأداء الأكاديمي والصحة النفسية لأحدهما، في حين غاب الآخر عن الحصص وشعر بعدم القدرة على التواصل مع معلميه.

وأوقفت الحكومة الفيدرالية كذلك مفاوضات بشأن قضايا تحرش جنسي تضمنت ادعاءات بقيام طالب في أريزونا بتصوير طلاب آخرين سراً داخل حمام ومشاركة الصور ومقاطع الفيديو، ولمس مدير مدرسة في تكساس طالبة بطريقة جعلتها تشعر بعدم الارتياح، فضلاً عن تسجيل طالب جامعي في لويزيانا نفسه سراً أثناء ممارسة الجنس مع امرأة ثم مشاركة الفيديو مع زملائه.

فتاة ميشيغان

استمرت المضايقات ضد فتاة ميشيغان رغم تقديم الشكوى والتحقيق الفيدرالي، وتفاقمت آثارها التعليمية والعاطفية، وفقاً لوالدتها، وشملت الوقائع دفعها في الممرات، وتوجيه ألفاظ عنصرية إليها في الحافلة، ومنعها من اللعب مع زميلاتها في الملعب بسبب كونها سوداء.

وطلبت الفتاة خلال درس عن حركة الحقوق المدنية الجلوس في الممر بعدما شاهدت زملاءها يلتفتون إليها عقب استخدام لفظ عنصري في الفيلم الوثائقي، ثم توسلت إلى والدتها للسماح لها بالبقاء في المنزل.

وتعرضت لاحقاً لموقف آخر في طابور الغداء، عندما قال لها صبي أبيض: “مرحباً أيتها العبدة، أبلغت الفتاة مشرف الغداء، ثم أُرسلت إلى مكتب المدرسة، في حين قالت والدتها إن المسؤولين لم يخبرواها بالعقوبة التي تلقاها الصبي.

وتوثقت وقائع أخرى خلال شتاء وربيع 2024، بينها وصف طالب آخر للفتاة بأنها “قردة سوداء”، قبل أن يجبره أحد أفراد شرطة المدرسة على الاعتذار.

واكتمل التحقيق الفيدرالي بحلول خريف 2024، وخلص المسؤولون إلى أن المنطقة التعليمية كانت على علم بالمضايقات، وأشارت مسودة خطاب النتائج إلى مخاوف من عدم اتخاذ المنطقة بصورة متسقة خطوات سريعة وفعالة لتحديد السلوك المسبب للمضايقات ومعالجة آثاره ومنع تكراره.

آليات تتبع حوادث المضايقات

اقترح اتفاق التسوية الذي أُرسل إلى المنطقة في يناير 2025 تحسين آليات تتبع حوادث المضايقات، وتدريب المعلمين والموظفين والطلاب، وإجراء استطلاع لمناخ المدرسة، وتوفير الإرشاد والدروس الخصوصية للفتاة، ووضع خطة لمنع تعرضها لمضايقات مستقبلية.

لكن الاتفاق لم يُبرم، وغادر المحامي الذي كان يتولى القضية الوكالة، واستمرت المضايقات، في حين قالت الفتاة إن مسؤولي المدرسة سألوها، في إحدى المرات، لماذا تشكو من استخدام اللفظ العنصري إذا كانت لا ترى أنه يصفها بدقة، وهو ما جعلها تشعر بأن اللوم يُلقى عليها.

ووصلت الأزمة إلى نقطة أخطر في مايو من هذا العام، عندما عثرت الأم على أداة قطع في غرفة ابنتها، واعترفت الفتاة بأن التنمر أصبح يفوق قدرتها على التحمل وأنها فكرت في إيذاء نفسها، وبدأت الأم تبحث عن منطقة تعليمية أخرى للصف الثامن، في حين ظلت الفتاة، بحسب والدتها، تعاني آثار الصدمة وتتلقى الإرشاد.

وانتظرت الأم لأكثر من عام أي تواصل من مكتب الحقوق المدنية، بعدما كانت تعتقد أن الحكومة ستتدخل وأن المحامية المسؤولة عن القضية تهتم بما تمر به ابنتها، لكنها، بعد هذا الانتظار الطويل، لم تعد تتوقع أن يأتيها الدعم من المكتب.