منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

رغم خفض التلوث 60%.. الاعتماد على الفحم يعرقل الحق في الهواء النظيف بالصين

14 يوليو 2026
تلوث الهواء في الصين
تلوث الهواء في الصين

لم يعد الحق في التمتع بهواء نقي قضية بيئية فحسب، بل بات أحد الحقوق المرتبطة مباشرة بالحق في الصحة والحياة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتعرض طويل الأمد لتلوث الهواء، وبينما حققت الصين خلال العقد الماضي تقدماً واسعاً في خفض مستويات التلوث التي خنقت مدنها لسنوات، تكشف مؤشرات حديثة عن تحديات جديدة تهدد هذه المكاسب، مع عودة الاعتماد على الفحم في بعض المناطق وارتفاع مستويات الجسيمات الدقيقة في عدد من المدن الصناعية.

وكشف تحليل أجرته صحيفة “فايننشيال تايمز” لبيانات جودة الهواء والطاقة منذ عام 2000 أن الصين نجحت في تحقيق تحول كبير منذ أزمة “كارثة تلوث الهواء عام 2013، عندما كان الضباب الدخاني الكثيف جزءاً من الحياة اليومية لمئات الملايين من السكان، إلا أن هذا التقدم بدأ يواجه ضغوطاً جديدة نتيجة زيادة الاعتماد على الكهرباء المولدة بالفحم، إلى جانب ظروف جوية غير مواتية أسهمت في عودة التلوث إلى بعض المدن الشمالية.

وأظهر التحليل أن مستويات الجسيمات الدقيقة الضارة (PM2.5) انخفضت بنحو 60% مقارنة بذروة عام 2013 بحلول نهاية العام الماضي، وهو ما انعكس على انخفاض حالات دخول المستشفيات المرتبطة بهذا النوع من التلوث بنسبة 30%.

مستويات تلوث عليا 

ورغم هذا التحسن، لا تزال مستويات التلوث أعلى بنحو ست مرات من الإرشادات التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، حتى وإن أصبحت أقل قليلًا من الهدف الوطني الصيني الحالي البالغ 30 ميكروغراماً لكل متر مكعب والمقرر تحقيقه بحلول عام 2030.

ويُعد تلوث الجسيمات الدقيقة PM2.5 من أخطر أنواع تلوث الهواء، إذ يبلغ قطر هذه الجسيمات 2.5 ميكرون فقط، أي ما يعادل نحو جزء من 30 من قطر شعرة الإنسان، ما يسمح لها بالنفاذ إلى أعماق الرئتين والوصول إلى مجرى الدم والتسبب في أضرار تصيب أعضاء الجسم المختلفة. وينتج هذا النوع من التلوث بصورة رئيسية عن عوادم المركبات والانبعاثات الصناعية.

وأقرت الصين في مارس الماضي معايير وطنية جديدة لجودة الهواء تستهدف خفض متوسط تركيز الجسيمات الدقيقة إلى 25 ميكروغراماً لكل متر مكعب بحلول عام 2035، في خطوة تعكس استمرار جهودها لتحسين جودة الهواء.

وأوضح تحليل “فايننشيال تايمز” أن عدد السكان الذين يعيشون في مناطق تحقق الهدف الوطني الحالي ارتفع بصورة كبيرة، من 87 مليون نسمة عام 2015 إلى 664 مليوناً عام 2024، أي بزيادة تجاوزت سبعة أضعاف خلال أقل من عقد. ومع ذلك، لا يزال أكثر من نصف سكان الصين يعيشون في مناطق تتعرض لمستويات ضارة من التلوث، ويتركز معظمهم في المدن التي يزيد عدد سكانها على 10 ملايين نسمة.

تهديد الاعتماد على الفحم

أسهمت السياسات التي أطلقتها بكين عقب أزمة التلوث في تعزيز الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، لتصبح الصين إحدى أكبر الدول استثماراً في هذا القطاع، إلا أن استمرار اعتمادها على الفحم حدّ من سرعة التحسن.

ولا تزال الصين أكبر مصدر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العالم، إذ يعتمد أكثر من نصف إنتاجها من الكهرباء على الفحم، وهو أكثر أنواع الوقود الأحفوري تلويثاً.

وأظهرت بيانات مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف التي استند إليها تحليل “فايننشيال تايمز” أن متوسط مستويات الجسيمات الدقيقة ارتفع خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام بنسبة 11% في ست مدن شمالية، في حين تباطأ تحسن جودة الهواء في مناطق أخرى، في وقت تزامن مع حرب الشرق الأوسط التي شجعت على استخدام مصادر طاقة أقل تكلفة وأكثر تلويثاً.

أسباب وعوامل الارتفاع

وعزا التحليل هذا الارتفاع إلى مجموعة عوامل شملت ركود الأحوال الجوية، وزيادة إنتاج الفحم، واستمرار الطلب المرتفع من قطاع الصناعات الكيميائية كثيف الاستهلاك للطاقة الذي حظي بدعم سياسي ضمن جهود بكين لتوطين سلاسل الإمداد.

وفي المقابل، شهدت معظم مناطق جنوب الصين تحسناً في جودة الهواء، الأمر الذي أبقى الاتجاه العام للتلوث على المستوى الوطني في مسار الانخفاض.

وأوضح مؤسس شركة “كريا”، لوري ميليفيرتا، أن الصين شهدت تباطؤاً في خفض الانبعاثات هذا العام، موضحاً أن العقد الماضي ركز على تشديد ضوابط الانبعاثات في الصناعات الكبرى، وهي إجراءات كانت الأسهل تنفيذاً، في حين يتطلب تحقيق تخفيضات إضافية تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري نفسه.

وسجلت مدينتا شيجياتشوانغ وجينان أكبر ارتفاع في مستويات التلوث، بنسبة 22% و16% على التوالي، وهما من أهم المراكز الصناعية التي تضم قطاعات الصناعات الكيميائية والصيدلانية والتصنيع المتقدم.

وأفاد الباحث البارز في الصحة العالمية بمجلس العلاقات الخارجية، يانزهونغ هوانغ، أن حرق مخلفات المحاصيل الزراعية خلال الربيع أسهم أيضاً في تفاقم التلوث، رغم الجهود التي تبذلها السلطات المحلية للقضاء على هذه الممارسة.

توسع متسارع في الطاقة المتجددة

أظهرت البيانات أن حصة الطاقة المتجددة من توليد الكهرباء ارتفعت من نحو 15% عام 2003 إلى 37% بحلول عام 2025، بعدما كانت تعتمد في البداية بصورة رئيسية على الطاقة الكهرومائية.

وجاء الجزء الأكبر من هذا النمو نتيجة التوسع الكبير في الطاقة الشمسية، إذ تضاعف إنتاجها من الكهرباء منذ عام 2023، في حين ارتفع إنتاج طاقة الرياح بنسبة 28% والطاقة الكهرومائية بنسبة 14% خلال الفترة نفسها.

وفي المقابل، انخفض توليد الكهرباء من الوقود الأحفوري بنحو 1% منذ عام 2024، نتيجة تراجع إنتاج الكهرباء من الفحم للمرة الأولى منذ عام 2015.

كما أدى تباطؤ قطاع التصنيع إلى انخفاض إنتاج الصلب بنسبة 4.4% وإنتاج الأسمنت بنسبة 6.9% بحلول عام 2025، وهما من أكثر القطاعات إسهاماً في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة باستهلاك الطاقة.

وأشارت بيانات شركة “كريا” إلى أن هذا التراجع ساعد الصين على الاقتراب من هدف خفض الانبعاثات، في حين توقع تقرير “توقعات الطاقة الجديدة 2026” الصادر عن “بلومبيرغ إن إي إف” انخفاض الانبعاثات الصينية بنسبة 17% بحلول عام 2030 مقارنة بذروتها عام 2023، ثم تراجعها بنسبة 50% بحلول عام 2050، مع بقائها أعلى من المستويات الحالية في الولايات المتحدة وأوروبا.

ورغم هذه المؤشرات، يظل الاعتماد على الفحم أكبر التحديات أمام جهود تحسين جودة الهواء، إذ لا يزال يوفر نحو 50% من الكهرباء في الصين بفضل وفرة احتياطياته وانخفاض تكلفته.

وأظهرت البيانات أن عام 2025 سجل مستوى قياسياً في مشاريع محطات الفحم الجديدة أو المعاد تشغيلها، بإضافة قدرة إنتاجية بلغت 161 جيجاواط، في حين بلغت قدرة المحطات الجديدة وحدها 78 جيجاواط، وهو رقم يفوق صافي إضافات الهند من الطاقة المعتمدة على الفحم خلال الفترة بين 2015 و2024، رغم امتلاكها ثاني أكبر أسطول لمحطات الفحم عالمياً.

كما أضافت الصين خلال أول شهرين من عام 2026 نحو 20 جيجاواط من القدرة الإنتاجية لمحطات الفحم، وهو ما يعادل قرابة نصف الطاقة المتجددة الجديدة التي دخلت الخدمة خلال الفترة نفسها، وفق بيانات مركز أبحاث المناخ “كاربون تراكر”.

واعتبر الباحث في الصحة العالمية بمجلس العلاقات الخارجية، يانزهونغ هوانغ، أن قدرة الصين على تحسين جودة الهواء خلال السنوات الماضية تعكس فعالية نهجها في تنفيذ السياسات البيئية، لكنه أكد في الوقت نفسه أن عودة التلوث في بعض المدن تُظهر هشاشة المكاسب التي تحققت، وأن الحفاظ على الحق في هواء نقي يتطلب استمرار خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، وليس الاكتفاء بالحد من الانبعاثات الناتجة عنه.