منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حين يصبح الليل ساحة حرب.. حق الحياة تحت تهديد المسيرات في غرب ليبيا

21 أغسطس 2026
ليبيا.. تحديات تواجه حق الحياة في غرب البلاد
ليبيا.. تحديات تواجه حق الحياة في غرب البلاد

لم يعد الليل في مدن غرب ليبيا يعني نهاية يوم طويل وبداية ساعات من السكون، ففي بعض المناطق يتحول الظلام إلى موعد محتمل للخطر، مع تصاعد استخدام الطائرات المسيرة في هجمات تضرب منشآت حيوية وتقترب من المناطق المأهولة، لتعيد إلى ذاكرة الليبيين مشاهد الحرب، لكن بأدوات أكثر قدرة على الوصول إلى أهدافها عن بُعد.

وفي مدينة الزاوية الواقعة على بعد نحو 40 كيلومتراً غرب طرابلس، تصاعدت خلال أغسطس الجاري هجمات الطائرات المسيرة التي استهدفت منشآت حيوية، بينها مجمع الزاوية النفطي ومحطات كهرباء، ما أدى إلى اندلاع حرائق وأضرار في منشآت استراتيجية، وأثار مخاوف من تحول التصعيد الأمني إلى تهديد مباشر للحياة اليومية للسكان، في حين لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجمات الأخيرة، بحسب تقارير صحفية.

وأدت إحدى الهجمات إلى انهيار خزان وقود كان يحتوي على نحو 4.5 مليون لتر من البنزين، في حين تواصلت الهجمات على منشآت الطاقة في المدينة خلال الأيام التالية، كما أعلنت الشركة العامة للكهرباء أن هجوماً استهدف محطة جنوب الزاوية، ما أدى إلى خروج أكثر من 700 ميغاوات من أصل 1300 ميغاوات من قدرة المحطة عن الخدمة، وانقطاعات واسعة للتيار الكهربائي.

ولم تقتصر التداعيات على الأضرار المادية؛ إذ اضطرت شركة “جنرال إلكتريك” إلى تعليق عملياتها وسحب فرقها الفنية من محطة الزاوية بسبب المخاوف الأمنية، في حين حذرت المؤسسة الوطنية للنفط من أن استمرار الهجمات قد يهدد عمليات القطاع النفطي في البلاد.

وبات المدنيون محاصرين بين خطرين؛ أحداهما مسيرات قد تضرب من السماء، وثانيهما منشأة حيوية قد تتوقف عن العمل في الأسفل، لتكتسب الهجمات في الزاوية خطورتها من طبيعة المنشآت المستهدفة، فالمدينة تضم مجمعاً نفطياً استراتيجياً ومصفاة تعد الكبرى بين المصافي العاملة في ليبيا، إلى جانب منشآت كهرباء وخدمات حيوية، ما يجعل أي هجوم بالقرب منها يحمل تداعيات تتجاوز الهدف المباشر إلى السكان والاقتصاد والبيئة.

وفي الأيام الأخيرة، تعرض مجمع الزاوية النفطي لسلسلة من الهجمات بالطائرات المسيرة، ما أدى إلى اندلاع حرائق في خزانات للوقود، في حين استهدفت هجمات أخرى منشآت كهربائية، لتتسع دائرة الخطر من منشآت الطاقة إلى الخدمات التي يعتمد عليها ملايين السكان؛ إذ تكشف هذه التطورات عن جوهر الأزمة الحقوقية حين تنتقل المواجهات المسلحة إلى محيط المدنيين، فيصبح التمييز بين الهدف العسكري والمنشأة المدنية مسألة حياة أو موت.

ينص القانون الدولي الإنساني على حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، ويحظر الهجمات العشوائية والهجمات التي لا تميز بين الأهداف العسكرية والمدنية، لكن واقع غرب ليبيا يكشف هشاشة هذه الحماية، ولا سيما أن سنوات الانقسام السياسي وانتشار الجماعات المسلحة أضعفت قدرة مؤسسات الدولة على فرض احتكار السلاح، في حين بقيت مناطق واسعة رهينة لتوازنات أمنية محلية متغيرة.

تحت تأثير القوى المسلحة

يقول الحقوقي الليبي ناصر الهواري، في حديث لـ”صفر”، إن المنطقة الغربية، في ظل وجود المليشيات وسيطرتها على السجون ومختلف مناحي الحياة، أصبحت عائقاً يحول دون تحقيق تقدم في الملف الحقوقي، مضيفاً أن القتل والخوف بات شعاراً يميز هذه المرحلة التي تحكمها المليشيات، في ظل ضعف وهشاشة الحكومة في طرابلس.

ويرى الهواري أن واقع حقوق الإنسان في ليبيا شهد في المقابل تحسناً ملحوظاً في المنطقة الشرقية خلال الآونة الأخيرة، قائلاً إن “عمليات الاعتقال التعسفي تراجعت بصورة ملحوظة، إضافة إلى إنشاء اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجون والسجناء، والتي نجحت في إطلاق سراح نحو 250 سجيناً من سجن قرنادة العسكري، وكذلك إنشاء لجنة للمصالحة الوطنية وبدء عودة بعض العائلات، ما يمهد الطريق أمام مشروع متكامل للمصالحة الوطنية”.

وحول إمكانية أن يسلك غرب ليبيا المسار نفسه في تحسين أوضاع حقوق الإنسان، يقول الهواري: “لكي تخرج ليبيا من هذه الحقبة وتتحسن أوضاع حقوق الإنسان، نحتاج إلى حكومة موحدة ومركزية لديها القدرة على بسط نفوذها على كامل التراب الليبي، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وإنهاء وجود المليشيات”.

ولا يمكن فصل التطورات الأخيرة عن المشهد الأوسع في غرب ليبيا، فالتنافس بين الجماعات المسلحة وتداخل النفوذ السياسي والأمني لا يزالان يمثلان أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار، في حين تعيش مدن غربية عدة تحت تأثير قوى مسلحة متنافسة، بحسب الهواري.

ضرورة منع الانزلاق للعنف

من مدينة بني وليد التي ارتبط اسمها تاريخياً بجهود الصلح وفض النزاعات، ينظر موسى الغويل، أحد الشخصيات الليبية التي لها حضور في جهود المصالحة، إلى ما يحدث في غرب البلاد باعتباره أزمة تتجاوز الحسابات السياسية.

ويقول الغويل لـ”صفر”: “بصفتي رجل صلح ومصالحة، وأحد مشايخ وأعيان مدينة بني وليد، ومستشاراً قانونياً وحقوقياً، فإنني أنظر إلى ما يجري في غرب ليبيا، وخاصة في مدينة الزاوية، بقلق بالغ، ليس من زاوية سياسية أو انحياز لطرف، وإنما من زاوية وطنية وإنسانية وحقوقية تضع حق الإنسان في الحياة والأمن والكرامة فوق كل اعتبار”.

ويؤكد أن عودة المسيرات والاحتجاجات في ظل حالة الاحتقان والانقسام التي تعيشها البلاد أمر يستحق منا جميعاً التوقف والتأمل، فالمواطن من حقه أن يعبر عن رأيه وأن يطالب بحقوقه بالطرق السلمية، وفي المقابل فإن حماية الأرواح ومنع الانزلاق إلى العنف مسؤولية تقع على عاتق الجميع، وفي مقدمتهم مؤسسات الدولة”.

ويضيف: “لقد علمتنا السنوات الماضية أن العنف لا يصنع حلولاً، وأن السلاح لا يبني دولة، وأن معالجة الأزمات بالقوة لا تؤدي إلا إلى أزمات كبرى، يدفع ثمنها المواطن البسيط وتدفع ثمنها ليبيا بأجيالها القادمة”، محذراً من استمرار حالة الاحتقان والتصعيد في غرب ليبيا لما قد يقود إلى نتائج أكثر خطورة، إذا لم تتدارك الأطراف المعنية الموقف وتفتح أبواب الحوار وتغلب صوت العقل والحكمة على لغة التصعيد.

ويستدرك: “رغم هذا القلق، لا أرى أن الأسوأ قدر محتوم؛ لأنه لا تزال أمام الليبيين فرصة حقيقية لتجنب الانزلاق، إذا توفرت الإرادة الصادقة، واحترمت حقوق الإنسان، واحتُكم إلى القانون، وابتعد الجميع عن منطق المغالبة والإقصاء والتهميش والانتقام، ولغة المنتصر والمهزوم، ولا سيما أن المشكلة الكبرى ليست فقط في امتلاك السلاح، وإنما في غياب المحاسبة عندما يُستخدم.

وهنا تتقاطع رؤية الهواري مع تحذيرات الغويل، فالأول يرى أن إنهاء نفوذ المليشيات وتوحيد مؤسسات الدولة يمثلان مدخلاً أساسياً لتحسين أوضاع حقوق الإنسان، في حين يركز الثاني على الحوار والمصالحة وحقن الدماء باعتبارها أدوات لمنع تجدد الصراع.

ويقول الغويل إن استمرار الوضع على حاله قد يقود إلى الأسوأ، إذا استمر الحال في غرب ليبيا على هذا المنوال، مضيفاً: “الدم الليبي واحد، والوجع الليبي واحد، والخاسر في أي صراع جديد لن يكون طرفاً دون آخر، والخاسر هو ليبيا”.

ويشدد الغويل على أن “ليبيا لا تحتاج إلى منتصر ومهزوم؛ لأن البلاد تحتاج إلى دولة تحمي مواطنيها وقانون يُحترم ومصالحة تجمع ولا تفرق، وقلوب تتسع لكل الليبيين”.

وفي غرب ليبيا، كل مرة تنفجر فيها منشأة مدنية أو ينقطع التيار الكهربائي أو يضطر السكان إلى الاحتماء خوفاً من ضربة جديدة، يتراجع حق أساسي من حقوق الإنسان وهو الحق في الحياة الآمنة والسلامة الجسدية، خصوصاً في ظل استمرار الانقسام السياسي وتعدد القوى المسلحة وتطور أدوات الحرب.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان