دعت الدول المشاركة في الاستعراض الدوري الشامل للنيجر إلى اتخاذ مجموعة واسعة من الإجراءات لتعزيز وحماية حقوق الإنسان، في مقدمتها حماية حرية التعبير والصحافة، والإفراج عن المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين الموقوفين أو المحتجزين، وتعزيز استقلال المؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان، ومكافحة الإفلات من العقاب والتحقيق في الانتهاكات ومساءلة مرتكبيها.
يأتي هذا الاستعراض الدوري ضمن فعاليات الدورة الـ63 من مجلس حقوق الإنسان التي تعقد في جنيف خلال الفترة من 7 سبتمبر إلى 7 أكتوبر 2026، في إطار متابعة أوضاع حقوق الإنسان في الدول الأعضاء وتقييم مدى التقدم المحرز في تنفيذ الالتزامات والتوصيات السابقة.
وشملت التوصيات تكثيف الجهود لمواجهة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتحسين معدلات الملاحقة القضائية والإدانة في قضايا العنف ضد النساء، وتعزيز حماية الأطفال ومنع زواج الأطفال، ومكافحة الاتجار بالبشر والرق والاستغلال والممارسات الشبيهة بالرق.
ودعت توصيات أخرى إلى توسيع نطاق الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية، وتعزيز حماية كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، ودعم الفئات الأكثر هشاشة، فضلاً عن مواصلة التعاون مع آليات الأمم المتحدة والآليات الإقليمية لحقوق الإنسان.
تحديات وواقع مأزوم
يكتسب استعراض حالة حقوق الإنسان في النيجر أهمية خاصة في ظل الظروف السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما الانقلاب العسكري الذي وقع عام 2023، والذي أشارت خلاله دول مشاركة إلى تحديات متزايدة أمام الحكم الديمقراطي وحماية الحقوق والحريات الأساسية.
وكانت الوثيقة الخاصة بالنيجر قد أُعدت في إطار أعمال الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل، واعتمد التقرير المتعلق بالاستعراض في 15 مايو 2026.
وتقدم الوثيقة صورة مركبة لأوضاع حقوق الإنسان في النيجر، إذ تشير إلى وجود إجراءات ومبادرات اتخذتها السلطات في مجالات اجتماعية وحقوقية مختلفة، وفي الوقت نفسه تسجل جملة من التحديات التي أثارت قلق عدد من الدول المشاركة في الاستعراض.
وتركزت الملاحظات الدولية على تأثير الأوضاع السياسية والأمنية على منظومة حقوق الإنسان، وعلى الحاجة إلى ضمان استمرار حماية الحريات الأساسية وعدم تراجع المكتسبات المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية.
أهمية حماية حقوق الإنسان
في هذا السياق، أشارت النرويج إلى أن حالة حقوق الإنسان في النيجر تدهورت منذ الانقلاب العسكري الذي وقع في عام 2023، بينما شددت سلوفاكيا على أهمية حماية حقوق الإنسان في ظل التحديات التي تواجه الحكم الديمقراطي بعد الانقلاب، بما في ذلك أعمال الإرهاب.
وتظهر هذه المواقف أن الوضع الأمني لم يعد منفصلاً عن قضية حقوق الإنسان، وإنما أصبح أحد العوامل المؤثرة بصورة مباشرة في قدرة مؤسسات الدولة على حماية الحقوق والحريات وضمان سيادة القانون.
وتأتي حرية التعبير والصحافة في مقدمة الملفات التي حظيت باهتمام الدول المشاركة، مع دعوات إلى حماية الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام والمدافعين عن حقوق الإنسان، وضمان قدرتهم على أداء عملهم دون توقيف أو احتجاز أو تضييق.
وأشارت سلوفينيا، في هذا الإطار، إلى ضرورة مواصلة حماية حرية التعبير، إلى جانب الإفراج عن المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين الموقوفين أو المحتجزين.
وتكتسب هذه التوصيات أهمية خاصة في ظل ارتباط حرية التعبير بقدرة المجتمع على الوصول إلى المعلومات ومساءلة السلطات والتعبير عن الآراء المختلفة، ولا سيما في فترات الأزمات السياسية والأمنية.
ولذلك فإن حماية الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان لا تمثل فقط التزاماً يتعلق بحرية العمل الصحفي أو الحقوق المدنية، وإنما تشكل أيضاً أحد عناصر الرقابة المجتمعية على أداء مؤسسات الدولة وتعزيز المساءلة.
الأطر المؤسسية والقانونية
في الوقت نفسه، تضمنت الوثيقة إشارات إلى جهود النيجر في تعزيز بعض الأطر المؤسسية والقانونية الخاصة بحقوق الإنسان، فقد أشادت السنغال بالتدابير التي اتخذتها النيجر لحماية حقوق الإنسان، بما يتماشى مع التوصيات المقدمة خلال الجولة السابقة من الاستعراض الدوري الشامل، كما أثنت على تعاونها مع آليات حقوق الإنسان.
وأشارت دول أخرى إلى الجهود الرامية إلى تعزيز الأطر المؤسسية وتوسيع نطاق الاستفادة من الخدمات الاجتماعية الأساسية رغم التحديات الأمنية والإنمائية التي تواجه البلاد.
ويحتل العنف القائم على النوع الاجتماعي موقعاً بارزاً ضمن القضايا التي أثارت قلق الدول، حيث أشارت المداخلات إلى ارتفاع معدلات العنف ضد النساء، بالتزامن مع انخفاض معدلات الملاحقة القضائية والإدانة في هذه القضايا.
وأعربت إحدى الدول عن قلقها إزاء ارتفاع معدل العنف الجنساني وانخفاض معدلات الملاحقة والإدانة، وعدم إحراز تقدم كافٍ في تجريم بعض أشكال العنف غير القانونية.
وتشير هذه الملاحظات إلى أن التحدي لا يتعلق فقط بوجود قوانين تجرّم العنف، وإنما بمدى فعالية تطبيقها وقدرة الضحايا على الوصول إلى العدالة والحصول على الحماية، ولذلك تتجه التوصيات إلى تعزيز آليات التحقيق والملاحقة القضائية، وضمان محاسبة المسؤولين عن أعمال العنف، وتحسين الخدمات المقدمة للضحايا والناجيات، بما في ذلك خدمات الدعم والرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية.
المساواة بين الجنسين
يتصل ملف العنف ضد النساء بمسألة المساواة بين الجنسين ومشاركة المرأة في الحياة العامة، وتظهر الوثيقة أن السلطات النيجيرية اتخذت مجموعة من المبادرات المتعلقة بدعم المرأة وتعزيز حقوقها، إلى جانب تطوير الإطار التشريعي لمكافحة العنف الجنسي والعنف الأسري وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث.
ويشير التقرير إلى أن القانون الجنائي الجديد وفّر إمكانية تعزيز الحماية القانونية للمرأة، وبصفة خاصة في مواجهة جرائم العنف الجنسي والعنف العائلي وتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية.
وفي ملف الأطفال، برزت قضية زواج الأطفال باعتبارها أحد أهم التحديات التي تتطلب استمرار التدخل الحكومي. وأشارت الوثيقة إلى تعزيز النظام الوطني لحماية الطفل، وإلى استفادة نحو 1.6 مليون طفل ووالد من تدخلات تهدف إلى منع الزواج قبل سن الثامنة عشرة. كما أُشير إلى اعتماد استراتيجية وطنية لإنهاء زواج الأطفال، وهو ما حظي بإشادة عدد من الدول المشاركة في الاستعراض.
وتعكس هذه المعطيات أهمية الانتقال من السياسات والاستراتيجيات إلى التنفيذ الفعلي، خصوصاً أن القضاء على زواج الأطفال يتطلب معالجة مجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية التي تؤدي إلى استمرار هذه الممارسة، ولذلك تركز التوصيات المرتبطة بالطفولة على تعزيز أنظمة حماية الطفل، وتوسيع برامج التوعية، وضمان استمرار الفتيات في التعليم، وحمايتهن من العنف والاستغلال والزواج المبكر.
الاتجار بالبشر والرق
تناول الاستعراض ملف الاتجار بالبشر والرق والممارسات الشبيهة بالرق، وهي قضية ذات أبعاد قانونية واجتماعية واقتصادية متشابكة، وتشير الوثيقة إلى أن النيجر لديها بالفعل إطار قانوني ومؤسسي قائم لمعالجة هذه الممارسات، وأنها تعمل على تجريمها.
وفي المقابل، ظلت هذه الملفات موضع اهتمام خلال الحوار، بما يعكس الحاجة إلى ضمان التطبيق الفعلي للتشريعات، وتعزيز حماية الضحايا، وملاحقة المسؤولين عن الاستغلال والاتجار.
وفي الجانب الصحي، أبدت دول تقديراً للإجراءات التي اتخذتها النيجر لتحسين الوصول إلى الرعاية الصحية. فقد أشادت رواندا بجهود النيجر لتعزيز الإنصاف في الاستفادة من الرعاية الصحية، بما في ذلك اعتماد الخطة الوطنية الرئيسية لمكافحة الأمراض المدارية المهملة، كما رحبت بالتدابير والممارسات المتخذة في هذا المجال.
وأشادت المملكة العربية السعودية بالتقدم الذي أحرزته النيجر في مجالات الأمن الغذائي والخدمات الصحية والتعليم وتوفير الخدمات الأساسية.
وتظهر الصحة في الوثيقة باعتبارها جزءاً من منظومة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، خاصة بالنسبة إلى الفئات التي تواجه صعوبات في الوصول إلى الخدمات.
وتدفع التوصيات في هذا الاتجاه نحو تعزيز العدالة في الحصول على الرعاية الصحية، وتوسيع الخدمات في المناطق الأقل استفادة، وتحسين البنية الصحية، بما يضمن ألّا تَحول الظروف الاقتصادية أو الجغرافية أو الاجتماعية دون التمتع بالحق في الصحة.
حماية كبار السن
في السياق ذاته، ركّزت النيجر على الإجراءات المتخذة لحماية كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، من خلال اعتماد تشريعات وبرامج اجتماعية وتدابير تشمل تقديم الدعم والمساعدة الغذائية وخدمات الرعاية الصحية المجانية للمصابين بأمراض مزمنة.
وصادقت النيجر في 24 يناير 2023 على بروتوكولين للميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب يتعلقان بحقوق كبار السن وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في أفريقيا.
ويمثل ذلك جانباً إيجابياً في التقييم الدولي لأوضاع حقوق الإنسان، حيث لم تقتصر المناقشات على الانتقادات والمخاوف، وإنما تضمنت أيضاً الإشادة بالخطوات التي اتخذتها السلطات في عدد من المجالات، فقد رحبت دول باعتماد سياسات واستراتيجيات وطنية تتعلق بحماية الطفل وإنهاء زواج الأطفال، وبالجهود المبذولة لتعزيز المساواة بين الجنسين وإدماج الأطفال ذوي الإعاقة في المدارس العادية.
الأمن وواقع الحقوق
في المقابل، ظل الوضع الأمني أحد أبرز العوامل المؤثرة في الحقوق والحريات في البلاد، فالنيجر تواجه تحديات مرتبطة بالإرهاب وانعدام الأمن، وهي تحديات تؤثر على قدرة الدولة والمجتمعات المحلية على الوصول إلى الخدمات الأساسية وحماية الفئات الأكثر هشاشة.
وفي الوقت نفسه، شددت الدول المشاركة على أن مواجهة التحديات الأمنية يجب أن تتم في إطار احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، وألّا تتحول التدابير الأمنية إلى قيود غير مبررة على الحقوق والحريات الأساسية.
وتبرز أهمية هذا التوازن بصورة خاصة بعد الانقلاب العسكري عام 2023، الذي أصبح نقطة تحول في تقييم الأوضاع السياسية والحقوقية في البلاد.
وبينما أشار بعض المشاركين إلى التحديات التي فرضها الوضع الأمني والإرهاب، أعربت دول أخرى عن قلقها من تراجع الحكم الديمقراطي وما يمكن أن يترتب عليه من تأثير على حماية حقوق الإنسان، وأكدت سلوفاكيا، على سبيل المثال، أهمية حماية حقوق الإنسان في ظل التحديات التي تواجه الحكم الديمقراطي بعد الانقلاب.
وتظهر التوصيات المتعلقة بالمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان باعتبارها جزءاً أساسياً من معالجة هذه التحديات، فوجود مؤسسات مستقلة وفعالة قادرة على استقبال الشكاوى ومتابعة الانتهاكات ورصد أوضاع حقوق الإنسان يمثل ضمانة مهمة، خصوصاً في الظروف التي تتعرض فيها البلاد لأزمات سياسية وأمنية، ولذلك تركز التوصيات على تعزيز الأطر المؤسسية، ودعم استقلال آليات حقوق الإنسان، وتوفير الموارد التي تمكنها من أداء وظائفها بصورة فعالة.
التعاون مع آليات حقوق الإنسان
يحتل التعاون مع آليات الأمم المتحدة موقعاً مهماً في عملية المتابعة، وقد أشادت السنغال بتعاون النيجر مع آليات حقوق الإنسان، وهو ما يمثل جانباً إيجابياً في التقرير.
ويتيح استمرار هذا التعاون للسلطات الاستفادة من الخبرات الدولية والمساعدة التقنية، كما يسمح بمتابعة تنفيذ التوصيات المتعلقة بالتشريعات والسياسات والممارسات على المستوى الوطني.
وبالنظر إلى مجمل ما ورد في الوثيقة، فإن التحديات التي تواجه النيجر في مجال حقوق الإنسان تبدو مترابطة؛ فالأوضاع الأمنية والسياسية تؤثر على الحريات العامة، فيما يرتبط العنف القائم على النوع الاجتماعي بضعف الملاحقة القضائية، ويتداخل زواج الأطفال مع الفقر والتعليم وحماية الطفل، بينما ترتبط حماية الفئات الهشة بقدرة الدولة على توفير الخدمات الصحية والاجتماعية الأساسية.
وفي المقابل، تشير الوثيقة إلى وجود خطوات اتخذتها النيجر في عدد من هذه الملفات، من بينها تطوير الأطر القانونية لحماية المرأة، وتعزيز نظام حماية الطفل، واعتماد استراتيجية لإنهاء زواج الأطفال، وتوسيع برامج الرعاية الاجتماعية والصحية، وحماية كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب التعاون مع آليات حقوق الإنسان.
ويظل التحدي الأساسي خلال المرحلة المقبلة هو ضمان تنفيذ هذه السياسات والتشريعات بصورة فعالة، وتحويلها إلى حماية ملموسة للأفراد والمجتمعات، خاصة في المناطق المتأثرة بالفقر وانعدام الأمن، كما أن حماية حرية التعبير والصحافة والمدافعين عن حقوق الإنسان ستظل مؤشراً رئيسياً على مدى قدرة النيجر على الحفاظ على الحيز المدني وتعزيز المساءلة في ظل الظروف السياسية والأمنية الراهنة.
حماية الحريات الأساسية
في المحصِّلة، يضع الاستعراض الدوري الشامل النيجر أمام مجموعة واسعة من الاستحقاقات الحقوقية، تبدأ بحماية الحريات الأساسية وتعزيز سيادة القانون، وتمر بمكافحة العنف ضد النساء والأطفال والاتجار بالبشر، ولا تنتهي عند ضمان حقوق كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة وتحسين الوصول إلى الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية.
وتحمل المرحلة المقبلة أهمية خاصة مع انتقال التوصيات من مرحلة التقييم الدولي إلى مرحلة تحديد المواقف وتنفيذ ما يتم الالتزام به.
ومن ثم، فإن قدرة النيجر على الاستجابة لهذه المطالب، وتعزيز مؤسسات حقوق الإنسان، وحماية الصحفيين والمدافعين، ومواجهة العنف والتمييز، وتحسين الخدمات للفئات الأكثر ضعفاً، ستكون عوامل حاسمة في تقييم مسار حقوق الإنسان في البلاد خلال الفترة المقبلة.
