منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

أمام مجلس حقوق الإنسان.. تقرير تحليلي حول بند تعزيز وحماية حرية التعبير

18 يونيو 2026
نقاشات في مجلس حقوق الإنسان عن الفئات الهشة والعنف الرقمي
نقاشات في مجلس حقوق الإنسان عن الفئات الهشة والعنف الرقمي

شكّل بند تعزيز وحماية الفرد في حرية التعبير أحد أكثر البنود كثافة من حيث تداخل الأبعاد الحقوقية والسياسية والتكنولوجية، فقد خرج النقاش الذي دار في مجلس حقوق الإنسان في دورته الثانية والستين، من الإطار التقليدي لحرية التعبير بوصفها حقاً مدنياً وسياسياً مرتبطاً بالصحافة والرأي العام، لينتقل إلى مساحة أكثر تعقيداً تشمل الذكاء الاصطناعي، المنصات الرقمية، التضليل، خطاب الكراهية، سلامة الصحفيين في النزاعات، الفئات الهشة، والفجوة الرقمية بين الدول.

أظهرت المداخلات أن حرية التعبير أصبحت اليوم حقاً واقعاً تحت ضغط مزدوج، فمن جهة، هناك تهديدات مباشرة تتمثل في استهداف الصحفيين، الرقابة، الاعتقال، منع الوصول إلى المعلومات، وتجريم المناصرة، ومن جهة أخرى، هناك تهديدات غير مباشرة وأكثر تعقيداً، تتمثل في سيطرة شركات التكنولوجيا الكبرى على تدفق المعلومات، وانتشار التضليل، والتلاعب الخوارزمي، واستخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى مضلل أو مسيء أو موجه.

كما كشف النقاش عن انقسام واضح بين الدول حول حدود تنظيم حرية التعبير، فبينما ركزت دول أوروبية وكندا والمملكة المتحدة ومجموعات دولية على حماية الفضاء المدني والإعلام المستقل ومساءلة شركات التكنولوجيا، شددت دول أخرى مثل الصين وروسيا والهند ونيجيريا على السيادة الوطنية، الأمن العام، النظام العام، ورفض تسييس ملف حرية التعبير أو استخدامه أداة للتدخل في الشؤون الداخلية.

وبذلك، لم يكن النقاش مجرد حوار حقوقي حول حماية الحق في التعبير، بل كان أيضاً مساحة كاشفة لطبيعة الصراع الدولي حول من يمتلك سلطة تنظيم المعلومات، ومن يحدد حدود التعبير، وكيف يمكن منع تحول التنظيم إلى رقابة أو تحول الحرية إلى فوضى معلوماتية.

التحول الرقمي وحرية التعبير

اتفق معظم المتحدثين على أن التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي أعادا تشكيل بيئة التعبير والرأي العام، فقد شددت مداخلات الاتحاد الأوروبي، ألمانيا، أيرلندا، سلوفاكيا، مقدونيا الشمالية، بيرو، مولدوفا، المغرب، المملكة المتحدة وبلجيكا على أن المنصات الرقمية لم تعد مجرد وسائط لنقل المعلومات، بل أصبحت جهات مؤثرة في تشكيل الرأي العام، وتوجيه النقاشات، والتحكم في الوصول إلى المعلومات.

اللافت أن غالبية الدول لم تتعامل مع التكنولوجيا بوصفها تهديداً مطلقاً، بل باعتبارها مساحة تحمل فرصاً ومخاطر في الوقت ذاته، فمن جهة، وفرت الإنترنت والمنصات الاجتماعية إمكانات واسعة للوصول إلى المعلومات، والمشاركة المدنية، وتوسيع النقاش العام، ومن جهة أخرى، خلقت هذه الأدوات مخاطر جديدة، منها التضليل، الأخبار الزائفة، خطاب الكراهية، العنف الرقمي، والمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي.

هذا التوازن بين الفرصة والخطر كان حاضراً بوضوح في كلمات المغرب وبيرو ومالديف والمجموعة الإفريقية التي أقرت بأهمية الثورة الرقمية في تعزيز حرية التعبير، لكنها شددت على ضرورة وضع أطر قانونية ومؤسسية تضمن الأمن السيبراني، حماية البيانات، الشفافية، والمساءلة.

أما الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الأوروبية، فقد ربطوا النقاش بمفهوم “حوكمة التكنولوجيا وفق حقوق الإنسان”، أي إن تنظيم الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية يجب أن يتم وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان، لا وفق مصالح الشركات أو اعتبارات أمنية ضيقة، وهذا يعكس توجهاً أوروبياً واضحاً لتقديم التنظيم الرقمي باعتباره ضرورة لحماية الحريات، وليس قيداً عليها.

التضليل وسلامة المعلومات

برزت قضية التضليل وسلامة المعلومات بوصفها واحدة من أكثر القضايا تكراراً في المداخلات، فقد رأت عدة دول أن انتشار المعلومات المضللة لم يعد مجرد مشكلة إعلامية، بل أصبح تهديداً لحرية التعبير نفسها؛ لأن البيئة المعلوماتية المشوهة تقيد قدرة الأفراد على تكوين رأي مستقل، وتؤثر في المشاركة الديمقراطية، وتفتح المجال أمام التلاعب السياسي والاجتماعي.

ركزت لاتفيا، باسم بلدان الشمال والبلطيق، على أن الذكاء الاصطناعي والمنصات القائمة على الخوارزميات تؤثر في كيفية تشكل الآراء وفي البيئة المعلوماتية عالمياً، محذرة من التلاعب بالمعلومات وتضخيم المحتوى المضلل وتسليح الفضاء الإلكتروني من قبل دول وجهات فاعلة من غير الدول.

كما أكد الاتحاد الأوروبي أن التلاعب بالمعلومات، وتضخيم الأخبار المضللة، وخطاب الكراهية، تمثل تهديدات حقيقية لسلامة الفضاء المعلوماتي، وذهبت أيرلندا إلى التركيز على بناء قدرة المجتمعات على الصمود أمام التضليل، من خلال تعزيز التفكير النقدي والوعي الإعلامي والرقمي.

لكن النقاش كشف أيضاً نقطة حساسة: مكافحة التضليل قد تتحول إلى ذريعة للرقابة إذا لم تقترن بضمانات حقوقية واضحة، وقد حذرت كندا من أن بعض الدول تستخدم خطاب حماية الحقوق لتبرير القيود الرقمية وتوسيع المراقبة، خصوصاً ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والإعلاميين والأشخاص في المنفى.

من هنا، يمكن القول إن التحدي الأساسي لا يكمن فقط في مواجهة التضليل، بل في كيفية مواجهته، فالمداخلات الأكثر توازناً دعت إلى الشفافية، التثقيف الرقمي، المساءلة، والتعاون متعدد الأطراف، بدلاً من الرقابة المباشرة أو الحجب أو التجريم الواسع.

سلامة الصحفيين في النزاعات

حضر ملف حماية الصحفيين بقوة في المداخلات، خصوصاً في سياق النزاعات المسلحة، وقد ركزت النمسا، باسم مجموعة أصدقاء سلامة الصحفيين، وسويسرا، وهولندا، وفنلندا، وليتوانيا، ومنظمة التعاون الإسلامي، ودولة فلسطين، على أن الصحفيين في النزاعات ليسوا مجرد ناقلي أخبار، بل شهود على الانتهاكات، وأدوات للمساءلة، وحماة للسجل التاريخي.

أكدت النمسا أن الصحفيين يعرّضون حياتهم للخطر لضمان أن يبقى العالم شاهداً على الأحداث، ولتزويد المدنيين بمعلومات قد تسهم في إنقاذ الأرواح، كما شددت على أن الصحفيين يجب أن يعاملوا بوصفهم مدنيين بموجب القانون الدولي الإنساني، وأن استهدافهم المتعمد قد يشكل جريمة حرب.

وسارت سويسرا في الاتجاه نفسه، مع تركيز خاص على الصحفيين المحليين الذين غالباً ما يكونون الأكثر تعرضاً للمخاطر والأكثر قدرة على توثيق الانتهاكات في بيئات النزاع، كما أبرزت خطورة قطع الإنترنت؛ لأنه يعوق عمل الصحفيين، ويمنع توثيق الانتهاكات، ويعزز الإفلات من العقاب.

أما فنلندا، باسم تحالف الإعلام الحر، فقد وضعت الإعلام المستقل في قلب حماية المجتمعات وقت النزاعات، معتبرة أن المعلومات الدقيقة والآنية قد تسهم في إنقاذ الأرواح وسبل العيش، وأن الإعلام الحر والمستقل والمتعدد يمكن أن يعزز السلام والأمن.

في المقابل، ركزت ليتوانيا، باسم مثلث لوبلين، على أوكرانيا، مشيرة إلى أثر العدوان الروسي في حرية التعبير واستهداف الصحفيين، في حين ركزت فلسطين ومنظمة التعاون الإسلامي على استهداف الصحفيين في الأرض الفلسطينية المحتلة، وخصوصاً غزة، ومنع الصحفيين الأجانب المستقلين من الوصول إليها.

فلسطين وغزة في النقاش

شكّلت فلسطين وغزة محوراً مهماً في النقاش حول حرية التعبير، ليس فقط بوصفهما سياقاً لنزاع مسلح، بل باعتبارهما نموذجاً لتداخل العنف، منع الوصول إلى المعلومات، واستهداف الصحفيين، مع تجريم المناصرة السياسية والحقوقية.

أكدت دولة فلسطين أن الاعتداء على حرية التعبير لا يتم فقط عبر الرقابة، بل أيضاً من خلال العنف، وتقييد الوصول إلى المعلومات، وتجريم المناصرة المشروعة، كما شددت على أن منع الصحفيين الأجانب المستقلين من الوصول إلى غزة يقيد التدفق الحر للمعلومات داخل الأرض الفلسطينية المحتلة وخارجها.

كما انتقدت فلسطين الخلط بين انتقاد السياسات الإسرائيلية أو التضامن السلمي مع الفلسطينيين وبين معاداة السامية أو التطرف أو الإرهاب، معتبرة أن هذا الخلط يقوض إمكانية التعبير والاحتجاج السلمي.

أما منظمة التعاون الإسلامي، فقد ركزت على استهداف الإعلاميين في الأرض الفلسطينية المحتلة ولبنان، وربطت ذلك بتقييد حرية التعبير وحرية تلقي المعلومات، كما طرحت مسألة نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين والمسلمين في بعض وسائل الإعلام، معتبرة أن الصور النمطية وكراهية الإسلام أسهمت في التمهيد للانتهاكات الجسيمة بحق الفلسطينيين.

هذا المحور أظهر أن حرية التعبير في السياق الفلسطيني لا تنفصل عن حماية الصحفيين، ولا عن حق الجمهور العالمي في الوصول إلى المعلومات، ولا عن حماية المناصرة السلمية من التجريم والوصم السياسي.

أوكرانيا وروسيا وحرب المعلومات

ظهر ملف أوكرانيا وروسيا بوصفه أحد أكثر الملفات تسييساً داخل النقاش، فقد ركزت ليتوانيا وتشيكيا على الانتهاكات المرتبطة بروسيا، خاصة في الأراضي الأوكرانية المحتلة، حيث تحدثت المداخلات عن مراقبة إلكترونية، حظر، منع استخدام اللغة الأوكرانية، واستهداف الصحفيين والإعلاميين.

كما اعتبرت تشيكيا أن إغلاق الإنترنت في روسيا وفي الأراضي الأوكرانية المحتلة مؤقتاً يؤدي إلى تقييد كبير لحرية الرأي والتعبير، وربطت ذلك بالتهديدات الهجينة وحملات التضليل.

في المقابل، استخدمت روسيا مداخلاتها للحديث عن الرقابة التي تمارسها المنصات الغربية، وخصوصاً يوتيوب، ضد المحتوى الروسي، كما اتهمت دول البلطيق بالتضييق على المدافعين عن حقوق الناطقين بالروسية، وفي مداخلة أخرى، ركزت روسيا على ما وصفته بازدواجية المعايير في الدول الغربية، خصوصاً فيما يتعلق بخطاب الكراهية ضد المسلمين والمهاجرين والأقليات.

يعكس هذا التباين أن حرية التعبير أصبحت جزءاً من صراع معلوماتي أوسع بين روسيا والدول الغربية، فكل طرف يستخدم لغة الحقوق والحريات لتوجيه الاتهام للطرف الآخر، ما يجعل الملف الحقوقي محملاً بأبعاد سياسية وجيوسياسية واضحة.

الفئات الهشة والعنف الرقمي

أظهرت المداخلات أن حرية التعبير لا تُمارس بشكل متساوٍ من قبل جميع الأفراد، إذ تتعرض بعض الفئات لمخاطر مضاعفة في الفضاء الرقمي والواقعي، وقد ركزت كندا، بلجيكا، إيرلندا، مولدوفا، توغو، نيجيريا، وروسيا على النساء، الفتيات، الأطفال، الشباب، المهاجرين، الأقليات، الصحفيات، والمدافعات عن حقوق الإنسان.

بلجيكا سلطت الضوء على العنف الجنسي المُمكّن تكنولوجياً، والاستهداف المتزايد للصحفيات والمدافعات عن حقوق الإنسان وممثلي المجتمع المدني، وركزت كندا على التهديدات التي تواجه المجموعات الهشة، ومنها النساء والفتيات، في ظل التوسع الرقمي والمراقبة العابرة للحدود.

أيرلندا أشارت إلى أن النساء، الشباب، المجتمع الميم، والمهاجرين أكثر عرضة لتأثيرات التضليل وخطاب الكراهية، خاصة إذا غابت الضمانات الحقوقية والرقابة البشرية على أنظمة الذكاء الاصطناعي.

مولدوفا ركزت على سلامة الأطفال في الفضاء الرقمي، خصوصاً مع الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي من قبل الأطفال واليافعين، في حين ركزت توغو على أفغانستان، محذرة من محو أصوات النساء والصحفيات من الحياة العامة في ظل القيود المفروضة من قبل طالبان.

هذا المحور يوضح أن حماية حرية التعبير تتطلب معالجة عدم المساواة البنيوية، فليس كافياً أن يكون الحق منصوصاً عليه قانونياً، إذا كانت فئات بعينها غير قادرة على استخدامه بأمان بسبب العنف أو الوصم أو الإقصاء أو التهديد.

مطالب الجنوب العالمي

قدمت المجموعة الإفريقية، ملاوي، بيرو، المغرب، ومالديف وغيرها من الدول مقاربة مختلفة نسبياً، ركزت على الفجوة الرقمية وبناء القدرات والمساعدة التقنية. هذه الدول لم ترفض النقاش حول الذكاء الاصطناعي والتضليل، لكنها شددت على أن الدول النامية تحتاج إلى دعم حقيقي حتى تتمكن من التعامل مع التحديات الرقمية دون تقييد حرية التعبير.

المجموعة الإفريقية أكدت أن التقنيات الجديدة تتيح فرصاً للشمول، لكنها تطرح تحديات مثل التلاعب بالمعلومات، الأخبار الزائفة، خطاب الكراهية، والعنف عبر الإنترنت، وشددت على أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تعاوناً دولياً وبناء قدرات، خاصة لسد الفجوة الرقمية.

ملاوي ذهبت أبعد من ذلك، معتبرة أن حوكمة المنصات العالمية يجب أن تستند إلى إسهامات “الأغلبية العالمية”، لا أن تظل محصورة في الدول الكبرى أو الشركات الكبرى، وهذا الموقف يعكس شعوراً واضحاً لدى دول الجنوب بأن قواعد الفضاء الرقمي تصاغ غالباً بعيداً عن مصالحها واحتياجاتها.

أما بيرو فقد ركزت على الثقافة والمهارات الرقمية والوصول إلى الإنترنت بوصفها شروطاً أساسية لممارسة حرية التعبير فعلياً، والمغرب شدد على المسؤولية المشتركة بين الدولة والقطاع الخاص والمنصات والمجتمع المدني في حوكمة الفضاء الرقمي.

تظهر هذه المداخلات أن حرية التعبير في العصر الرقمي ليست فقط مسألة قانونية، بل أيضاً مسألة بنية تحتية، تعليم، مهارات، وقدرة على الوصول المتكافئ إلى التكنولوجيا.

السيادة وحدود حرية التعبير

كان محور السيادة وحدود حرية التعبير حاضراً بقوة في مداخلات الهند، الصين، روسيا، ونيجيريا، هذه الدول شددت على أن حرية التعبير ليست حقاً مطلقاً، وأن ممارستها ترتبط بواجبات ومسؤوليات، خاصة فيما يتعلق بالأمن الوطني، النظام العام، مكافحة التضليل، الجريمة السيبرانية، وحماية الأطفال.

الهند عرضت موقفاً قانونياً واضحاً، مستندة إلى المادة 19 من دستورها، مؤكدة أن تنظيم الفضاء الرقمي ينبغي ألا يوصف تلقائياً بالرقابة، طالما أنه يتم ضمن إطار دستوري وقانوني يهدف إلى تحقيق التوازن بين حرية التعبير والمساءلة والشفافية.

نيجيريا تبنت موقفاً قريباً، فأكدت التزامها بحرية التعبير، لكنها شددت على أن هذا الحق يخضع لواجبات ومسؤوليات وفق القانون الدولي، وعلى ضرورة أن تتم حوكمة الفضاء الرقمي بعيداً عن المقاربات الأحادية.

الصين اتخذت موقفاً دفاعياً واضحاً، رافضة ما ورد بشأن قانون الأمن الوطني في هونغ كونغ، ومعتبرة أن بعض الدول تستخدم حرية الإعلام منصة لمهاجمة الصين والتدخل في شؤونها الداخلية. أما روسيا فركزت على اتهام المنصات الغربية والدول الغربية بازدواجية المعايير والرقابة السياسية.

هذا المحور يكشف الانقسام الأعمق في النقاش: هل يتم التعامل مع حرية التعبير بوصفها حقاً عالمياً قابلاً للمراقبة الدولية، أم حقاً يخضع في تطبيقه للسياقات الوطنية والسيادة؟ هذا السؤال ظل حاضراً في خلفية معظم المداخلات، حتى عندما لم يُطرح بشكل مباشر.

خريطة المواقف العامة

يمكن تصنيف المداخلات إلى أربعة اتجاهات رئيسية:

الاتجاه الأول هو الاتجاه الليبرالي الحقوقي، وبرز في مداخلات الاتحاد الأوروبي، كندا، المملكة المتحدة، ألمانيا، هولندا، بلجيكا، إيرلندا، وسلوفاكيا، هذا الاتجاه يركز على حماية الفضاء المدني، الإعلام المستقل، الشفافية، مساءلة شركات التكنولوجيا، وضرورة تنظيم الذكاء الاصطناعي وفق حقوق الإنسان.

الاتجاه الثاني هو اتجاه حماية الصحفيين في النزاعات، وبرز في مداخلات النمسا، سويسرا، فنلندا، ليتوانيا، فلسطين، ومنظمة التعاون الإسلامي، هذا الاتجاه يرى أن حرية التعبير لا يمكن حمايتها دون حماية الصحفيين، وضمان الوصول إلى المعلومات، ومساءلة من يستهدف الإعلاميين.

الاتجاه الثالث هو اتجاه الجنوب العالمي، وظهر في المجموعة الإفريقية، ملاوي، بيرو، المغرب، مالديف، ونيجيريا جزئياً، هذا الاتجاه يركز على الفجوة الرقمية، بناء القدرات، التعاون الدولي، وضرورة إشراك الدول النامية في حوكمة الفضاء الرقمي.

الاتجاه الرابع هو الاتجاه السيادي/الدفاعي، وبرز في مداخلات الصين، روسيا، الهند، ونيجيريا جزئياً، هذا الاتجاه يشدد على السيادة، الأمن الوطني، النظام العام، ورفض ازدواجية المعايير أو استخدام حرية التعبير أداة سياسية ضد دول معينة.

حماية الأفراد من الرقابة

يكشف النقاش أن حرية التعبير تمر بمرحلة تحول بنيوي، فالتحدي لم يعد مقتصراً على حماية الأفراد من الرقابة أو الملاحقة، بل أصبح يشمل حماية البيئة التي تسمح أصلاً بتكوين الرأي والتعبير عنه، وهذه البيئة باتت محكومة بعوامل متعددة: خوارزميات المنصات، الذكاء الاصطناعي، التضليل، خطاب الكراهية، سياسات الشركات الكبرى، الرقابة الحكومية، النزاعات المسلحة، والفجوة الرقمية.

كما يوضح النقاش أن حماية حرية التعبير لا يمكن أن تنجح من خلال مقاربة واحدة، فالدول التي ركزت فقط على التنظيم قد تغفل خطر الرقابة، والدول التي ركزت فقط على الحرية قد تغفل خطر التضليل وخطاب الكراهية، والدول التي ركزت فقط على السيادة قد تغفل الطبيعة العابرة للحدود للفضاء الرقمي.

النتيجة الأبرز أن حرية التعبير أصبحت بحاجة إلى معادلة دقيقة تقوم على أربعة عناصر: حماية الحق في التعبير والنقد والمعارضة، حماية الأفراد من العنف والكراهية والتضليل، مساءلة شركات التكنولوجيا والمنصات الرقمية، وضمان ألا تتحول التشريعات والسياسات الأمنية إلى أدوات لقمع الصحافة والمجتمع المدني.

كما أن مداخلات فلسطين وأوكرانيا وأفغانستان أظهرت أن حرية التعبير تكون أكثر هشاشة في سياقات الحرب والاحتلال والأنظمة القمعية، حيث يصبح الصحفيون والمدافعون عن الحقوق والنساء والفئات الهشة في الخط الأمامي للانتهاكات.

وفي المقابل، أظهرت مداخلات الجنوب العالمي أن النقاش الدولي حول حرية التعبير في العصر الرقمي يجب ألا يبقى محصوراً في الدول الكبرى وشركات التكنولوجيا؛ لأن الفجوة الرقمية وعدم المساواة في الوصول إلى التكنولوجيا قد تجعلان حرية التعبير حقاً نظرياً لا يتمتع به الجميع بصورة فعلية.

أزمة عالمية مركبة

يمكن القول إن البند عكس أزمة عالمية مركبة في حرية التعبير، هذه الأزمة ليست فقط نتيجة القمع أو الرقابة، بل أيضاً نتيجة الفوضى الرقمية، التضليل، احتكار المنصات، ضعف المساءلة، استهداف الصحفيين، وتزايد التسييس في التعامل مع الحقوق.

وفي ضوء المداخلات، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة دولية متوازنة تحمي حرية التعبير من ثلاثة أخطار متزامنة: خطر القمع الحكومي، خطر تغول الشركات والمنصات الرقمية، وخطر الفوضى المعلوماتية التي تقوض قدرة الأفراد على الوصول إلى الحقيقة.

وبذلك، فإن الدفاع عن حرية التعبير في المرحلة المقبلة لن يكون ممكناً دون حماية الصحفيين، وتنظيم عادل وشفاف للذكاء الاصطناعي والمنصات، ومكافحة التضليل دون رقابة، وتمكين الفئات الهشة، وإشراك الدول النامية في صياغة قواعد الفضاء الرقمي العالمي.

 

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print