منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

رغم تدني الأجور.. النساء المعيلات في تونس يخضن معركة الغلاء لحماية أسرهن

21 أبريل 2026
النساء المعيلات في تونس يخضن معركة في مواجهة غلاء الأسعار
النساء المعيلات في تونس يخضن معركة في مواجهة غلاء الأسعار

في تونس لا يُختزل الغلاء في ارتفاع الأرقام داخل نشرات الأسعار، بل يظهر يومياً في تفاصيل الحياة داخل البيوت.. مائدة أقل تنوعاً، مشتريات مؤجلة، علاج يُؤخر، واحتياجات شخصية تُلغى لمصلحة الطعام أو الدراسة أو الدواء.

وفي قلب هذا الضغط اليومي تقف النساء المعيلات، أو النساء اللواتي يتحملن عملياً مسؤولية تدبير معيشة الأسرة وإدارة ميزانيتها، سواء كنّ رئيسات أسر رسمياً أو القائمات فعلياً على الإنفاق والتدبير، وفي هذا المعنى، فإن الغلاء لا يُقاس فقط بمعدل التضخم العام، بل بحجم ما يفرضه من إعادة توزيع قاسية للضرورات داخل البيت، ومن أعباء إضافية على النساء تحديداً.

وتُظهر المعطيات الرسمية التونسية أن التضخم السنوي بلغ 5% في مارس 2026، في حين سجلت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية زيادة سنوية بلغت 6.8%، وبلغت الزيادة في بند التعليم 5.5%، وفي السكن والماء والكهرباء والغاز 4%.

كما يبين مؤشر الأسعار الشهري أن أسعار الغذاء قفزت من 211.9 نقطة في فبراير 2026 إلى 216.2 في مارس 2026، مع زيادة شهرية قدرها 2% في هذا البند وحده خلال شهر واحد.

تراجع التضخم.. ولكن

ورغم أن التضخم السنوي في 2025 تراجع إلى 5.3% مقارنة بـ 7% في 2024، فإن ذلك لم يعنِ بالضرورة انفراجاً فعلياً في معيشة الأسر؛ لأن الأسعار تراكمت أصلاً على مستويات مرتفعة، ولأن تراجع معدل التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، بل فقط تباطؤ وتيرة ارتفاعها.

وفي بيئة دخل هش وفرص شغل محدودة، يظل أثر الغلاء متراكماً، خاصة على الأسر التي تعيش أصلاً عند حدود الهشاشة الاقتصادية أو تحتها.

ولا يقتصر الحديث عن النساء المعيلات في تونس على النساء اللواتي يترأسن أسراً رسمياً، بل يشمل أيضاً شريحة أوسع من النساء اللواتي يحملن العبء اليومي لتدبير الغذاء، وترتيب الأولويات، والتوفيق بين مصاريف المدرسة والصحة والنقل والسكن.

وهذا ما يجعل آثاره الاقتصادية والاجتماعية أعمق من مجرد خانة “الإنفاق المنزلي”.

العبء الأكبر من الإعالة

بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة بشأن تونس تُظهر أن النساء والفتيات بعمر 15 سنة فأكثر يقضين 21.9% من وقتهن في أعمال الرعاية والعمل المنزلي غير المدفوع، مقابل 2.7% فقط للرجال.

هذا الفارق الهائل لا يعكس مجرد توزيع غير متكافئ للمهام داخل البيت، بل يكشف أيضاً أن النساء يدخلن معركة الغلاء من موقع غير عادل أصلاً.. وقت أقل للعمل المأجور، وعبء يومي أكبر في الرعاية والطهو والتنظيف ومتابعة الأطفال وكبار السن.

وبالنسبة للمرأة المعيلة أو التي تتحمل العبء الأكبر من الإعالة، فإن هذا يعني “وظيفتين” في وقت واحد: عمل مدفوع أو بحث دائم عن مورد رزق، وعمل منزلي كثيف لا يُعترف به اقتصادياً.

وتتضاعف هذه الهشاشة في سوق العمل نفسه، فوفق المعهد الوطني للإحصاء في تونس، بلغ معدل البطالة العام 15.2% في الربع الرابع من 2025، لكنه ارتفع إلى 20.8% بين النساء مقابل 12.6% بين الرجال.

وتظهر نشرية “التمكين والمساواة” الصادرة عن المعهد أن النساء ما زلن في وضع أضعف داخل النشاط الاقتصادي؛ إذ بلغت نسبة النشاط الاقتصادي للنساء 25.3% مقابل 55.1% للرجال، في حين بلغت نسبة التشغيل 33.6% للنساء مقابل 63.5% للرجال، وهذا يعني ببساطة أن المرأة التي تتحمل مسؤولية الإعالة لا تواجه الأسعار وحدها، بل تواجهها أيضاً من داخل سوق عمل أقل عدالة، وأقل إتاحة، وأكثر هشاشة.

الفقر من منظور النساء

في النقاش العام، كثيراً ما يُعرض الفقر باعتباره رقماً وطنياً عامّاً، لكن القراءة الحقوقية الأعمق تكشف أن أثر الفقر لا يتوزع بالتساوي داخل المجتمع ولا داخل الأسرة نفسها.

وفي بحث للبنك الدولي عن “تأنيث الفقر” في المنطقة العربية، أظهر أن الأسر التي تعيلها نساء ولديها أطفال في تونس تسجل معدلات فقر عليا عبر تعريفات مختلفة لرئاسة الأسرة، وأن وجود الأطفال يفاقم هشاشتها الاقتصادية.

كما تشير الدراسات الأكاديمية التونسية إلى أن النساء لا يواجهن الفقر فقط في مستواه النقدي، بل أيضاً في السيطرة على الموارد داخل الأسرة، فهي تذكر، استناداً إلى مراجع دولية سابقة، أن النساء في تونس يسهمن في دخل الأسرة بشكل متزايد.

لكن فقط ما بين 20% و30% منهن يملكن سيطرة حصرية على كيفية استخدام هذا الدخل، وأن مشاركتهن في القرارات الكبرى داخل الأسرة لا تنعكس دائماً في تحكم فعلي بالموارد المالية.

وهذا البعد مهم في فهم معاناة النساء المعيلات أو المشاركات في الإعالة: ليس كل من تسهم في الإنفاق تملك هامشاً متساوياً في القرار المالي.

وعندما تكون المرأة هي المعيلة أو المدبرة الأساسية للميزانية، فإن هذا الضغط لا يبقى اقتصادياً فقط، بل يتحول إلى عبء نفسي وأخلاقي أيضاً.. كيف توفّق بين طعام أفضل ودواء ضروري؟ بين مستلزمات المدرسة وفاتورة البيت؟ بين احتياجات الأطفال واحتياجاتها هي؟ هنا يصبح الغلاء مسألة حقوقية وإنسانية؛ لأنه يدفع النساء إلى التضحية بأنفسهن أولاً، وإلى تحمّل كلفة الأزمة عبر أجسادهن وصحتهن ووقتهن وراحتهن النفسية.

شبكة الحماية الاجتماعية

في مواجهة هذا الوضع، تبدو شبكات الحماية الاجتماعية شديدة الأهمية، لكن البيانات الحالية تُظهر أيضاً حدودها، حيث وصف البنك الدولي برنامج “أمان” بأنه البرنامج الرئيسي للحماية الاجتماعية في تونس، وقال إنه يوفر تحويلات نقدية شهرية لأكثر من 333 ألف أسرة فقيرة.

بالإضافة إلى تحويلات تكميلية لأكثر من 148 ألف طفل دون سن السادسة، وخدمات صحية مجانية لنفس الأسر، وخدمات صحية مدعّمة لنحو 620 ألف أسرة منخفضة الدخل إضافية، كما أوضح أن البرنامج يمثل أحد أهم أدوات التخفيف من الفقر وعدم المساواة في البلاد.

وفي تقرير متابعة للمشروع حتى أكتوبر 2025، قال البنك الدولي إن عدد الأسر المستفيدة من التحويلات النقدية الدائمة بلغ 383,192 أسرة، وإن التحويلات النقدية المؤقتة التي وُزعت في سياق الأزمات السابقة وصلت إلى 896,675 أسرة.

ويكشف التقرير أيضاً أن 31.4% من الأسر المستفيدة من التحويلات النقدية المؤقتة كانت ترأسها نساء، وهي نسبة مهمة لأنها تؤكد الحضور الكبير للنساء داخل فئات الهشاشة المستهدفة بالدعم.

وفي نوفمبر 2024 أورد البنك الدولي في قصة ميدانية عن البرنامج أن 54% من الأسر المستفيدة من التحويلات النقدية الدائمة كانت ترأسها نساء.

تعزيز الحماية الاجتماعية

في 27 مارس 2026 وافق البنك الدولي على تمويل إضافي بقيمة 90 مليون دولار لتعزيز الحماية الاجتماعية في تونس، مع توسيع المنح العائلية لتشمل الأطفال في سن الدراسة، وتعزيز الدعم للأشخاص ذوي الإعاقة، وتطوير سجل اجتماعي موحد ورقمنة أدوات الاستهداف والدفع.

كما أظهرت وثائق المشروع أن التوسعة الجديدة تستهدف 450 ألف طفل في سن الدراسة (6 إلى 18 سنة)، ما يخفف بعض الضغط عن الأسر الفقيرة والهشة، ومنها الأسر التي تعتمد في معيشتها على نساء.

لكن رغم أهمية هذه الشبكات، فإنها لا تبدو كافية وحدها لامتصاص أثر الغلاء المستمر، خاصة حين يقترن بضعف فرص التشغيل للنساء، واتساع فجوة الرعاية غير المدفوعة، وتفاوتات جهوية واضحة بين المدن الكبرى والجهات الداخلية والمناطق الريفية.

فالبنك الدولي نفسه يشير إلى أن البرنامج يستهدف الفقر متعدد الأبعاد، أي إن الحرمان لا يتعلق بالدخل فقط، بل أيضاً بالصحة والتعليم والبنية الأساسية والقدرة على الوصول إلى الخدمات.

النساء بين الهشاشة والتهميش

القراءة الحقوقية للوضع لا تتوقف عند سؤال “كم ارتفعت الأسعار؟” بل تتجاوزه إلى سؤال: من الذي يدفع الكلفة الكبرى؟ والإجابة في الحالة التونسية تميل بوضوح نحو النساء في أوضاع الإعالة والهشاشة.

فإلى جانب البطالة العليا، والعمل غير المدفوع الأكبر، والمخاطر العليا للفقر في الأسر التي ترأسها نساء، هناك أيضاً مسألة الحقوق الاقتصادية الأوسع.. القدرة على الوصول إلى عمل لائق، والتمتع بحماية اجتماعية كافية، والسيطرة على الموارد، والحصول على دعم عام يراعي اختلاف مواقع النساء داخل المجتمع والأسرة.

وفي تقريرها عن تونس لعام 2026 قالت هيومن رايتس ووتش إن البلاد ما زالت تشهد تراجعاً في بعض جوانب حقوق النساء والفتيات، منها استمرار أشكال من التمييز القانوني والفعلي.

ورغم أن هذا التقرير لا يركز على الغلاء تحديداً، فإنه يذكّر بأن الأزمة الاقتصادية لا تقع في فراغ، بل داخل بيئة حقوقية ما زالت فيها النساء أقل حماية في بعض المجالات وأكثر عرضة لنتائج التهميش الاقتصادي والاجتماعي.

كما تؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن تونس لا تزال تواجه “فوارق اجتماعية واقتصادية” تؤثر في النساء، وأن التقدم القانوني لا يكفي وحده لمعالجة اختلالات العمل غير المدفوع، والوصول إلى الفرص، والحماية من الهشاشة، وفي هذا السياق تبدو معاناة النساء المعيلات مع الغلاء امتداداً مباشراً لفجوات أقدم وأعمق من موجة الأسعار وحدها.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية