منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

صحفيات تركيا تحت الضغط.. حين تتحول الكلمة إلى سبب للملاحقة

04 يونيو 2026
تصاعد الانتهاكات ضد صحفيات تركيا يثير المخاوف حول حرية الإعلام
تصاعد الانتهاكات ضد صحفيات تركيا يثير المخاوف حول حرية الإعلام

لا تبدأ معاناة الصحفيات دائما من لحظة الاعتقال أو صدور حكم قضائي، أحيانا تبدأ قبل ذلك بكثير، حين تتحول الكاميرا إلى مصدر خطر، والسؤال الصحفي إلى تهمة، والتغطية الميدانية إلى مغامرة قد تنتهي بالمنع أو التهديد أو الملاحقة.

هذا ما يعكسه التقرير الشهري الصادر عن جمعية صحفيات ميزوبوتاميا “التركية”، الذي وثّق خلال شهر مايو سلسلة من الانتهاكات التي طالت صحفيات وعاملات في المجال الإعلامي، في مشهد يكشف كيف أصبحت ممارسة المهنة في بيئة إعلامية مضغوطة عبئا يوميا على الصحفيات، لا من الناحية المهنية فقط، بل من الناحية النفسية والإنسانية أيضا.

وبحسب الجمعية الحقوقية، فالصحفية التي تخرج لتغطية حدث ميداني لا تواجه فقط صعوبة الوصول إلى المعلومة، بل تواجه احتمال المنع من التصوير، أو الطرد من المكان، أو التهديد، أو استدعاء القضاء.

ومع تكرار هذه الممارسات، لا يعود التضييق مجرد إجراء عابر، بل يتحول إلى رسالة دائمة مفادها أن العمل الصحفي المستقل قد تكون له كلفة شخصية ومهنية قاسية.

الميدان لم يعد آمنا

أشار تقرير جمعية صحفيات ميزوبوتاميا إلى أن الصحفيات تعرضن خلال مايو لانتهاكات متعددة، شملت المنع من التغطية الميدانية، والتهديد، والاعتداء، والاعتقال، والتوقيف، إضافة إلى استمرار المحاكمات وصدور أحكام بالسجن وغرامات مالية.

ووثّق التقرير تعرض صحفيتين للاعتداء، واعتقال صحفية واحدة، وسجن أخرى، فضلا عن تهديد صحفية ومنع ثلاث صحفيات من متابعة التغطيات الميدانية.

هذه الأرقام لا تعكس فقط وقائع إدارية أو قانونية، بل تكشف وضعا إنسانيا أكثر عمقا، فالصحفية التي تُمنع من أداء عملها تُحرم من ممارسة دورها المهني، والجمهور يُحرم في الوقت نفسه من حقه في معرفة ما يجري، وحين تصبح التغطية سببا في الاستهداف، تتراجع المساحة التي يمكن للصحافة أن تتحرك داخلها بحرية.

وأكدت الجمعية أن هذه الممارسات تمثل اعتداء مباشرا على حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات، معتبرة أن فتح التحقيقات والدعاوى القضائية بسبب الأخبار أو مشاركتها يعكس محاولة مستمرة لجر العمل الصحفي إلى دائرة التجريم.

بين المحكمة وغرفة الأخبار

لم تتوقف الانتهاكات عند الميدان، فقد أشار التقرير إلى فتح تحقيق بحق صحفيتين، وصدور حكم بالسجن لمدة أربع سنوات وشهرين بحق صحفية، إضافة إلى غرامة مالية قدرها 35,400 ليرة تركية.

وتتواصل المحاكمات في ست قضايا تشمل تسع صحفيات، وهو ما يعكس استمرار الضغط القضائي على العاملات في الإعلام.

ومن الناحية الإنسانية، لا تعني المحاكمة مجرد حضور جلسة أمام القضاء، إنها حالة طويلة من القلق والانتظار والخوف من المستقبل، فالصحفية التي تواجه ملفا قضائيا لا تخشى فقط العقوبة، بل تخشى أيضا فقدان عملها، وتضرر سمعتها، وانعكاس القضية على عائلتها وحياتها اليومية.

وتتحول المحاكمات الممتدة إلى شكل من أشكال الاستنزاف، حتى قبل صدور أي حكم، فكل جلسة جديدة تعني وقتا ومالا وضغطا نفسيا، وكل تأجيل يعني أن القضية ستظل حاضرة في حياة الصحفية، تلاحقها داخل العمل وخارجه.

الرقابة الرقمية وتضييق المجال

وثّق التقرير اتساع نطاق الرقابة الرقمية خلال شهر مايو، حيث تم حجب تسع منصات إعلامية رقمية، إلى جانب تقييد الوصول إلى مواقع إلكترونية ومحتوى إخباري وحسابات تابعة لمؤسسات إعلامية.

واعتبرت جمعية صحفيات ميزوبوتاميا أن هذه الإجراءات تحد من ظهور الصحافة المستقلة والناقدة، وتحرم الجمهور من مصادر معلومات متعددة.

وفي عصر أصبحت فيه المنصات الرقمية مساحة أساسية للعمل الصحفي، لا يقل الحجب الرقمي خطورة عن منع الصحفية من دخول قاعة محكمة أو تغطية مظاهرة. فإغلاق منصة أو حجب موقع يعني إسكات صوت كامل، وقطع قناة كانت تصل بين الصحفيات والجمهور.

كما أن استهداف الحسابات الصحفية يضع الصحفيات أمام خسارة مزدوجة: خسارة المنبر المهني الذي يعرضن من خلاله عملهن، وخسارة شبكة التواصل التي يعتمدن عليها للوصول إلى المصادر والجمهور.

بيئة عمل هشة

لم يقتصر التقرير على الانتهاكات الأمنية والقضائية، بل أشار أيضا إلى فصل خمس صحفيات من وظائفهن خلال مايو، في مؤشر إضافي على هشاشة بيئة العمل الإعلامي.

وفقدان العمل بالنسبة للصحفيات لا يعني خسارة مصدر دخل فقط، بل قد يعني أيضا إقصاءهن من المجال العام، خاصة في بيئة تصبح فيها فرص العمل الإعلامي المستقل محدودة ومهددة.

وتزداد قسوة هذا الواقع عندما يتزامن الفصل مع الملاحقة القضائية أو التهديد أو حجب المنصات الإعلامية. فالصحفية تجد نفسها محاصرة بين ضغوط السلطة، وضعف الحماية المهنية، وخطر البطالة، وحاجة مستمرة إلى الدفاع عن حقها في العمل والتعبير.

أسماء في قلب المشهد

أورد التقرير أسماء عدد من الصحفيات والعاملات في الإعلام اللواتي شملتهن الانتهاكات أو القضايا خلال الشهر، من بينهن إليف بايبورت، وخديجة دومان، ونادية جوربوز، وأوزدن كينيك، وبينار جاييب، ويليس أياز.

ولا تمثل هذه الأسماء مجرد حالات فردية، بل تعكس واقعا أوسع تعيشه صحفيات كثيرات يجدن أنفسهن في مواجهة ضغوط متكررة بسبب عملهن المهني.

ولا يقتصر فالاستهداف على صحفية بعينها، بل يمس فكرة وجود النساء داخل الإعلام المستقل، وقدرتهن على التغطية والمساءلة وكشف الانتهاكات ونقل أصوات الفئات المهمشة.

الصحافة كحق إنساني

تؤكد جمعية “صحفيات ميزوبوتاميا” أن الاعتداء على الصحفيات لا يضر بهن وحدهن، بل يمس حق المجتمع في الوصول إلى المعلومات، وهذه النقطة تمثل جوهر القضية.

فالصحافة ليست امتيازا مهنيا، بل جزء من الحق العام في المعرفة، وحين تُمنع صحفية من التصوير، أو تُحاكم بسبب خبر، أو يُحجب موقع إعلامي، فإن المتضرر لا يكون الصحفي وحده، بل المجتمع كله.

ولهذا تبدو الانتهاكات ضد الصحفيات أكثر من مجرد أرقام شهرية في تقرير حقوقي، إنها قصص عن نساء يحاولن أداء عملهن في ظروف صعبة، وعن مهنة تتعرض للتجريم، وعن جمهور يفقد تدريجيا حقه في معرفة الحقيقة من مصادر مستقلة ومتعددة.