خضعت ساو تومي وبرينسيب للمراجعة ضمن آلية الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان، في إطار الدورة الحادية والخمسين للفريق العامل المعني بالاستعراض، وذلك بتاريخ 27 يناير 2026، وترأست الوفد الممثلة الدائمة للدولة لدى مكتب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في جنيف أبيغيل تيني كوزمي بونفيم.
واعتمد الفريق العامل تقرير الدولة في 30 يناير 2026، وحتى الآن، يتوفر تقرير الفريق العامل، لكن لم يصدر ضمن الملفات المتاحة رد الدولة الرسمي النهائي على التوصيات، لذلك تبقى هذه القراءة أولية وقابلة للتحديث.
وقدّمت ساو تومي وبرينسيب نفسها خلال المراجعة باعتبارها دولة ملتزمة بالحوار متعدد الأطراف وبآليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، خاصة في ظل تحديات عالمية تتعلق بالنزاعات، وعدم المساواة، وتراجع الثقة بالتعددية، واعتبرت الدولة أن الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان يمثل آلية أساسية للحوار البنّاء وتطوير السياسات الوطنية.
وتكتسب مراجعة ساو تومي وبرينسيب أهمية خاصة لأنها تجمع بين تحديات الدول الجزرية الصغيرة، مثل محدودية الموارد والقدرات المؤسسية والتأثر بتغير المناخ، وبين ملف بيئي بارز؛ إذ أصبحت في عام 2025 أول دولة في العالم يتم تصنيف كامل أراضيها كمحمية محيط حيوي من قبل اليونسكو.
المناخ في قلب المراجعة
يعد ملف البيئة والمناخ من أبرز ملامح مراجعة ساو تومي وبرينسيب، فقد أشارت الدولة إلى أنها دمجت الحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة في السياسات العامة والالتزامات الدولية وأطر الحوكمة البيئية، كما تحدثت عن أدوات للحوكمة المناخية، وسياسات الانتقال الطاقي، وصناديق ائتمانية بيئية، وآليات تحويل الدين لصالح المناخ، وخطط وطنية لاستعادة الغابات وحماية المناطق الساحلية والإدارة المستدامة لمصائد الأسماك.
هذا الملف مهم لأنه يضع ساو تومي وبرينسيب ضمن مجموعة الدول التي لا تتعامل مع المناخ كملف بيئي فقط، بل كقضية حقوق إنسان ترتبط بالصحة، والغذاء، والسكن، والعمل، والمياه، وسبل العيش.
وبرز ملف حقوق النساء والمساواة بين الجنسين بوضوح في مراجعة الدولة، فقد أشارت ساو تومي وبرينسيب إلى اعتماد قانون التكافؤ لعام 2022، الذي يهدف إلى تعزيز التمثيل المتوازن بين الجنسين في المناصب المنتخبة ومواقع صنع القرار، وورد في التقرير أن القانون يضمن حداً أدنى من التمثيل بنسبة 40% لكل جنس في المناصب المنتخبة ومواقع صنع القرار.
وأقرت الدولة باستمرار التحديات المرتبطة بالمساواة ومكافحة العنف ضد النساء والفتيات، مؤكدة أن تغيير الممارسات الاجتماعية المتجذرة يحتاج إلى وقت واستمرارية واستثمار في التعليم.
العنف ضد النساء والفتيات
رغم الخطوات التشريعية والسياساتية، لا يزال ملف العنف ضد النساء والفتيات من الملفات التي تحتاج متابعة، فقد أشارت الدولة إلى تنفيذ إجراءات وطنية موحدة للرعاية والحماية والوصول إلى العدالة لضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، من خلال دليل خاص بمسارات المساواة بين الجنسين.
لكن التحدي الحقيقي يبقى في التنفيذ: هل توجد خدمات حماية كافية؟ هل تصل النساء في المناطق الريفية إلى العدالة؟ هل تتوفر بيانات واضحة حول العنف؟ وهل توجد مراكز إيواء ودعم نفسي وقانوني كافية للضحايا؟
وتظهر حماية الأطفال كأحد المحاور الأساسية في مراجعة ساو تومي وبرينسيب، فقد أكدت الدولة أن حماية الأطفال من الإيذاء تمثل أولوية وطنية، وأنها تتبع نهجاً متكاملاً يجمع بين التشريعات، السياسات الاجتماعية، والعمل التربوي.
وأشارت إلى تعزيز دور اللجنة الوطنية لحماية حقوق الطفل، وتقوية الإطار الجنائي المتعلق بالاستغلال الجنسي للأطفال وعمل الأطفال، وتنفيذ برامج توعية مجتمعية.
وتقر الدولة بأن عمل الأطفال يرتبط بالفقر البنيوي والاقتصاد غير الرسمي، وهو ما يعني أن معالجة الملف لا يمكن أن تكون قانونية فقط، بل يجب أن ترتبط أيضاً بالحماية الاجتماعية، التعليم، دخل الأسر، والعمل اللائق.
العدالة وسيادة القانون
عرضت ساو تومي وبرينسيب جهوداً مستمرة لإصلاح قطاع العدالة، مع التركيز على التحديث المؤسسي، واللامركزية القضائية، وتيسير الوصول إلى العدالة للمواطنين في المناطق الريفية.
وأشارت إلى تعزيز استقلال القضاء من خلال ضمانات دستورية وإصلاحات مؤسسية وتدابير هيكلية تهدف إلى ضمان الفصل بين السلطات والاستقلال الوظيفي للقضاء.
ويعد هذا الملف مهماً لأن الوصول إلى العدالة في الدول الصغيرة أو محدودة الموارد لا يرتبط فقط بالقوانين، بل أيضاً بوجود محاكم قريبة، كوادر مؤهلة، بنية تحتية، ومساعدة قانونية متاحة للمواطنين.
المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان
يبرز ملف إنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان كأحد الملفات المهمة في مراجعة الدولة، فقد أشادت عدة دول بالخطوات المتخذة نحو إنشاء مؤسسة وطنية وفق مبادئ باريس.
وأشارت ساو تومي وبرينسيب إلى وجود آلية تنسيق وطنية من خلال اللجنة الوزارية المشتركة لحقوق الإنسان، التي أُنشئت عام 2020 تحت إشراف وزارة العدل والشؤون البرلمانية وحقوق المرأة.
ورغم أهمية وجود آلية تنسيق حكومية، فإن إنشاء مؤسسة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان سيكون خطوة أكثر تقدماً، لأنه يوفر إطاراً مستقلاً للرصد، وتلقي الشكاوى، وتقديم المشورة، ومتابعة تنفيذ التوصيات.
وأكدت ساو تومي وبرينسيب أهمية الصكوك الدولية لحقوق الإنسان، وأشارت إلى أن تحليلات فنية جارية بشأن التصديق على عدد من الصكوك المعلقة، بما في ذلك نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والبروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، والبروتوكولات الاختيارية لاتفاقية حقوق الطفل، والبروتوكولات الاختيارية للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
هذا الملف يحتاج إلى متابعة لاحقة لمعرفة ما إذا كانت هذه التحليلات الفنية ستتحول إلى تصديقات فعلية أم ستبقى ضمن مرحلة الدراسة.
قراءة حقوقية
تكشف مراجعة ساو تومي وبرينسيب عن دولة صغيرة تحاول تقديم نموذج يقوم على الربط بين البيئة، التنمية، وحقوق الإنسان، ويظهر في التقرير توجه واضح نحو الحوكمة البيئية والمناخية، إلى جانب خطوات في مجالات التكافؤ بين الجنسين، وحماية الأطفال، وإصلاح العدالة، وبناء المؤسسات الحقوقية.
لكن القراءة الحقوقية لا تكتفي بصورة القيادة البيئية، فالتقرير يكشف أيضاً تحديات مستمرة في العنف ضد النساء، وعمل الأطفال، والفقر البنيوي، والاقتصاد غير الرسمي، والقدرات المؤسسية، والوصول إلى العدالة، لذلك، فإن نجاح الدولة سيعتمد على قدرتها على تحويل الإصلاحات والسياسات إلى خدمات ونتائج ملموسة.
وتظهر ساو تومي وبرينسيب في الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان كدولة جزرية صغيرة تسعى إلى ربط البيئة والمناخ بالتنمية والحقوق، لكنها تواجه تحديات واضحة في حماية النساء، وحماية الأطفال، وعمل الأطفال، والعدالة، وإنشاء مؤسسة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان، وستكون المرحلة القادمة مرتبطة بصدور رد الدولة الرسمي على التوصيات، خاصة في ملفات البيئة، والنساء، والأطفال، والعدالة، والتصديق على الاتفاقيات الدولية.
