تواصل حرائق الغابات اجتياح مناطق واسعة في فرنسا وإسبانيا، وسط عمليات إجلاء كبيرة للسكان والسياح، وتدخل أوروبي لمساندة جهود مكافحة النيران، في ظل ظروف جوية قاسية أسهمت في تسريع انتشار الحرائق.
وفي فرنسا اضطرت السلطات إلى إجلاء سكان وسياح بالقوارب من شبه جزيرة كاب فيريه السياحية، بعدما اندلع أكبر حريق غابات تشهده البلاد منذ بداية الموسم.
أما في إسبانيا، فقد وصفت السلطات الوضع بأنه كارثي، مع اندلاع حرائق متزامنة على مشارف العاصمة مدريد وإعلان حالة الطوارئ في بعض المناطق.
فرنسا.. إجلاء في كاب فيريه
أتى الحريق المندلع في منطقة كاب فيريه الساحلية على نحو 10 آلاف هكتار، وتسبب في إجلاء 35 ألف شخص، في واحدة من أكبر عمليات الإخلاء المرتبطة بالحرائق خلال الموسم الحالي.
وقال وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إن الحريق المندلع في شمال شبه جزيرة كاب فيريه ألحق أضراراً بنحو 80 منزلاً، بينها 50 منزلاً دُمرت بالكامل.
وأمرت السلطات بإخلاء المنطقة بالكامل براً وبحراً، إذ تولت قوارب تعمل بشكل متواصل عبر خليج أركاشون نقل السياح إلى مناطق آمنة.
وكانت السلطات المحلية قد أعدت خطة الإخلاء الشاملة عام 2023، بهدف إجلاء ما بين 10 آلاف و14 ألف شخص خلال 24 ساعة، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر ضعفاً، بحسب سلطات محافظة جيروند.
حرائق تزيد الضغط على فرنسا
لم يقتصر الوضع في فرنسا على حريق كاب فيريه، إذ تسبب احتراق مركبة بعد ظهر الخميس في اندلاع حريق آخر قرب بيسكاروس في منطقة لاند المعروفة بغاباتها، قبل أن يمتد سريعاً ليطول أكثر من 2500 هكتار، ما استدعى إجلاء 23 ألف شخص.
وأوضح وزير الداخلية الفرنسي أن هناك 32 حريقاً مشتعلاً حالياً في أنحاء مختلفة من البلاد، لكنها ليست جميعاً على المستوى نفسه من الخطورة.
وقال نونيز إن فرنسا تجاوزت عتبة 50 ألف هكتار من المساحات المحترقة منذ الأول من يناير 2026، أي أكثر بنحو ثلاثة أضعاف من المساحة المتضررة خلال العام السابق.
مدريد أمام أسوأ حريق
في إسبانيا، يزداد الوضع خطورة مع اندلاع عدة حرائق متزامنة في محيط العاصمة مدريد. وأعلنت حاكمة منطقة مدريد إيزابيل دياز أيوسو أن نحو 19 ألف شخص أُجلوا أو حوصروا داخل منازلهم بسبب ما وصفته بأسوأ حريق في تاريخ منطقة العاصمة.
وأتى الحريق حتى الآن على نحو 6 آلاف هكتار، في حين قالت أيوسو خلال مؤتمر صحافي إن الوضع يمثل كارثة لمنطقة تضم كثافة سكانية وعمرانية كبيرة، مؤكدة أن السلطات لم تواجه وضعاً مماثلاً من قبل.
وحذر محافظ منطقة مدريد من أن حريقين من أصل ثلاثة في غرب العاصمة باتا على وشك الاندماج لتشكيل حريق واحد، مشيراً إلى أن النيران أصبحت خارجة عن السيطرة.
ظروف جوية غير مواتية
قال وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا إن الهدف الرئيسي هو منع الحرائق المشتعلة في عدة قرى على بعد نحو 60 كيلومتراً غرب مدريد من الامتداد.
وأضاف، خلال زيارته مركز القيادة في سينيسينتوس قرب مدريد، أن السلطات تواجه وضعاً غير مواتٍ بسبب الأحوال الجوية، ومنها رياح تتجاوز سرعتها 50 كيلومتراً في الساعة، وانخفاض الرطوبة، وارتفاع درجات الحرارة.
ويندلع أحد هذه الحرائق في ألديا ديل فريسنو على بعد نحو 50 كيلومتراً من وسط مدريد، حيث جرى إجلاء سكان البلدة البالغ عددهم 3500 شخص مساء الخميس.
وتنتشر حرائق أخرى في دائرة يبلغ قطرها نحو 100 كيلومتر حول العاصمة، في حين سُجل أكبرها في مقاطعة غوادالاخارا شمالاً، حيث التهم 32 ألف هكتار خلال أسبوع واحد.
آلية أوروبية لمواجهة النيران
أعلنت إسبانيا تفعيل آلية الحماية المدنية الأوروبية، وطلبت إرسال أربع وسائل جوية لمكافحة الحرائق، بعد ساعات من اتخاذ فرنسا الخطوة نفسها.
وقالت مدريد لاحقاً إن اليونان وافقت على الطلب ووفرت طائرتين للمساعدة في عمليات الإطفاء.
وفي فرنسا، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن بلاده تلقت تعزيزات جوية أوروبية، في ظل وضع وصفه بأنه حرج جداً.
وأعلنت المفوضية الأوروبية أن الاتحاد الأوروبي أرسل أربع طائرات إلى إسبانيا وثلاث طائرات إلى فرنسا للمساعدة في مكافحة الحرائق.
صعوبة بسبب تعدد البؤر
تزداد صعوبة السيطرة على الحرائق بسبب انتشار بؤر متعددة، بعضها متباعد جغرافياً، وبعضها قريب لكنه شديد الاشتعال.
وفي إسبانيا أسهمت موجة حر جديدة في تأجيج عدد كبير من الحرائق خلال الأيام الأخيرة، خصوصاً في المناطق الجافة وشبه الصحراوية، حيث تشكل النباتات البرية المتشابكة عاملاً مساعداً على انتشار النيران بسرعة.
وبحسب النظام الأوروبي للمعلومات بشأن حرائق الغابات، أتت الحرائق على قرابة 130 ألف هكتار في إسبانيا منذ الأول من يناير 2026.
وكانت إسبانيا قد سجلت في عام 2025 أكثر من 393 ألف هكتار من المساحات المحترقة، في أسوأ حصيلة في التاريخ الحديث للبلاد وفق المصدر نفسه.
حرائق تتجاوز الطوارئ البيئية
تكشف حرائق فرنسا وإسبانيا عن تصاعد المخاطر المرتبطة بموجات الحر والجفاف والظروف المناخية المتطرفة في أوروبا، حيث لم تعد الحرائق مجرد أزمة بيئية، بل تهديد مباشر لحياة السكان والمنازل والبنية التحتية والاقتصاد المحلي.
وتضع هذه الحرائق الحكومات الأوروبية أمام تحدٍ متكرر يتمثل في حماية السكان، وتأمين عمليات الإجلاء، وتعزيز قدرات الإطفاء، والاستعداد لمواسم حرائق أكثر حدة مع تفاقم آثار تغير المناخ.
وبينما تتواصل عمليات الإجلاء والمكافحة الجوية والبرية، يبقى الخطر الأكبر في اتساع رقعة النيران وتعدد البؤر، خصوصاً مع استمرار الظروف الجوية التي تساعد على اشتعال الحرائق وصعوبة احتوائها.
