لم تعد جرائم قتل النساء في تونس تُقرأ باعتبارها حوادث جنائية منفصلة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى قضية حقوقية ومجتمعية تكشف عن استمرار العنف القائم على النوع الاجتماعي، وعن تحديات تواجهها الدولة في الوقاية والحماية والمحاسبة.
ومع إعلان منظمة “أصوات نساء” عن إطلاق أول منصة إلكترونية متخصصة في رصد وتوثيق جرائم قتل النساء، تعود قضية العنف ضد النساء إلى الواجهة، وسط مطالب حقوقية بضرورة توفير بيانات رسمية دقيقة، وتعزيز آليات الحماية، وضمان عدم إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب.
وفق المعطيات التي أعلنتها منظمة “أصوات نساء”، سجلت تونس خلال عام 2025 نحو 30 جريمة قتل لنساء، مع احتمال أن يكون العدد الحقيقي أكبر بسبب صعوبات التوثيق ونقص البيانات الرسمية الشاملة.
وكان تقرير المنظمة لعام 2024 قد رصد 26 جريمة قتل ومحاولة قتل واحدة، بلغ عدد ضحاياها 30 شخصاً بسبب وجود جرائم استهدفت أكثر من ضحية.
وأظهر تقرير وزارة المرأة والأسرة التونسية لعام 2023 ارتفاع جرائم قتل النساء بشكل كبير، إذ تضاعفت أربع مرات بين عام 2018 والنصف الأول من عام 2023، بعدما ارتفعت من 6 جرائم عام 2018 إلى 23 جريمة خلال ستة أشهر فقط من عام 2023.
وترى منظمات حقوقية أن غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة يجعل من الصعب قياس حجم الظاهرة بدقة، ووضع سياسات فعالة للوقاية منها.
قتل النساء في تونس
تعد منظمة “أصوات نساء” أن قتل النساء في تونس لا يمثل مجرد جرائم فردية، بل يرتبط، وفق توصيفها، بعنف ممنهج يستهدف النساء بسبب النوع الاجتماعي، ولذلك تستخدم مصطلح “تقتيل النساء” للدلالة على الطابع البنيوي لهذه الجرائم.
وترى المنظمة أن استمرار وقوع هذه الجرائم يرتبط بعدة عوامل، منها ضعف آليات الوقاية، وعدم كفاية إجراءات الحماية، وتأخر التدخل في حالات التهديد والعنف الأسري.
وتؤكد منظمات حقوقية تونسية أخرى أن معالجة الظاهرة تتطلب الانتقال من التعامل معها كملف أمني أو قضائي فقط إلى اعتبارها قضية حقوق إنسان، تشمل التوعية، وحماية الناجيات، ودعم الضحايا، ومحاسبة المعتدين.
كما تطالب الجمعيات النسوية بتفعيل أكبر للقانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، باعتباره الإطار القانوني الأساسي لمواجهة مختلف أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي.
العنف ضد النساء والفتيات
من جانبها، تؤكد الأمم المتحدة أن العنف ضد النساء والفتيات يمثل أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشاراً حول العالم، وأن جرائم قتل النساء بسبب النوع الاجتماعي تعد من أخطر أشكال هذا العنف.
وتدعو الهيئات الأممية، وفي مقدمتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، الدول إلى إنشاء أنظمة دقيقة لجمع البيانات حول العنف ضد النساء، باعتبار أن نقص المعلومات يمثل معوقاً أمام تطوير سياسات الحماية والمساءلة.
وتشدد الأمم المتحدة على ضرورة التزام الدول باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) التي تدعو إلى اتخاذ إجراءات تشريعية ومؤسسية لحماية النساء من العنف والتمييز.
وترى الأمم المتحدة أن مكافحة جرائم قتل النساء لا تقتصر على معاقبة الجناة بعد وقوع الجريمة، بل تشمل منع العنف قبل حدوثه، عبر تطوير خدمات الدعم والحماية والاستجابة المبكرة للتهديدات.
العنف ضد النساء في تونس
تتابع منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان قضية العنف ضد النساء في تونس ضمن سياق أوسع يتعلق بحماية حقوق المرأة في المنطقة.
وتدعو منظمات مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية إلى تعزيز حماية النساء من العنف الأسري والمجتمعي، وضمان تطبيق القوانين التي تجرّم الاعتداءات ضد النساء، مع توفير آليات وصول فعالة للعدالة.
وترى المنظمات الدولية أن وجود قوانين متقدمة لا يكفي وحده، ما لم ترافقه إجراءات تنفيذية تشمل تدريب أجهزة الأمن والقضاء، وتوفير مراكز الإيواء والدعم النفسي والقانوني للنساء المعرضات للخطر.
وتؤكد أن تحسين جمع البيانات يمثل خطوة أساسية لفهم حجم المشكلة وتحديد المناطق والفئات الأكثر عرضة للعنف.
مواجهة العنف ضد المرأة
اعتمدت تونس خلال السنوات الماضية مجموعة من الإجراءات القانونية والمؤسساتية لمواجهة العنف ضد المرأة، أبرزها القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 الذي يعد من القوانين المتقدمة في المنطقة العربية في هذا المجال.
وينص القانون على تجريم مختلف أشكال العنف ضد النساء، ومنها العنف الجسدي والنفسي والجنسي والاقتصادي، كما يحدد مسؤوليات مؤسسات الدولة في الحماية والتدخل.
وتعمل وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن على تطوير آليات الإحاطة بالنساء ضحايا العنف، ودعم مراكز الاستماع والتوجيه، إضافة إلى التعاون مع منظمات المجتمع المدني.
لكن المنظمات الحقوقية تشير إلى استمرار تحديات مرتبطة بالتنفيذ، منها ضعف الموارد، والحاجة إلى تحسين التنسيق بين الجهات الأمنية والقضائية والاجتماعية، وضمان سرعة التدخل في حالات الخطر.
التوثيق.. خطوة لسد فجوة المعلومات
يمثل إطلاق منصة منظمة “أصوات نساء” في تونس محاولة لسد فجوة البيانات المتعلقة بجرائم قتل النساء، عبر إنشاء قاعدة معلومات محدثة تساعد على فهم أنماط الجرائم وتوزيعها الجغرافي وأسبابها المحتملة.
ويرى حقوقيون أن وجود بيانات دقيقة لا يمثل هدفاً إحصائياً فقط، بل أداة أساسية لصناعة السياسات العامة، وتحديد الأولويات، وقياس مدى نجاح إجراءات الوقاية والحماية.
فكل جريمة قتل امرأة لا تكشف فقط عن فقدان حياة، بل عن سلسلة إخفاقات محتملة في مراحل الإنذار المبكر والحماية والمساءلة، وهو ما يجعل مكافحة هذه الجرائم اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات على حماية النساء وضمان حقهن في الحياة والأمان.
