منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ذاكرة في مواجهة الطمس.. كيف يتحول توثيق الحروب إلى درع لحقوق الضحايا؟

20 أبريل 2026
تأثيرات كارثية للحروب على المدنيين
تأثيرات كارثية للحروب على المدنيين

كما تُستهدف الأرواح في الحروب، تستهدف الحقيقة أيضاً في محاولة لطمسها وتشويهها، فبين ركام المدن وجثامين القتلى، تبدأ معركة أخرى لا تقل ضراوة وهي معركة الذاكرة في مواجهة الطمس والنسيان، ولذلك يصبح التوثيق مقاومة إنسانية لإنقاذ حقوق وكرامة الضحايا وليس مجرد عملية أرشفة فحسب.

ولا تنتهي آثار الحروب بانتهاء المعارك، بل تمتد في ذاكرة الناجين، وفي قصص لم تُروَ بعد، وفي كثير من السياقات، لا يكون النسيان طبيعياً، بل يُفرض قسراً عبر تغييب الأدلة أو تدمير الوثائق أو التضييق على الشهود، ومن ثم يتحول توثيق الانتهاكات إلى ضرورة أخلاقية وقانونية، لأنه يمنع تحويل الضحايا إلى مجرد أرقام، ويعيد لهم أسماءهم وحكاياتهم.

ويعد التوثيق حجر الأساس لأي مسار نحو المساءلة والإنصاف، فمن دون أدلة وشهادات، تصبح الانتهاكات عرضة للإنكار أو التشكيك، وهنا يبرز دور المؤسسات الحقوقية الدولية التي تعتمد على جمع الأدلة والشهادات لتوثيق الجرائم، ومنها جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

كما تلعب آليات العدالة الدولية، وعلى رأسها المحكمة الجنائية الدولية، دوراً محورياً في تحويل هذا التوثيق إلى أدوات مساءلة قانونية، وتفتح الباب أمام محاسبة المسؤولين، حتى وإن تأخرت العدالة.

ولا يقتصر التوثيق على الأرقام والإحصاءات، بل يمتد إلى نقل التجارب الإنسانية بكل تعقيداتها، فكل شهادة تُوثق هي استعادة لصوت كان مهدداً بالاختفاء، وفي هذا السياق، يصبح التوثيق فعل إنصاف يعيد للضحايا مكانتهم بوصفهم أفراداً لهم قصص وحقوق، وليسوا مجرد ضحايا مجهولين في تقارير رسمية.

ورغم أهميته، لا يخلو التوثيق من مخاطر جسيمة، فالنشطاء الذين يعملون على جمع الأدلة غالباً ما يواجهون تهديدات مباشرة، وقد يتعرضون للاعتقال أو الاستهداف، كما أن الضحايا أنفسهم قد يترددون في الإدلاء بشهاداتهم خوفاً من الانتقام، ومع ذلك، يظل التوثيق خياراً لا غنى عنه، لأنه يمثل الوسيلة الوحيدة لمواجهة روايات الإنكار، وكسر دائرة الإفلات من العقاب.

أهمية السرعة في التوثيق

وتشدد مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان على أن توثيق الانتهاكات يجب أن يكون سريعاً ومتواصلاً منذ اللحظات الأولى لظهور الأدلة، لأن التأخير قد يؤدي إلى ضياع المعلومات أو العبث بها أو إخفائها، خصوصاً في النزاعات التي يُستهدف فيها الشهود والوثائق ومسرح الجريمة نفسه.

كما تؤكد المفوضية أن التوثيق لا يهدف فقط إلى إنشاء سجل تاريخي، بل إلى حفظ الأدلة وتحليلها، ما يتيح استخدامها لاحقاً في المساءلة القضائية، ويمنع إنكار الجرائم أو تمييعها.

وفي السياق نفسه، توضح إرشادات الأمم المتحدة الخاصة بلجان التحقيق وتقصي الحقائق أن هذا العمل يسهم في حفظ الذاكرة الجماعية، وتثبيت الوقائع، ودعم حق الضحايا والمجتمعات في معرفة الحقيقة.

أما على مستوى العدالة الدولية، فتؤكد المحكمة الجنائية الدولية أن الضحايا يمكنهم المشاركة في الإجراءات القضائية أمام المحكمة، وأن هناك ترتيبات خاصة لحماية الضحايا والشهود وسرية المعلومات خلال سير القضايا.

ويعني ذلك أن التوثيق لا يبقى مجرد مادة أرشيفية أو أخلاقية، بل يمكن أن يتحول إلى أداة قانونية مباشرة في ملاحقة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وغيرها من الانتهاكات الجسيمة.

كما أن التطور التقني أضاف بُعداً جديداً لهذا المسار؛ إذ توضح مفوضية حقوق الإنسان في “بروتوكول بيركلي” أن الصور والفيديوهات ومواد المصادر المفتوحة باتت عنصراً مهماً في جمع الأدلة، ما يساعد على حفظ الانتهاكات حتى عندما يُمنع الوصول الميداني أو تُدمَّر الوثائق التقليدية.

موت الضحايا والحقيقة مرتين

وأكد الخبير الحقوقي الدولي المتخصص في قضايا الحماية الدولية، كمال مشرقي، أن العالم يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم، إما ترسيخ منظومة القانون الدولي وتعزيز حضورها، أو الارتداد إلى ما قبل الإنسانية، حيث يسود منطق القوة وشريعة الغاب، مشدداً على أن ما لا يُوثق اليوم يُقتل مرتين، مرة بفعل الجريمة ذاتها، ومرة بإنكارها وطمسها.

وأوضح مشرقي، في تصريح لـ”صفر”، أن دور المجتمع الدولي لم يعد يقتصر على الدعوة لوقف الحروب، بل تطور ليشمل توثيق الانتهاكات باعتباره مدخلاً أساسياً للمساءلة، مشيراً إلى أن مؤسسات الأمم المتحدة، ولا سيما الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، أسهمت في إنشاء آليات للتحقيق وتقصي الحقائق، ما يضمن توثيق الجرائم وحفظ حقوق الضحايا ومنع طمس الحقيقة.

وأضاف أن التجارب الدولية أفرزت نماذج عملية لمعالجة قضايا التعويض وجبر الضرر، عبر آليات تعيد الاعتبار للمتضررين، ما يعكس تطوراً تدريجياً نحو تكريس حق الضحايا في الإنصاف، لافتاً إلى تنامي دور الشعوب التي باتت بفضل الوعي القانوني والإعلامي والرقمي، طرفاً فاعلاً في مواجهة الانتهاكات.

وفي ظل استمرار النزاعات، شدد كمال مشرقي على أن الحاجة إلى التوثيق أصبحت أكثر إلحاحاً، ليس فقط بوصفها أداة قانونية، بل ضرورة أخلاقية تحفظ حق الضحايا في الوجود والاعتراف، وتمهد لمسارات العدالة مهما طال الزمن، معتبراً أن هذه العملية تمثل “الذاكرة القانونية للإنسانية” التي تحول الألم إلى أمل، والانتهاكات إلى مسؤولية قابلة للمساءلة.

وأشار إلى أن تحقيق العدالة الدولية يستند بالأساس إلى الأدلة الموثقة، موضحاً أن محكمة العدل الدولية، بوصفها المرجع الأعلى لتفسير وتطبيق قواعد القانون الدولي، تعتمد على الوقائع والبيانات والأدلة، لا على الخطابات السياسية، كما تعتمد المحكمة الجنائية الدولية بشكل جوهري على المعلومات الموثقة لإثبات جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.

تحويل الذاكرة إلى سلاح قانوني

وأكد مشرقي أن التوثيق يمثل أداة إثبات قانونية تحول دون تكرار الجرائم، وتسهم في حماية السردية الإنسانية من الاختزال أو المحو، كما تضمن مساءلة الجناة، خاصة أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وفقاً لما نص عليه نظام روما الأساسي، مضيفاً أن إمكانية إعادة فتح الملفات القديمة استناداً إلى الأدلة الموثقة تجعل من التوثيق وسيلة لإحياء العدالة، وتحويل الذاكرة إلى سلاح قانوني في مواجهة الإفلات من العقاب.

واستدرك بالقول إن الذاكرة الإنسانية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها في مواجهة محاولات الطمس وإعادة كتابة التاريخ، بل يجب أن تُدعم بتوثيق منهجي يحولها إلى أدلة قانونية وقواعد بيانات وشهادات موثوقة.

وفي هذا السياق، أشار كمال مشرقي إلى الدور المتنامي للتكنولوجيا، ولا سيما أدوات الذكاء الاصطناعي، في دعم جهود التوثيق، من خلال تحليل الأدلة الرقمية، والصور، ومنها الصور الفضائية، إضافة إلى التوثيق عبر الهواتف الذكية، ما يعزز من كفاءة رصد الانتهاكات وتحليلها بشكل مهني.

وأكد أن تطور طبيعة النزاعات يفرض تجاوز الأدوات التقليدية، نحو تبني آليات حديثة، مثل إنشاء منصات رقمية آمنة تتيح للضحايا والشهود توثيق الانتهاكات بشكل موثوق وقابل للاستخدام القانوني، إلى جانب تطوير بروتوكولات التوثيق بما يضمن قبولها أمام المحاكم الوطنية والإقليمية والدولية.

واختتم مشرقي بتأكيد أهمية تعزيز الشراكات بين الجهات القانونية والمؤسسات التقنية، خاصة في مجال تحليل الأدلة الرقمية، فضلاً عن تطوير مقاربات جديدة للعدالة تجمع بين المستويين الوطني والدولي، ما يعزز فرص المساءلة ويضمن عدم إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب.

ضمانة لعدم طمس الحقائق

بدورها، قالت أستاذة القانون العام في الجامعة اللبنانية الدكتورة هالة أبو حمدان، إن الحروب تشهد انتهاكات جسيمة لمختلف قواعد القانون الدولي، وعلى رأسها القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن العالم يواجه أنماطاً متصاعدة من الجرائم، تبدأ بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وقد تصل في بعض الحالات إلى ما يمكن توصيفه بالإبادة الجماعية، باعتبارها أخطر الجرائم في المنظومة القانونية الدولية.

وأكدت حمدان في تصريح لـ”صفر” أن حماية حقوق الضحايا تقتضي توثيقاً شاملاً ودقيقاً لكل ما يجري من انتهاكات، موضحة أن الذاكرة، رغم ما تمتلكه من قوة معنوية وتأثير إنساني، لا تكفي وحدها لضمان تحقيق العدالة، بل يجب أن تُدعم بتوثيق علمي رصين يقوم على منهجية دقيقة وقابلة للاعتماد القانوني.

ودعت إلى تعزيز أدوات التوثيق عبر دعم الصحافة المهنية، والاستفادة من التقنيات الحديثة، والعمل على بناء أرشيفات علمية موثوقة توثق هذه الجرائم وتؤرخ للمرحلة، ما يحول دون طمس الحقائق أو التلاعب بها.

وشددت هالة أبو حمدان على أن استعادة حقوق الضحايا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسارات العدالة الدولية، لافتة إلى الدور المحوري لكل من المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، مع التأكيد بشكل خاص لأهمية المحكمة الجنائية الدولية في ملاحقة مرتكبي الجرائم الجسيمة.

كما أكدت ضرورة تفعيل آليات العدالة الانتقالية، وتعزيز دور المحاكم المختلطة التي تجمع بين الطابعين الدولي والوطني، لما توفره من فرص كبرى لتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا.

وأوضحت حمدان أن المحاكم المختصة بجرائم الحرب تمثل أحد أهم المسارات الفعالة لاسترداد الحقوق، سواء فيما يتعلق بالتعويضات، أو استعادة الممتلكات، أو ضمان عودة المهجرين، مشددة على أن تحقيق هذه الأهداف يظل مرهوناً بوجود أدلة موثقة تستند إلى معايير علمية دقيقة.

وفي هذا الإطار دعت إلى تضافر جهود الأطراف المحايدة، ولجان التحقيق، والمنظمات الدولية، والصحافة المهنية، من أجل توثيق الجرائم بشكل منهجي، واستخدام هذه المواد أدلة قانونية في مختلف مسارات التقاضي، سواء أمام المحاكم الدولية أو المختلطة أو المؤقتة.

واختتمت هالة أبو حمدان بتأكيد أن التوثيق العلمي والمنهجي لا يُعد إجراءً تكميلياً، بل يمثل ركيزة أساسية لا غنى عنها لضمان سير العدالة وتحقيق المساءلة ومنع الإفلات من العقاب.

واجب إنساني وأخلاقي

من جانبه، أوضح المدير الإقليمي بالمركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان، الدكتور أحمد غازي، أن آليات التوثيق في أوقات الحروب والنزاعات المسلحة تكتسب أهمية استثنائية، مشدداً على أنها لا تُعد مجرد إجراء إداري أو عمل روتيني، بل تمثل واجباً إنسانياً وقانونياً وأخلاقياً بالغ الأهمية.

وأكد غازي في تصريح لـ”صفر” أن التوثيق يشكل الوسيلة الأساسية لحفظ الحقيقة ومنع طمس الوقائع أو التلاعب بها، فضلاً عن دوره في حماية حقوق الضحايا، خصوصاً في ظل الفوضى والانتهاكات التي ترافق النزاعات المسلحة، والتي غالباً ما تقع بعيداً عن أعين الرقابة والمساءلة.

وأشار إلى أن توثيق الانتهاكات يستند إلى مبادئ الأمم المتحدة، وقواعد اتفاقيات جنيف، باعتباره ركيزة أساسية لضمان احترام القانون الدولي الإنساني، في حين يشمل التوثيق المهني تسجيل الوقائع وجمع الأدلة وتوثيق شهادات الضحايا وتحديد المسؤوليات، ما يسهم في بناء ملف قانوني متكامل يمكن الاستناد إليه لاحقاً، خاصة أمام المحكمة الجنائية الدولية.

ولفت أحمد غازي إلى أن أهمية التوثيق تتجلى بوضوح في حماية حقوق الضحايا، موضحاً أن التوثيق المهني والمحايد يتيح فرصاً حقيقية لإثبات وقوع الانتهاكات، سواء تعلق الأمر بقتل المدنيين أو التهجير القسري أو التعذيب أو احتجاز الرهائن، وغيرها من الجرائم الجسيمة، مضيفاً أن هذا المسار يمكّن الضحايا وذويهم من المطالبة بحقوقهم أمام القضاء الوطني أو الهيئات الدولية.

وشدد غازي على الدور المحوري للتوثيق في تعزيز المساءلة ومكافحة الإفلات من العقاب، موضحاً أن الجهات القضائية الدولية، وعلى رأسها المحكمة الجنائية الدولية، تعتمد بشكل كبير على الأدلة الموثقة لفتح التحقيقات وملاحقة مرتكبي جرائم الحرب، مؤكداً أنه من دون هذا التوثيق يصبح من الصعب إثبات الجرائم أو ربطها بالمسؤولين عنها.

ومن ناحية أخرى، أشار إلى أن التوثيق يفتح الباب أمام مسارات التعويض وجبر الضرر، إذ يمنح الضحايا استناداً إلى الأدلة المتوفرة الحق في المطالبة بتعويضات مادية ومعنوية، فضلاً عن رد الاعتبار، وهو ما يمثل أحد أعمدة تحقيق العدالة، إذ يمثل التوثيق في زمن الحروب خط الدفاع الأول عن الحقيقة والضمانة الأساسية لعدم نسيان الجرائم، ما يُبقي المسؤولية قائمة في مواجهة مرتكبيها مهما طال الزمن.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان