منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

جزيرة هرمز الإيرانية.. سكان على هامش المضيق يواجهون الغلاء والبطالة وانهيار السياحة

03 يونيو 2026
سيدة إيرانية تعرض منتجات محلية للبيع في جزيرة هرمز
سيدة إيرانية تعرض منتجات محلية للبيع في جزيرة هرمز

في جزيرة هرمز جنوب إيران، حيث تتحول التربة الملونة إلى مقصد سياحي عالمي، يعيش السكان اليوم واقعاً اقتصادياً مختلفاً عن الصورة التي تروَّج للجزيرة في الإعلام السياحي. فبينما يمر عبر مضيق هرمز جزء كبير من تجارة النفط العالمية، يواجه سكان الجزيرة ارتفاعاً متسارعاً في الأسعار، وتراجعاً في فرص العمل، وانكماشاً في النشاط السياحي، في ظل انعكاسات التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط على الاقتصاد المحلي.

تشير بيانات منظمة التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية الإيرانية إلى أن جزيرة هرمز تعتمد على السياحة الداخلية الموسمية، إلى جانب أنشطة الصيد والخدمات البحرية الصغيرة، وتوضح بيانات هذه المنظمة أن محافظة هرمزغان، التي تتبع لها الجزيرة، تستقبل مئات الآلاف من الزوار سنوياً، إلا أن هذا الرقم شهد تراجعاً خلال عامي 2024 و2025 نتيجة الظروف الأمنية الإقليمية وتذبذب حركة السفر.

وتشير تقارير سياحية إيرانية منشورة في عام 2025 إلى أن الجزر السياحية في جنوب إيران، ومنها هرمز، شهدت انخفاضاً في معدلات الإشغال السياحي خلال مواسم الذروة مقارنة بما قبل عام 2023، وهو ما انعكس مباشرة على دخل الأسر التي تعتمد على الإرشاد السياحي والنقل البحري والخدمات اليومية.

عدد السكان واقتصاد محدود الموارد

تقدّر مصادر إيرانية محلية عدد سكان جزيرة هرمز ببضعة آلاف من السكان الدائمين، يعتمد معظمهم على الصيد، والنقل البحري، والأنشطة السياحية الصغيرة، ويعني هذا الحجم السكاني المحدود أن الاقتصاد المحلي شديد الحساسية لأي تراجع في حركة السياحة أو ارتفاع في أسعار السلع الأساسية، خصوصاً أن الجزيرة تعتمد بشكل شبه كامل على الإمدادات القادمة من البر الرئيسي عبر النقل البحري.

وتشير دراسات اقتصادية إيرانية حول الجزر الجنوبية إلى أن محدودية التنوع الاقتصادي في الجزر، بما فيها هرمز، يجعلها عرضة مباشرة لتقلبات السوق الإقليمية، خاصة في فترات التوتر السياسي أو ارتفاع تكاليف النقل.

التضخم في إيران يضغط على الجزر الطرفية

وفق بيانات صندوق النقد الدولي وتقارير البنك المركزي الإيراني خلال عام 2025، يواصل الاقتصاد الإيراني تسجيل معدلات تضخم مرتفعة تجاوزت في بعض الفترات 40 بالمئة، مع ارتفاع خاص في أسعار الغذاء والطاقة، وهذا الوضع ينعكس بشكل مضاعف على الجزر، حيث ترتفع تكاليف النقل والإمداد مقارنة بالمدن الكبرى.

وتوضح تقارير اقتصادية إيرانية أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية في المحافظات الساحلية أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر ذات الدخل المحدود، خصوصاً تلك التي تعتمد على دخل موسمي غير ثابت مثل الصيد والسياحة.

تراجع السياحة بفعل التوترات الإقليمية

تشير منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة إلى أن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط تؤثر بشكل مباشر على تدفقات السياحة الإقليمية، حيث يتجنب الزوار المناطق القريبة من نقاط التوتر أو الممرات البحرية الحساسة.

وفي حالة جزيرة هرمز، ينعكس هذا الوضع في انخفاض عدد الزوار خلال المواسم السياحية الرئيسية، وهو ما تؤكده تقارير إعلامية اقتصادية إيرانية أشارت إلى تراجع ملحوظ في النشاط السياحي خلال 2024 و2025 مقارنة بالسنوات السابقة. ويؤثر هذا التراجع على دخل العاملين في الإرشاد السياحي، وتأجير القوارب، والخدمات الصغيرة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي.

وتوضح بيانات منظمة السياحة الإيرانية أن النشاط السياحي في الجزر الجنوبية يعتمد بشكل كبير على الرحلات الداخلية القصيرة، التي تتأثر مباشرة بالظروف الاقتصادية العامة داخل البلاد، ومع ارتفاع تكاليف السفر الداخلي في إيران تراجع عدد الرحلات الترفيهية إلى مناطق مثل هرمز، ما أثّر على الاقتصاد المحلي الذي يعتمد على الإنفاق السياحي المباشر.

وتشير تقارير اقتصادية محلية إلى أن العديد من الأنشطة الصغيرة المرتبطة بالسياحة، مثل بيع المنتجات اليدوية وتقديم خدمات النقل البحري، شهدت انخفاضاً في الدخل نتيجة هذا التراجع.

البطالة وتقلص فرص العمل في بيئة محدودة

تشير بيانات وزارة العمل الإيرانية إلى أن معدلات البطالة في المناطق الساحلية والجزر الصغيرة عادة ما تكون أعلى من المعدلات الوطنية بسبب محدودية الفرص الاقتصادية واعتماد الاقتصاد المحلي على قطاعات موسمية، وفي جزيرة هرمز، يترجم هذا الواقع إلى اعتماد واسع على العمل غير المستقر، خاصة في فترات السياحة، مع غياب بدائل اقتصادية دائمة.

ويؤدي تراجع السياحة والصيد التقليدي إلى زيادة الضغط على سوق العمل المحلي، ما يدفع عدداً من الشباب إلى البحث عن فرص خارج الجزيرة، سواء في المدن الكبرى داخل محافظة هرمزغان أو خارجها.

تأثير الحرب على الاقتصاد المحلي

رغم أن جزيرة هرمز لا تقع في منطقة نزاع مباشر، فإن التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط تؤثر عليها بشكل غير مباشر عبر عدة قنوات اقتصادية، وتشمل هذه القنوات ارتفاع تكاليف التأمين البحري، وتذبذب حركة الشحن في مضيق هرمز، وتراجع ثقة الأسواق الإقليمية، إضافة إلى تأثيرات غير مباشرة على السياحة والاستثمار.

وتشير تقارير اقتصادية دولية إلى أن المناطق الواقعة قرب الممرات البحرية الاستراتيجية تكون أكثر عرضة للتقلبات الاقتصادية الناتجة عن التوترات الجيوسياسية، حتى في حال عدم تعرضها المباشر للنزاع.

وفي الأشهر الأخيرة من عام 2026، ازدادت الضغوط الاقتصادية على المناطق القريبة من مضيق هرمز مع تصاعد التوترات الإقليمية واضطراب حركة الملاحة البحرية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على جزيرة هرمز وسكانها الذين يعتمد جزء كبير منهم على السياحة والخدمات البحرية والتجارة المحلية.

 وأكد مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد” في تقرير نشره خلال أبريل 2026 أن مضيق هرمز أصبح “مغلقاً عملياً” خلال فترات من التصعيد، بعدما تراجعت حركة عبور السفن من نحو 130 سفينة يومياً في فبراير إلى 6 سفن فقط في مارس، أي بانخفاض يناهز 95 بالمئة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري وأسعار الطاقة عالمياً، وأوضح التقرير الأممي أن اضطراب المضيق تسبب في تباطؤ التجارة العالمية، مع توقع تراجع نمو تجارة السلع الدولية من 4.7 بالمئة في 2025 إلى ما بين 1.5 و2.5 بالمئة خلال 2026، إلى جانب ارتفاع معدلات التضخم وتكاليف المعيشة في الدول النامية والمناطق الساحلية المرتبطة بحركة الملاحة والطاقة.

وفي السياق ذاته، أظهرت تقارير اقتصادية دولية ووسائل إعلام إقليمية خلال مايو 2026 أن التوترات في مضيق هرمز دفعت أسعار النفط إلى تجاوز 100 دولار للبرميل، مع ارتفاع حاد في تكاليف النقل البحري والتأمين على السفن، بينما انخفض عدد السفن المحملة بالطاقة التي تعبر المضيق من نحو 70 سفينة يومياً إلى أقل من 7 سفن في بعض الفترات، وفق وكالة رويترز، كما أشارت تحليلات اقتصادية نشرتها وسائل إعلام متخصصة إلى أن تعطيل الملاحة في المضيق قد يكبد الاقتصاد الإيراني خسائر تصل إلى 435 مليون دولار يومياً، في وقت تمر فيه أكثر من 90 بالمئة من التجارة الإيرانية عبر الممرات البحرية الخليجية، وتنعكس هذه التطورات بصورة مباشرة على سكان جزيرة هرمز، حيث ارتفعت أسعار السلع الأساسية وتراجعت الحركة السياحية والأنشطة المرتبطة بالنقل والصيد والخدمات، ما عمق الضغوط المعيشية على الأسر المحلية في واحدة من أكثر المناطق ارتباطاً بالتقلبات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

الفجوة التنموية بين الجزر والبر الرئيسي

تشير دراسات تنموية إيرانية إلى وجود فجوة واضحة بين مستوى التنمية في الجزر الجنوبية والمناطق الحضرية الكبرى في إيران، وتتمثل هذه الفجوة في محدودية البنية التحتية الاقتصادية، وضعف الاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة، واعتماد الجزر على دعم لوجستي مستمر من البر الرئيسي.

وفي جزيرة هرمز، ينعكس ذلك في محدودية فرص العمل خارج السياحة والصيد، ما يجعل الاقتصاد المحلي هشاً أمام أي صدمة خارجية مثل التراجع السياحي أو ارتفاع الأسعار.

الأبعاد الاجتماعية للأزمة الاقتصادية

تنعكس الأزمة الاقتصادية في جزيرة هرمز على الحياة الاجتماعية للسكان، حيث تشير تقارير اجتماعية إيرانية إلى تزايد الاعتماد على الأعمال المؤقتة وغير المستقرة، وتراجع الاستقرار المالي للأسر، كما يواجه الشباب تحديات متزايدة في العثور على فرص عمل دائمة، ما يدفع بعضهم إلى الهجرة الداخلية.

وتؤدي هذه التحولات إلى تغييرات تدريجية في النسيج الاجتماعي للجزيرة، مع تزايد الضغط على الخدمات المحلية المحدودة.

الإطار الحقوقي للاقتصاد المعيشي

وفق العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر عن الأمم المتحدة، يحق لكل فرد التمتع بمستوى معيشي مناسب يشمل الغذاء والسكن والعمل، وتشير المفوضية السامية لحقوق الإنسان إلى أن التدهور الاقتصادي المزمن في المناطق الطرفية قد يشكل تحدياً للحقوق الأساسية عندما يؤدي إلى حرمان مستمر من فرص العمل والموارد الأساسية.

وفي حالة جزيرة هرمز، تعكس المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية تحديات مرتبطة بالحق في التنمية المتوازنة، خاصة في المناطق ذات الأهمية الجغرافية والاستراتيجية.

تتمتع جزيرة هرمز بتاريخ استراتيجي طويل باعتبارها نقطة قريبة من مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم لنقل النفط، وقد لعبت الجزيرة عبر التاريخ أدواراً تجارية بين الخليج العربي والمحيط الهندي، إلا أن تطور الاقتصاد الحديث في المنطقة لم ينعكس بشكل متوازن على التنمية المحلية.

ومع تصاعد التوترات الإقليمية في السنوات الأخيرة، أصبحت الجزر القريبة من المضيق أكثر عرضة لتأثيرات اقتصادية غير مباشرة، انعكست على فرص العمل والاستقرار المعيشي للسكان المحليين.

وتشير هذه المعطيات إلى أن أزمة جزيرة هرمز ليست أزمة معزولة، بل جزءاً من تداخل بين الجغرافيا الاستراتيجية والاقتصاد المحلي الهش، في سياق إقليمي يتسم بعدم الاستقرار وتذبذب الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالسياحة والتجارة البحرية.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية