منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

نيبال تحت الحظر.. توترات دينية تعيد المخاوف بشأن حرية المعتقد وحماية الأقليات

31 يوليو 2026
توترات في نيبال ومخاوف بشأن الحريات الأساسية
توترات في نيبال ومخاوف بشأن الحريات الأساسية

فرضت السلطات النيبالية، حظر تجوال في عدة مناطق بجنوبي البلاد، عقب تصاعد أعمال العنف بين مجموعات هندوسية ومسلمة، في تطوّر أعاد المخاوف من اتساع التوترات الدينية في الدولة الواقعة بين الهند والصين، وسط دعوات رسمية إلى ضبط النفس، وتحذيرات حقوقية من مخاطر استخدام القوة أو تصاعد خطاب الكراهية.

وأعلنت الشرطة النيبالية، بحسب تصريحات المتحدث باسمها أبي نارايان كافلي، فرض حظر التجوال في مناطق سيراها وسونساري ودهانوسا المحاذية لولاية بيهار الهندية، بعد أيام من اضطرابات شهدتها المنطقة، مؤكدة أن قوات الأمن والشرطة تعمل بصورة مشتركة لمنع أعمال التخريب وإضرام الحرائق واحتواء التوترات الشعبية.

وأوضحت السلطات أن أعمال العنف بدأت الأحد الماضي عندما تعرض زوار هندوس كانوا في رحلة دينية إلى هجوم أثناء توجههم إلى أحد المعابد في منطقة سونساري، ما أدى إلى إصابة عدد من الأشخاص، قبل أن تعلن الشرطة وفاة شخصين متأثرين بإطلاق النار خلال الأحداث، أحدهما توفي في يوم الحادث، بينما فارق الآخر الحياة داخل المستشفى الخميس متأثرًا بإصابته.

دعوات لاحتواء الأزمة

أعرب الرئيس النيبالي رامتشاندرا باوديل عن قلقه إزاء تصاعد التوترات، داعيًا جميع المواطنين إلى الحفاظ على الوئام الديني والاجتماعي والعرقي، وتجنب أي أعمال قد تؤدي إلى اتساع دائرة العنف أو تهديد السلم الأهلي.

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه نيبال تحديات متزايدة تتعلق بالحفاظ على التوازن بين مكوناتها الدينية والإثنية، خاصة في المناطق الحدودية التي ترتبط اجتماعيًا وثقافيًا بالمناطق الشمالية من الهند، حيث يسهل انتقال التأثيرات السياسية والدينية عبر الحدود.

تكفل المادة (18) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تعد نيبال طرفًا فيه، حرية الفكر والضمير والدين، بما يشمل حرية ممارسة الشعائر الدينية دون خوف أو تمييز، كما تلزم السلطات بحماية جميع المواطنين من العنف القائم على الدين أو الانتماء العقائدي.

ويؤكد القانون الدولي لحقوق الإنسان أن مسؤولية الدولة لا تقتصر على احتواء أعمال العنف، وإنما تمتد إلى ضمان حماية الأقليات الدينية، والتحقيق في الانتهاكات بصورة مستقلة، ومحاسبة المسؤولين عنها، ومنع التحريض على الكراهية أو التمييز.

دعوات لحماية الحقوق

دعت منظمة العفو الدولية، بالتعاون مع منظمة هيومن رايتس ووتش واللجنة الدولية للحقوقيين، الحكومة النيبالية إلى تعزيز سيادة القانون، وضمان حماية الحقوق الأساسية لجميع المواطنين، بما في ذلك حقوق الأقليات، وحرية التجمع، وعدم التمييز، مع التأكيد على ضرورة أن تلتزم قوات الأمن بالمعايير الدولية في استخدام القوة واحترام الإجراءات القانونية.

وشددت المنظمات الحقوقية على أن السلطات مطالبة بإجراء تحقيقات شفافة في أي حالات وفاة أو إصابة خلال الاضطرابات، وضمان عدم اللجوء إلى استخدام القوة إلا في الحدود التي تفرضها الضرورة والتناسب، وفق المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون.

وقد تؤدي التوترات الدينية إلى تصاعد خطاب الكراهية والاستقطاب المجتمعي إذا لم تُعالج أسبابها بسرعة، خصوصًا في المناطق التي تشهد تنوعًا دينيًا وعرقيًا، حيث إن حماية السلم المجتمعي تتطلب تطبيق القانون بصورة متساوية، وضمان عدم استهداف أي جماعة بسبب معتقدها الديني.

أزمة تتجاوز الأمن

ترى المنظمات الدولية أن التعامل الأمني وحده لا يكفي لاحتواء مثل هذه الأزمات، بل يجب أن يصاحبه حوار مجتمعي، وتعزيز ثقافة التسامح، ومكافحة التحريض على العنف، وضمان مشاركة القيادات الدينية والمحلية في جهود التهدئة.

وتعكس الأحداث الأخيرة في نيبال تحديًا يتجاوز البعد الأمني، إذ تضع الدولة أمام اختبار يتعلق بقدرتها على حماية حرية الدين والمعتقد، وصون حقوق جميع المواطنين دون تمييز، في وقت تؤكد فيه المواثيق الدولية أن احترام التنوع الديني يمثل أحد أهم ركائز الاستقرار المجتمعي.

ويبقى نجاح السلطات في احتواء الأزمة مرتبطًا بقدرتها على الجمع بين فرض الأمن واحترام حقوق الإنسان، وإجراء تحقيقات مستقلة في أعمال العنف، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، بما يمنع تجدد التوترات ويحافظ على النسيج الاجتماعي في البلاد.