حققت مفوضة شرطة نيويورك، جيسيكا تيش، ومعها رجال ونساء شرطة المدينة، ما يمكن وصفه بالمعجزة الحقيقية؛ فقد انخفض عدد جرائم القتل خلال النصف الأول من العام إلى أدنى مستوى يسجل منذ بدء توثيق هذه الإحصاءات.. وهذا لا يعني مجرد تحسن في الأرقام، بل يعني ببساطة إنقاذ أرواح بشرية.
لكن رغم هذا الإنجاز، لا ينبغي لسكان نيويورك أن يطمئنوا أكثر مما ينبغي، فهناك مؤشرات مقلقة بدأت تلوح في الأفق.
حتى الثلاثين من يونيو، سجّلت المدينة أقل عدد من جرائم إطلاق النار والقتل خلال النصف الأول من أي عام في تاريخها، كما تراجعت الجرائم الكبرى بنسبة 6%.
وجاء هذا النجاح في وقت كانت فيه الشرطة تؤمن أحداثاً ضخمة واستثنائية، من بينها نهائيات دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين، واحتفالات موكب نيويورك نيكس، إلى جانب فعاليات بطولة كأس العالم لكرة القدم.
غير أن هذه الصورة الإيجابية تخفي وراءها تطورات تستحق القلق.
فقد ارتفعت الجرائم في مترو الأنفاق والحافلات داخل معظم قطاعات شرطة المدينة. ففي منطقة شمال برونكس ارتفعت الجرائم بنحو الثلث، بينما زادت بنسبة 25% في شمال مانهاتن، و17% في جنوب برونكس، و16% في جنوب بروكلين.
ولم تكن عطلة الرابع من يوليو استثناءً، إذ شهدت إصابة 12 شخصاً بطلقات نارية، بينهم أربعة أطفال خلال حفل شواء في بروكلين.
وفي حادثة أخرى أكثر إثارة للقلق، أصيب المحقق روبرت كارول برصاصة في ظهره أثناء مواجهة مع مراهق مسلح في حي كراون هايتس يوم الأحد. ولولا سترته الواقية من الرصاص لكانت النتيجة أكثر مأساوية، فيما يرجح المحققون أن الرصاصة جاءت عن طريق الخطأ من أحد أفراد الشرطة.
لكن أكثر ما يثير القلق ليس هذه الحوادث الفردية، وإنما القرارات السياسية التي قد تقوض كل ما تحقق.
فالميزانية التي وافق عليها أخيراً رئيس البلدية زهران ممداني جمدت أعداد أفراد الشرطة، وألغت خطة كانت تقضي بإضافة 580 شرطياً جديداً، وهي خطوة يرى معظم خبراء مكافحة الجريمة أنها كانت ضرورية للحفاظ على المكاسب الأمنية.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، فالقوى السياسية التي تشكل القاعدة الشعبية لرئيس البلدية تواصل الضغط باتجاه تبني شعار “خفض تمويل الشرطة”، وهو ما يزيد المخاوف بشأن مستقبل الأمن في المدينة.
وتبقى المشكلة الأكبر في القوانين الجنائية التي أقرت خلال ولاية الحاكم السابق أندرو كومو، والتي ما زالت تلقي بظلالها على الواقع الأمني.
فعدد الجنايات الكبرى، الذي بلغ 56 ألفاً و647 جريمة حتى الخامس من يوليو، يشير إلى أن إجمالي الجرائم بنهاية العام سيظل أعلى بكثير من مستويات عام 2019، أي قبل تطبيق نظام الإفراج النقدي المعدل الذي خفف قيود الاحتجاز قبل المحاكمة.
وتلفت جيسيكا تيش الانتباه إلى أن المراهقين، بمن فيهم أطفال لا تتجاوز أعمارهم 12 و13 عاماً، أصبحوا يشكلون عاملاً رئيسياً في ارتفاع جرائم السطو.
ويرجع ذلك، في رأيي، إلى قانون “رفع سن المسؤولية” (Raise the Age)، الذي سمح بمعاملة من هم دون الثامنة عشرة باعتبارهم أطفالاً بدلاً من محاكمتهم كبالغين، الأمر الذي جعل كثيراً منهم لا يواجهون عقوبات رادعة على الجرائم التي يرتكبونها.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يعلن مكتب المدعي العام في منطقة برونكس، الأسبوع الماضي، القبض على 19 شخصاً يشتبه بانتمائهم إلى عصابة إجرامية، كان من بينهم 18 قاصراً.
بل إن المدعية العامة لبرونكس، دارسيل كلارك، حملت هذا القانون مسؤولية مباشرة عن الارتفاع الملحوظ في جرائم الأحداث، عندما قالت بوضوح: “نظام عدالة الأحداث، بصراحة، أصبح نظاماً معطلاً.”
لقد أثبتت جيسيكا تيش وعناصر شرطة نيويورك قدراً استثنائياً من الاحتراف والشجاعة في الحفاظ على انخفاض معدلات الجريمة رغم كل التحديات.
غير أن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ستؤدي سياسات رئيس البلدية زهران ممداني، إلى جانب القوانين الجنائية المختلة التي تميل إلى حماية الجناة أكثر من حماية الضحايا، إلى تقويض كل هذه الإنجازات خلال الفترة المقبلة؟.
نقلاً عن “نيويورك بوست”
