لا تنتهي معاناة الأطفال اللاجئين عند فقدان المنزل أو الانتقال إلى مخيمات النزوح، بل تتخذ أبعادا أكثر تعقيدا عندما يكون الطفل من ذوي الإعاقة. ففي بيئات تعاني أصلا من محدودية الموارد والخدمات، تصبح فرص الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي أكثر صعوبة، ما يضاعف من مخاطر التهميش والإقصاء.
ورغم أن المواثيق الدولية تكفل للأطفال ذوي الإعاقة الحق في الحماية والمشاركة والحصول على الخدمات دون تمييز، فإن واقع العديد من مخيمات اللجوء يكشف عن فجوة مستمرة بين هذه الالتزامات والظروف التي يعيشها آلاف الأطفال الذين يواجهون تحديين في آن واحد: الإعاقة والنزوح.
وتؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن الأشخاص ذوي الإعاقة يواجهون مخاطر عليا من الاستغلال والعنف والإقصاء خلال النزوح القسري، في حين ترتفع احتياجاتهم للحماية والخدمات المتخصصة مقارنة ببقية اللاجئين.
وفي لبنان، تضم نحو 63 بالمئة من الأسر اللاجئة فردا واحدا على الأقل من ذوي الاحتياجات الخاصة أو الاحتياجات المحددة، بما يشمل الإعاقات الجسدية والذهنية والأمراض المزمنة.
وتزداد هذه التحديات حدة بالنسبة للأطفال، إذ يؤدي انقطاع الخدمات أو محدودية الوصول إليها إلى آثار طويلة الأمد على نموهم الجسدي والمعرفي والنفسي، ويحد من فرص اندماجهم في المجتمع والتعليم والحياة العامة.
الإعاقة في ظل اللجوء
في لبنان، حيث يعيش مئات الآلاف من اللاجئين السوريين والفلسطينيين وسط أزمة اقتصادية مستمرة، يواجه الأطفال ذوو الإعاقة عقبات متزايدة في الوصول إلى التعليم والخدمات التأهيلية.
وتشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن الأشخاص ذوي الإعاقة يشكلون ما بين 10 و15 بالمئة من سكان لبنان، بينما تعاني البلاد من محدودية البنية التحتية الدامجة ونقص الخدمات المتخصصة واستمرار الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالإعاقة.
كما أظهرت دراسات حديثة حول تعليم الأطفال اللاجئين ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة أن الفقر وارتفاع تكاليف العلاج والتأهيل وصعوبات النقل تمثل عوامل رئيسية تدفع كثيرًا من الأطفال إلى الانقطاع عن التعليم أو حرمانهم من فرص التعلم المناسبة.
التعليم الدامج يواجه تحديات
رغم التقدم الذي أحرزته اليونان في دمج الأطفال اللاجئين في النظام التعليمي، لا تزال التحديات قائمة أمام الأطفال ذوي الإعاقة.
وتفيد منظمة الأمم المتحدة للطفولة بأن برنامج “جميع الأطفال في التعليم” دعم أكثر من 25 ألف طفل لاجئ ومهاجر منذ عام 2021، من بينهم 273 طفلا من ذوي الإعاقة، إلا أن منظمات أممية تؤكد استمرار العقبات المتعلقة بالتسجيل المدرسي ونقص الدعم المتخصص والحاجة إلى سياسات أكثر شمولًا لضمان التعليم الدامج.
ويواجه الأطفال المقيمون في مراكز الاستقبال ومخيمات الجزر اليونانية تحديات إضافية مرتبطة بعدم استقرار أوضاع الأسر والتنقل المستمر وتأخر إجراءات اللجوء. وتلك العوامل تؤثر بصورة مباشرة على انتظامهم في التعليم والحصول على خدمات الدعم النفسي والاجتماعي.
ذوو الإعاقة في كينيا
في مخيمي كاكوما وداداب للاجئين في كينيا، تستضيف السلطات وشركاؤها الإنسانيون مئات الآلاف من اللاجئين، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال ذوي الإعاقة.
وتؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن الأطفال اللاجئين في المخيمين يتمتعون بحق الوصول إلى التعليم المجاني في المدارس المدعومة من المفوضية وشركائها.
وتوفر منظمات متخصصة، مثل منظمة الإنسانية والإدماج والخدمة اليسوعية للاجئين، برامج للتأهيل والعلاج والدعم النفسي والتعليم الدامج للأطفال ذوي الإعاقة.
ورغم هذه الجهود، تشير دراسات ميدانية إلى استمرار الصعوبات المرتبطة بنقص الكوادر المتخصصة وبعد المسافات داخل المخيمات والعوائق المادية التي تحد من قدرة الأطفال على الوصول المنتظم إلى المدارس والخدمات. فضلا عن محدودية فرص التعليم العالي والتأهيل المهني مقارنة بغيرهم من اللاجئين.
ورغم اختلاف السياقات السياسية والاقتصادية بين لبنان واليونان وكينيا، تكشف التجارب الثلاث عن تحدٍ مشترك يتمثل في أن وجود الخدمات الإنسانية لا يعني بالضرورة وصول الأطفال ذوي الإعاقة إليها بصورة متكافئة.
وفي كثير من الأحيان، تتحول العوائق المرتبطة بالنقل أو نقص الكوادر المتخصصة أو ضعف البنية التحتية الدامجة إلى حواجز فعلية تمنع الأطفال من الاستفادة من التعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي.
كما أن الإعاقة والنزوح يتداخلان ليشكلا حالة مركبة من الهشاشة تجعل الأطفال أكثر عرضة للتهميش مقارنة بغيرهم من اللاجئين، حتى في البيئات التي تتوافر فيها برامج دعم ومساعدات إنسانية.
آثار تتجاوز حدود النزوح
لا تقتصر معاناة الأطفال ذوي الإعاقة في مخيمات اللجوء على نقص الخدمات الأساسية، بل تمتد إلى أبعاد نفسية عميقة قد تؤثر في نموهم وقدرتهم على الاندماج في المجتمع على المدى الطويل.
وتوضح المستشارة النفسية لارا معايطة أن هؤلاء الأطفال يواجهون مستويات مركبة من الضغط النفسي، إذ يتعاملون مع آثار النزوح والفقدان وعدم الاستقرار، إلى جانب التحديات المرتبطة بالإعاقة نفسها، مثل محدودية الوصول إلى العلاج والتأهيل وصعوبات الدمج التعليمي والاعتماد المتزايد على مقدمي الرعاية.
وتنعكس هذه الظروف في ارتفاع معدلات القلق والخوف والانسحاب الاجتماعي واضطرابات النوم وتراجع الثقة بالنفس والشعور بالعجز أو الاختلاف عن الأقران.
وتشير معايطة في حديثها لـ”صفر” إلى أن الأطفال اللاجئين والنازحين يُعدون من أكثر الفئات عرضة لمشكلات الصحة النفسية نتيجة تراكم الصدمات والفقر وانقطاع التعليم وضعف شبكات الدعم الاجتماعي، في حين تتضاعف هذه المخاطر لدى الأطفال ذوي الإعاقة بسبب ما يواجهونه من عوائق إضافية في الوصول إلى الحماية والخدمات.
أثر اللجوء في الأطفال
تلفت معايطة إلى أن اللجوء طويل الأمد يخلق حالة مزمنة من عدم اليقين، حيث يكبر الأطفال في بيئة تفتقر إلى الإجابات الواضحة بشأن مستقبلهم وفرصهم في التعليم والعلاج والاستقرار.
وتزداد الآثار النفسية حدة عندما يتحول التهميش إلى تجربة يومية متكررة نتيجة غياب المدارس الدامجة أو نقص الأدوات المساندة أو محدودية الخدمات المتخصصة.
وفي بعض الحالات، قد يؤدي ذلك إلى ما يعرف بالعجز المتعلم، حيث يفقد الطفل تدريجيًا ثقته بقدرته على التأثير في واقعه أو تحسين ظروفه، الأمر الذي ينعكس على دافعيته للتعلم والمشاركة الاجتماعية.
ويمتد التأثير النفسي إلى الأسرة نفسها، إذ يواجه الآباء ومقدمو الرعاية ضغوطًا متواصلة مرتبطة بالفقر والنزوح وصعوبة تأمين العلاج والتعليم لأطفالهم، ما يؤثر في قدرتهم على توفير الدعم العاطفي المستقر.
حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة
تنص اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على حق الأطفال في التعليم والصحة والحماية والمشاركة دون تمييز. غير أن واقع المخيمات في لبنان واليونان وكينيا يكشف أن الوصول إلى هذه الحقوق ما يزال متفاوتا ومقيدا بعوامل ترتبط بالإمكانات والتمويل والبنية التحتية.
ويشير خبراء الحماية إلى أن التحدي لا يكمن فقط في توفير الخدمات، بل في تصميم الاستجابة الإنسانية بحيث تراعي احتياجات الأطفال ذوي الإعاقة منذ البداية.
ويؤدي غياب هذا المنظور غالبا إلى استبعاد غير مقصود لهذه الفئة من البرامج التعليمية والصحية والنفسية، ويجعل حصولها على الحقوق الأساسية مرتبطا بجهود استثنائية بدل أن يكون جزءا طبيعيا من منظومة الحماية الإنسانية.
وتكشف أوضاع الأطفال ذوي الإعاقة في مخيمات اللجوء أن الحماية لا تقتصر على توفير المأوى والغذاء والخدمات الأساسية، بل تشمل ضمان الوصول المتكافئ إلى التعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي وفرص المشاركة المجتمعية.
وكلما اتسعت الفجوة بين الاحتياجات الخاصة لهؤلاء الأطفال والخدمات المتاحة لهم، ازدادت مخاطر التهميش والإقصاء على المدى الطويل.
وفي ظل استمرار أزمات اللجوء والنزوح حول العالم، يبقى احترام حقوق الأطفال ذوي الإعاقة أحد الاختبارات الحقيقية لقدرة الاستجابة الإنسانية على الانتقال من إدارة الاحتياجات الطارئة إلى حماية الحقوق الأساسية بصورة شاملة ومستدامة.

