بولي توينبي
ينطلق اليوم برنامج جديد يهدف إلى مساعدة نحو مليون شاب وشابة ممن لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون أي تدريب، وهي الفئة المعروفة اختصاراً باسم NEET.
ومن قبيل المصادفة أن يتزامن إطلاق البرنامج مع اليوم الذي كشف فيه آندي برنهام عن ملامح رؤيته للمستقبل، واضعاً الشباب في قلب مشروعه السياسي، في طرح ينسجم إلى حد بعيد مع المراجعة الصريحة التي قدمها آلان ميلبورن بشأن مصير ما وصفه بـ”الجيل الضائع”.
وبدءاً من اليوم، سيكون بإمكان أي صاحب عمل المطالبة بمنحة قدرها ثلاثة آلاف جنيه إسترليني إذا وظّف شاباً أو شابة تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاماً ممن يتلقون إعانة «يونيفرسال كريديت» وظلوا يبحثون عن عمل لمدة لا تقل عن ستة أشهر.. ويُفترض أن يشكل هذا الحافز المالي عنصراً مكملاً لثورة اللامركزية التي يدعو إليها برنهام.
فالحل الذي يطرحه يقوم على نقل قدر أكبر من السلطة والتمويل والصلاحيات الضريبية من وايتهول إلى رؤساء البلديات المنتخبين، انطلاقاً من قناعته بأن الحلول الحقيقية تبدأ محلياً.
فالوظائف تُخلق في المجتمعات المحلية، والتعليم والمدارس والكليات تنجح أو تفشل هناك، كما أن الحرمان الذي يقوّض مستقبل الأطفال يتجذر في البيئات المحلية.. ويستند برنهام في ثقته بهذا النهج إلى نجاح برنامج «العمل بشكل أفضل» الذي أطلقه في مانشستر، والذي حقق نتائج تجاوزت ما حققته البرامج الوطنية.
لكن برامج إعادة العاطلين إلى سوق العمل لم تكن يوماً سهلة التنفيذ، فهناك من يرى أن منحة الثلاثة آلاف جنيه لا تكفي لتعويض أصحاب العمل عن الوقت والجهد اللازمين لتوظيف هؤلاء الشباب، فيما يحذر آخرون من أنها مرتفعة أكثر من اللازم، لأنها قد تتحول إلى دعم مالي لأرباب عمل كانوا سيوظفونهم في جميع الأحوال.
أما مؤسسة «ريزولوشن فاونديشن» فقد استقبلت البرنامج بحذر أكثر من الحماس، فهي ترى أن هذه المنحة قد توفر نحو 2800 وظيفة إضافية للشباب سنوياً، لكن بتكلفة تصل إلى 36,700 جنيه إسترليني لكل وظيفة.
ورغم أن هذا الرقم يبدو مرتفعاً، فإنه قد يكون ثمناً مقبولاً إذا حال دون تحوّل الشباب إلى عاطلين دائمين بسبب افتقارهم إلى الخبرة العملية، وما يترتب على ذلك من سنوات طويلة من الاعتماد على الإعانات الحكومية، فضلاً عن الآثار النفسية والاجتماعية المدمرة للبطالة المزمنة.
أما برنامج «ضمان الوظائف الجديد»، الذي يبدأ العمل به يوم الثلاثاء، فيحظى بتقييم أكثر إيجابية، فكل صاحب عمل يوافق على توظيف شاب يصعب دمجه في سوق العمل بعد بقائه عاطلاً لأكثر من ثمانية عشر شهراً ستتكفل الدولة بدفع كامل راتبه وتكاليف توظيفه.
ويمتد هذا البرنامج، الذي تبلغ موازنته 2.5 مليار جنيه إسترليني على مدى ثلاث سنوات، ليبدأ عملياً بعد ثلاثة عشر أسبوعاً من البطالة، حين يُحال الشاب إلى برنامج «البحث المكثف عن عمل».. ومنذ تلك اللحظة، سيحصل كل مشارك على مدرب شخصي يضمن له أحد المسارات التالية: عقد تدريب مهني، أو فرصة لاكتساب خبرة عملية، أو الالتحاق بالتعليم الإضافي، أو الانضمام إلى برنامج الأكاديمية القطاعية للعمل (SWAP)، الذي يوفر تدريباً مهنياً لمدة تصل إلى ستة أسابيع داخل إحدى الكليات، يعقبه تدريب عملي لدى جهة عمل، مع ضمان إجراء مقابلة لوظيفة شاغرة حقيقية.
وترى مؤسسة «ريزولوشن فاونديشن» أن هذا البرنامج قادر على توفير نحو 17,500 وظيفة إضافية كل عام، وبتكلفة لا تختلف كثيراً عن تكلفة منحة توظيف الشباب.
وتزخر برامج إعادة العاطلين إلى العمل بتاريخ طويل من المبادرات التي حملت أسماء واختصارات لا تُحصى، تنوعت بين الحوافز والعقوبات والإغراءات والوعود التي لم يتحقق كثير منها، فضلاً عن البرامج التجريبية التي افتقر بعضها إلى التمويل الكافي، بينما اتسم بعضها الآخر بقدر مفرط من التشدد.
ومع ذلك، يبقى برنامج «الصفقة الجديدة للشباب» الذي أطلقته حكومة حزب العمال عام 1998 أبرز قصص النجاح في هذا المجال؛ ففي غضون عامين فقط تجاوز البرنامج هدفه الأصلي المتمثل في توفير وظائف لـ250 ألف شاب دون الخامسة والعشرين. وبحلول أكتوبر 2001، كان قد نجح في مساعدة 339 ألف شاب على الالتحاق بسوق العمل، وفقاً لتقرير المكتب الوطني لمراجعة الحسابات.
فهل يستطيع حزب العمال تكرار ذلك النجاح؟
أعتقد أن نجاح التجربة السابقة لم يكن نتيجة السياسات وحدها، بل جاء أيضاً بفضل الروح الجديدة التي حملها مستشارو التوظيف بعد تدريبهم. لقد حضرت آنذاك عدداً كبيراً من مقابلاتهم مع الشباب، ولمست كيف كان حماسهم ينتقل إلى أولئك الذين أنهكتهم خيبات الأمل والرفض المتكرر.
وسرعان ما انتشرت بين الشباب قناعة بأن مكاتب التوظيف لم تعد أماكن للإذلال، بل أصبحت توفر خيارات حقيقية وفرصاً واقعية.
وكما كانت الحال دائماً، بقي هناك حد أدنى من الإلزام؛ فإما قبول إحدى الفرص المتاحة، وإما فقدان الحق في الحصول على الإعانات.
لكن، وعلى خلاف نظام العقوبات الصارم الذي فرضه لاحقاً إيان دنكان سميث وجورج أوزبورن، لم يكن الهدف من «الصفقة الجديدة» إسقاط الناس من قوائم المستفيدين عبر الإجراءات التعسفية أو التضييق عليهم، بل مساعدتهم فعلاً على العودة إلى العمل.
وفي إطار الاستعداد لإطلاق «ضمان الشباب» الجديد، خضع مستشارو التوظيف لتدريب إضافي، بعد أن أمضى كثير منهم سنوات وهم يتحملون أعباء ملفات ضخمة من الباحثين عن عمل، من دون إعداد كافٍ يمكنهم من تقديم الدعم المطلوب.
وتحدثت إلى شابة التحقت حديثاً بالعمل في شركة Severn Trent Water بمدينة كوفنتري. كانت قد أمضت عاماً كاملاً بعد تخرجها من جامعة دي مونتفورت، حاصلة على شهادة في إدارة الأعمال، تتقدم إلى مئات الوظائف، من أبسطها إلى أكثرها تخصصاً، من دون جدوى. وأخبرتني أن مستشارة التوظيف التي كانت تتابع حالتها لم تكن على دراية كافية بالبرامج المتاحة، وأنها لم تسمع بفرصة التدريب التي استمرت ثمانية أسابيع إلا بالصدفة. واليوم، فتحت لها تلك الفرصة الباب للالتحاق ببرنامج متخصص لإعداد خريجي الموارد البشرية.
وتشارك شركة Severn Trent أيضاً في برنامج تجريبي لوزارة العمل والمعاشات، يستهدف توظيف أشخاص لا يحملون أي مؤهلات، وتؤكد الشركة أن جميع المشاركين فيه نجحوا في اجتياز امتحاني اللغة الإنجليزية والرياضيات اللذين كانوا يفتقرون إليهما.. فالتعلم، في كثير من الأحيان، ينجح خارج البيئة المدرسية التي ارتبطت لدى البعض بتجارب فشل وإحباط.
لكن رؤية آندي برنهام تتجاوز بكثير الآليات التقليدية لبرامج التوظيف؛ فهو يحاول معالجة الأسباب التي تدفع الشباب أصلاً إلى أن يصبحوا خارج دائرة العمل والتعليم والتدريب.
ويتعرض برنهام لضغوط كبيرة لتقليص الإنفاق على نظام الرعاية الاجتماعية، لكنه يرفض ما يسميه «التخفيضات العشوائية»، مفضلاً تبني نهج وقائي يعالج جذور المشكلة بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
وفي هذا السياق، يتبنى ما خلص إليه تقرير آلان ميلبورن، الذي يغوص في أشكال الظلم المتراكمة بين الأجيال، وبين المناطق، وبين الطبقات الاجتماعية، فضلاً عن التفاوتات المرتبطة بالعرق والظروف الشخصية، وكلها عوامل تغلق الأبواب أمام الشباب منذ سنواتهم الأولى.
ويقوم تصوره على دمج السياسات الصحية والإسكانية مع خدمات الطفولة المبكرة، حيث يمكن للدعم أن يحقق أكبر أثر ممكن؛ فالمشكلات التي تتعامل معها إدارات وايتهول بصورة منفصلة داخل هياكل بيروقراطية معزولة، يمكن حلها بصورة أكثر فاعلية إذا جُمعت تحت مظلة واحدة، وهو ما يعبّر عنه برنهام بنموذجه القائم على الإدارة المحلية في مانشستر.
وأتوقع أن يقود هذا التوجه إلى تغييرات جذرية في المناهج الدراسية التي تنفّر نحو ثلث الأطفال من التعليم، وإلى إحياء نظام التدريب المهني الذي تراجع بصورة لافتة، بعدما انخفض عدد المتدربين من الفئة العمرية بين 16 و24 عاماً بنسبة 35% منذ تطبيق ضريبة التدريب المهني عام 2017.. والأهم من ذلك كله، منح التعليم التقني والتعليم الإضافي التمويل والمكانة نفسيهما اللذين يحظى بهما التعليم الأكاديمي.
ولم يكن برنهام يتوقع أن تمر خطته لإنشاء مقر حكومي في مانشستر، فيما بات يُعرف باسم «داوننغ ستريت رقم 10 في الشمال»، من دون هجوم سياسي وإعلامي.
فقد سارعت صحيفة «ديلي ميل» إلى تصدر صفحتها الأولى بعنوان يتحدث عن «غارات ضريبية على الطبقة الوسطى ضمن خطة برنهام الممتدة لعشر سنوات»، محذّرة «أبناء الطبقة الوسطى في جنوب إنجلترا» من أنهم سيكونون أول من سيدفع الثمن.
لكن انتماء برنهام إلى شمال إنجلترا ظل أحد أهم عناصر قوته السياسية، فالسنوات الطويلة التي بدت فيها الحكومات وكأنها تُدار من أجل الجنوب وحده أسهمت في تغذية مشاعر الغضب من السياسة ومن وستمنستر، وهي المشاعر التي كانت من أبرز الأسباب التي قادت إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
فالناس جميعاً ينظرون إلى العالم من مواقعهم وتجاربهم الخاصة.
ومع ذلك، سواء كانوا في الشمال أو الجنوب، يصعب على أحد أن يتجاهل حقيقة وجود نحو مليون شاب وشابة خارج العمل والتعليم والتدريب؛ بعضهم ينظر إلى هذه المأساة بعين التعاطف، وآخرون يركزون على كلفتها الباهظة على دافعي الضرائب، لكن الجميع يدرك أن المشكلة لم تعد قابلة للتأجيل.
ولهذا أرى أن برنهام محق في وضع هؤلاء الشباب على رأس أولوياته، حتى وإن كان ذلك يعني أنه، منذ هذه اللحظة، لن يُقاس نجاح مشروعه السياسي بقوائم انتظار هيئة الخدمات الصحية الوطنية وحدها، بل ستصبح معدلات توظيف الشباب المعيار الأهم للحكم على نجاح حكومته أو إخفاقها.
نقلاً عن الغارديان
