لم تكن خسارة المنتخب المصري أمام الأرجنتين في دور الـ16 من كأس العالم هي الحدث الوحيد الذي شغل الجماهير، بل امتد الجدل إلى قرارات تحكيمية اعتبرها كثيرون مؤثرة في مجريات اللقاء الكروي، لتتجاوز ردود الفعل حدود التحليل الرياضي إلى نقاش أوسع حول نزاهة المنافسة، وما إذا كانت العدالة داخل الملاعب تُطبق بالقدر نفسه على جميع المنتخبات.
ففي البطولات الكبرى، حيث تمثل مباراة واحدة نهاية حلم امتد سنوات، لا تُقاس قيمة القرار التحكيمي بكونه صحيحاً أو خاطئاً فحسب، وإنما بقدر تأثيره على حق فرق المنتخبات في خوض منافسة متكافئة، وهو مبدأ لا تنص عليه القوانين الرياضية فقط، بل يرتبط بمنظومة أوسع من قيم العدالة والمساواة وعدم التمييز.
ويرى متابعون أن ما شهدته مباراة مصر والأرجنتين أعاد فتح ملف طالما أثار الجدل في بطولات كأس العالم، وهو مدى قدرة المنظومة التحكيمية، رغم الاعتماد على تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، على ضمان العدالة بين المنتخبات، خاصة عندما تكون الأخطاء محل خلاف واسع، أو تبدو مؤثرة في تحديد هوية المتأهل.
ورغم أن كرة القدم تُبنى على قاعدة قبول الأخطاء البشرية، فإن المواثيق الرياضية الدولية تؤكد أن المنافسة يجب أن تقوم على مبادئ النزاهة والحياد وتكافؤ الفرص، باعتبارها ركائز أساسية لأي بطولة، إذ لا تعني العدالة الرياضية غياب الأخطاء تماماً، وإنما وجود منظومة تضمن تقليلها إلى الحد الأدنى، مع توفير آليات فعالة للمراجعة والمساءلة والشفافية، ما يحافظ على ثقة اللاعبين والجماهير في نزاهة النتائج.
ويؤكد المحللون أن الشعور بانعدام العدالة، حتى في حال تعذر إثبات وجود تحيز متعمد، ينعكس سلباً على مصداقية البطولة ويوحي بغياب مبدأ تكافؤ الفرص، ويخلق انطباعاً بأن بعض المنتخبات لا تخوض المنافسة بالشروط نفسها، ولا سيما أن العدالة التحكيمية تمثل أحد أركان الحق في المنافسة العادلة.
ويقول خبراء في التحكيم الرياضي إن المشكلة لا تكمن دائماً في وجود التقنية، وإنما في اختلاف تفسير الوقائع، وهو ما يجعل بعض القرارات تبدو متناقضة في مباريات متشابهة، الأمر الذي يفتح الباب أمام اتهامات بازدواجية المعايير، خاصة في ظل عدم اعتبار الرياضة مجرد منافسة ترفيهية، بل أصبحت جزءاً من منظومة حقوق الإنسان، لما تتضمنه من مبادئ المساواة وعدم التمييز والنزاهة.
وفي الوقت الذي ستبقى فيه أخطاء التحكيم جزءاً من اللعبة، يبقى التحدي الحقيقي أمام كرة القدم العالمية هو ضمان ألا تتحول تلك الأخطاء إلى سبب دائم للتشكيك في عدالة المنافسة، أو إلى عامل يقوض أحد أهم المبادئ التي تقوم عليها الرياضة وهو تكافؤ الفرص.
انحراف قرارات التحكيم
وتعقيباً على ذلك، قال الدكتور أحمد غازي، المدير الإقليمي في المركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان، إن الرياضة الدولية لا يمكن فصلها عن المبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي، وفي مقدمتها المساواة وعدم التمييز والحياد وتكافؤ الفرص.
وأوضح غازي في تصريح لـ”صفر” أن المؤسسات الرياضية، وإن لم تكن دولاً، فإنها تدير منظومة عالمية ذات تأثير مباشر في الشعوب، سواء على مستوى الهوية أو ترسيخ قيم العدالة والتسامح والعلاقات بين الدول، الأمر الذي يفرض عليها التزاماً أخلاقياً ومؤسسياً باحترام هذه المبادئ.
وأضاف أن “أي انحراف متكرر في القرارات التحكيمية، خاصة إذا كان مؤثراً في نتائج المباريات، قد يُفسر على أنه إخلال بمبدأ العدالة الرياضية، حتى وإن لم يثبت قانونياً أنه يمثل سياسة ممنهجة”.
وأشار إلى أن السنوات الأخيرة شهدت عدداً من الوقائع التي أثارت شكوكاً واسعة حول نزاهة بعض القرارات التحكيمية، لافتاً إلى أن مباراة مصر والأرجنتين تحولت إلى إحدى أبرز الحالات التي غذت الشعور بغياب العدالة، في ظل الاعتراضات التي صدرت عن الجماهير ووسائل الإعلام، فضلاً عن احتجاجات مسؤولي ولاعبي المنتخب المصري الذين اعتبروا أن بعض الحالات المؤثرة لم تحظَ بالمراجعة الكافية، أو افتقرت إلى الشفافية.
وأضاف أن هذا الشعور يزداد تعقيداً في ظل تداخل الرياضة مع القضايا الإنسانية، مشيراً إلى أن المواقف العلنية التي أعلنها المدير الفني للمنتخب المصري، الكابتن حسام حسن، تضامناً مع ضحايا الحرب في غزة، ولا سيما الأطفال، أسهمت في إثارة تساؤلات لدى الرأي العام.
واستدرك: “لا يوجد دليل قانوني يربط بصورة مباشرة بين المواقف السياسية أو الإنسانية والقرارات التحكيمية، لكن تزامن هذه العوامل يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة في الوعي العام، خاصة في ظل عالم لم تعد فيه الرياضة بمنأى عن التفاعلات السياسية والإنسانية”.
وأكد غازي أن التطور التكنولوجي، وفي مقدمته تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، كان يفترض أن يعزز العدالة، لكنه قد يتحول إلى مصدر للشك إذا لم يُدَرْ وفق معايير واضحة وقابلة للمراجعة والرقابة، معتبراً أن إصلاح المنظومة المؤسسية للتحكيم أصبح ضرورة ملحة، وليس مجرد خيار تنظيمي.
مقترحات تعزز النزاهة
في هذا السياق، طرح غازي حزمة من المقترحات لتعزيز نزاهة البطولات الرياضية العالمية، تبدأ بإنشاء آلية قانونية مستقلة للطعن على القرارات التحكيمية المؤثرة، تتيح للمنتخبات تقديم شكاوى رسمية أمام هيئة محايدة ذات صلاحيات واضحة، تبت فيها خلال إطار زمني محدد يضمن الفاعلية.
ودعا إلى نشر التسجيلات الكاملة لغرف تقنية الفيديو (VAR)، ومنها المحادثات بين حكم الساحة وحكام الفيديو عقب المباريات، على غرار ما يُطبق في بعض الرياضات، ما يعزز الشفافية والمساءلة ويحد من الجدل المتكرر حول القرارات التحكيمية.
وطالب كذلك بإنشاء هيئة مستقلة لتقييم الأداء التحكيمي، منفصلة عن الأجهزة التنفيذية، وتضم خبراء قانونيين وفنيين وتقنيين من خلفيات متنوعة، لضمان مراجعة موضوعية للقرارات المثيرة للجدل.
وشدد على أهمية تحقيق تمثيل جغرافي متوازن داخل لجان التحكيم، ما يعكس الطابع العالمي للبطولات ويحد من أي انطباعات بالهيمنة أو الانحياز، إلى جانب تطوير “مدونة سلوك تحكيمية” تُلزم الحكام بمعايير أخلاقية واضحة، تتجاوز الجوانب الفنية لتشمل قيم العدالة والإنصاف والنزاهة.
واختتم حديثه: “الحفاظ على نزاهة كأس العالم لا يقتصر على تطبيق القوانين، بل يتطلب أيضاً ترسيخ الثقة عبر الشفافية والمساءلة والإصلاح المؤسسي الحقيقي؛ لأن كرة القدم، شأنها شأن الرياضة عموماً، ليست مجرد منافسة، بل منصة عالمية يفترض أن تجسد القيم التي يعلن العالم التزامه بها، وفي مقدمتها العدالة والمساواة والإنصاف”.
منظومة التحكيم على المحك
بدوره، أوضح المعلق الرياضي السابق والمحلل السياسي الجزائري، أبو طالب شبوب، أن التحيز التحكيمي في كأس العالم يضع مبدأ تكافؤ الفرص أمام اختبار حقيقي، خاصة عندما تتكرر الحالات التي تصبح فيها قرارات الحكام محل شك وانتقاد واسع.
وقال شبوب في تصريح لـ”صفر”: “في كثير من الأحيان يشاهد الملايين، عبر النقل التلفزيوني والإعادات البطيئة، وقائع تبدو مناقضة تماماً للقرارات التي يتخذها الحكم، أو حالات واضحة كان يفترض أن تستوجب تدخلاً تحكيمياً، لكنها تمر دون أي إجراء”.
وانتقد شبوب المنظومة التحكيمية في البطولة: “صافرة التحكيم في عهد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) برئاسة جياني إنفانتينو أصبحت حل تساؤل، فهي لا تعمل دائماً في التوقيت المناسب ولا بالطريقة التي تحقق العدالة، بل إن الأدوات التي أُنشئت لدعمها، وعلى رأسها تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، لا تُستخدم في بعض الأحيان بالشكل الذي يحقق الغاية منها”.
ورأى أن المنتخبات العربية والإفريقية كانت من أكثر المتضررين من تلك القرارات، موضحاً: “شهدنا حالات مثيرة للجدل في مباريات غانا والسنغال، كما لا تزال هناك وقائع يتذكرها الجميع في مباراة الجزائر، منها التدخل الذي قام به ليونيل ميسي ضد المدافع عيسى ماندي، والذي لم يُحتسب رغم وضوحه، وكذلك ما حدث في مباراة مصر والأرجنتين، والذي يعد وفق تقديري من أكثر الحالات إثارة للجدل”.
واستدرك: “لكنني لا أوافق على حصر المشكلة في المنتخبات العربية أو الإفريقية فقط؛ لأن الأزمة أوسع من ذلك، وما نراه يعكس نمطاً متكرراً يجعل من الصعب وصف المنظومة التحكيمية بأنها بمنأى عن الانتقاد، وقد شاهدنا أيضاً قرارات مثيرة للجدل في مباريات أخرى، منها مواجهة كرواتيا والبرتغال”.
وفي المقابل، دعا شبوب المنتخبات العربية والإفريقية إلى عدم تعليق إخفاقاتها بالكامل على التحكيم، مؤكداً أن اعتبار القرارات التحكيمية السبب الوحيد للهزيمة سيحول دون معالجة أوجه القصور الفنية والبدنية والمهارية، ويعوق أي مسار حقيقي للتطوير، حتى وإن كانت الأخطاء التحكيمية مؤثرة في بعض المباريات.
ازدواجية دول الشمال
من جانبه، قال رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، عادل تشيكيطو، إن بطولة كأس العالم يفترض أن تجسد القيم الإنسانية الجامعة، وفي مقدمتها تكافؤ الفرص وعدم التمييز والمساواة والعدالة، ولا سيما العدالة التحكيمية، مؤكداً أن هذه المبادئ تشكل أساس الرياضة وينبغي ألا تكون محل خلاف، سواء على مستوى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أو الاتحادات القارية والوطنية.
وأضاف تشيكيطو في تصريح لـ”صفر”: “مع كامل الأسف، فإن ما نشهده على أرض الواقع، ومنذ سنوات طويلة، يكشف وجود مؤشرات على تحيز في بعض القرارات التحكيمية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمنتخبات تمثل الدول العربية أو الإفريقية، أو ما يُعرف بدول الجنوب”.
وتابع: “في مباراة مصر والأرجنتين، كما حدث من قبل في مباراة المغرب وكندا، برزت قرارات تحكيمية أثارت الكثير من علامات الاستفهام، وأسهمت في التأثير على مجريات ونتائج اللقاء، وهو ما كان أكثر وضوحاً في مواجهة مصر والأرجنتين”.
وبحسب رأيه، فإن التطور الكبير في التقنيات الحديثة، وعلى رأسها تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، كان من المفترض أن يحسم الجدل، إلا أن ما يحدث يعيد طرح سؤال جوهري يتعلق بمدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص، فمباريات كرة القدم لا تُحسم بالمهارات والخطط وحدها، بل قد يغير قرار تحكيمي واحد في لحظة حاسمة مسار مباراة كاملة، خصوصاً في الأدوار الإقصائية التي لا تمنح الفرق فرصة للتعويض، وهو ما حدث مع المنتخب المصري”.
وشدد على أنه “لا يمكن لأي متابع منصف لكرة القدم أن ينكر التأثير المباشر الذي مارسته بعض القرارات التحكيمية في العديد من المباريات على نتائجها، بل إن بعضها كان سبباً في إقصاء منتخبات، خاصة من إفريقيا والعالم العربي”.
ولفت إلى أن “الأكثر إثارة للاستغراب هو أن هذا الانطباع بغياب العدالة يصدر في بطولات تُنظم تحت مظلة مؤسسات ودول ترفع، في المحافل الدولية، شعارات حقوق الإنسان والمساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص، في حين تبدو هذه المبادئ، في نظر كثير من المتابعين، محل اختبار حقيقي داخل المستطيل الأخضر”.
واختتم: “ما حدث في هذه البطولة يعزز لدى كثيرين قناعة بأن الشعارات التي تُرفع بشأن العدالة والمساواة لا تجد دائماً ترجمتها في الممارسة العملية، فعندما يتعلق الأمر ببعض المنتخبات الإفريقية أو العربية، تتجدد الاتهامات بازدواجية المعايير، ما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى الالتزام الحقيقي بمبدأ تكافؤ الفرص داخل أكبر حدث كروي في العالم”.
