منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تداعيات تتجاوز الجدران.. السجون البريطانية اكتظاظ يعكس عقوداً من السياسات العقابية المتشددة

23 أبريل 2026
سجن بريطاني
سجن بريطاني

لم تعد أزمة السجون في إنجلترا وويلز مجرد مسألة إدارية تتعلق بنقص المساحات، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لفعالية نظام العدالة الجنائية برمّته، فمع تزايد أعداد النزلاء إلى مستويات قياسية، تتصاعد التحذيرات من تداعيات إنسانية وقانونية عميقة، وتشير بيانات وزارة العدل البريطانية لعام 2025 إلى أن السجون تعمل عند حدودها القصوى، في ظل ضغوط متراكمة تعكس عقودا من السياسات العقابية المتشددة، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى هذا النهج في تحقيق الأمن والعدالة.

بحسب بيانات وزارة العدل البريطانية الصادرة في 2025، يبلغ عدد السجناء في إنجلترا وويلز نحو 85000 نزيل، مقارنة بنحو 44000 فقط عام 1993، أي تضاعف العدد تقريبا خلال ثلاثة عقود، كما يوضح المكتب الوطني للإحصاء في بريطانيا أن معدل السجن بلغ 138 سجينا لكل 100 ألف نسمة، وهو أعلى من نظيره في فرنسا (126) والسويد (92) وألمانيا (71).

وفي السياق ذاته، تشير لجنة العدالة في مجلس اللوردات 2025 إلى أن نحو 20 في المئة من السجناء موقوفون احتياطيا، بينما أعيد نحو 14 في المئة إلى السجن بسبب خرق شروط الإفراج، ما يعكس ضغوطا إضافية على النظام.

سياسات العقاب تقود الأزمة

تؤكد مراجعة العقوبات المستقلة في بريطانيا أن تضخم الأحكام يمثل العامل الأبرز في تفاقم الاكتظاظ، إذ ارتفعت نسبة الأحكام بالسجن الفوري من 16 في المئة عام 1993 إلى 32 في المئة عام 2024، كما ارتفع متوسط مدة الحكم في القضايا الخطرة من 16 شهرا إلى 22 شهرا بحلول سبتمبر 2025، وفق وزارة العدل البريطانية.

وتشير بيانات مجلس العقوبات البريطاني إلى تضاعف الأحكام التي تتجاوز 10 سنوات أكثر من ثلاث مرات بين عامي 2010 و2024، إلى جانب ارتفاع عدد المحكومين بالسجن المؤبد إلى أكثر من 7500 سجين.

 التصورات العامة مقابل الواقع

رغم هذا التشدد، تظهر بيانات المكتب الوطني للإحصاء في بريطانيا تراجعا طويل الأمد في معدلات الجريمة منذ التسعينيات، بما في ذلك انخفاض جرائم العنف والقتل، ومع ذلك، توضح لجنة العدالة في مجلس اللوردات 2023 أن غالبية المواطنين يعتقدون أن الجريمة في ارتفاع وأن الأحكام أصبحت أكثر تساهلا، وهو تصور مخالف للواقع.

وتؤكد دراسة صادرة عن مجلس العقوبات البريطاني 2022 أن الأدلة على فعالية تشديد الأحكام في الردع محدودة، خاصة أن كثيرا من الجرائم يرتبط بعوامل نفسية أو اجتماعية.

أزمة السجون الاحتياطية تضاعف الضغط

تشير وزارة العدل البريطانية 2025 إلى أن نحو خُمس السجناء موقوفون احتياطيا بانتظار المحاكمة أو الحكم، وهو رقم يعكس بطء الإجراءات القضائية وتراكم القضايا.

وتوضح تقارير لجنة العدالة في مجلس اللوردات أن تأخر المحاكمات يؤدي إلى احتجاز آلاف الأفراد لفترات طويلة دون حكم نهائي، ما يسهم مباشرة في تفاقم الاكتظاظ ويطرح تساؤلات قانونية حول العدالة الناجزة.

أحد السجون البريطانية

سجون مكتظة وفرص ضائعة

تفيد بيانات إدارة السجون البريطانية حتى مارس 2025 بأن نحو 25 في المئة من السجناء يعيشون في ظروف مكتظة لا تستوفي المعايير الأساسية، كما تشير لجنة العدالة 2025 إلى أن نصف النزلاء لا يشاركون في أي برامج تعليمية أو مهنية داخل السجون.

هذا الواقع، بحسب وزارة العدل البريطانية، يؤدي إلى تقليص فرص إعادة التأهيل، ويزيد من معدلات التوتر والعنف داخل المؤسسات العقابية.

تداعيات إنسانية مقلقة

تحذر تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش 2025 من أن الاكتظاظ يؤدي إلى تدهور ظروف الاحتجاز، بما يشمل ضعف الرعاية الصحية وزيادة الضغوط النفسية على السجناء، كما يشير مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى أن الاكتظاظ يقوض كرامة الإنسان ويؤثر سلبا على فرص إعادة الإدماج.

وتؤكد هذه الجهات أن تقييد الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، منها زيادة احتمالات العودة إلى الجريمة.

بعد قانوني دولي ومعايير ملزمة

تؤكد الأمم المتحدة من خلال القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء أن توفير مساحة كافية وظروف إنسانية لائقة هو التزام قانوني على الدول، وتشير تقارير مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان 2025 إلى أن الاكتظاظ قد يرقى في بعض الحالات إلى معاملة غير إنسانية أو مهينة إذا أدى إلى تدهور حاد في ظروف الاحتجاز.

ويضع هذا الإطار القانوني الدولي ضغوطا متزايدة على الحكومة البريطانية لمواءمة سياساتها مع التزاماتها الحقوقية.

فشل التأهيل ودوامة العودة للجريمة

تظهر بيانات لجنة العدالة في مجلس اللوردات 2025 أن نحو 80 في المئة من الجناة يعودون إلى ارتكاب جرائم جديدة، فيما لا يواصل ثلثا السجناء أي نشاط تعليمي أو مهني بعد الإفراج.

وتوضح وزارة العدل البريطانية أن الاكتظاظ يؤدي إلى تعطيل برامج التأهيل، وهو ما ينعكس سلبا على فرص إعادة الإدماج، ويحول السجون إلى بيئات تعزز التكرار الإجرامي بدلا من الحد منه.

كلفة باهظة بلا نتائج

تقدر وزارة العدل البريطانية تكلفة السجين الواحد بنحو 55000 جنيه إسترليني سنويا، في حين تشير لجنة العدالة في مجلس اللوردات 2025 إلى أن تكلفة العودة إلى الجريمة تبلغ نحو 18 مليار جنيه سنويا.

في المقابل، تظهر بيانات خدمة المراقبة البريطانية 2024 أن تكلفة البرامج المجتمعية لا تتجاوز 3150 جنيها للفرد، ما يعزز الدعوات إلى اعتماد بدائل أقل كلفة وأكثر فعالية.

أقرت الحكومة البريطانية، وفق قانون العقوبات لعام 2026 الصادر عن البرلمان البريطاني، إجراءات لتخفيف الضغط، تشمل الإفراج المبكر بعد قضاء ثلث العقوبة لبعض الفئات، وتقييد الأحكام القصيرة، وتوسيع العقوبات البديلة.

كما أوصت مراجعة العقوبات المستقلة بإنشاء هيئة قائمة على الأدلة لتقييم سياسات العقوبات، وهو ما دعمته لجنة العدالة في مجلس اللوردات.

دروس من التجارب الدولية

تشير تقارير الأمم المتحدة وبرامج العدالة الجنائية الدولية إلى نجاح دول مثل هولندا وإسبانيا وبعض الولايات الأمريكية في خفض معدلات السجن عبر التوسع في برامج التأهيل والعقوبات البديلة.

وتؤكد هذه التجارب، وفق المصادر نفسها، أن تقليل الاعتماد على السجن يمكن أن يحقق نتائج أفضل في خفض الجريمة مقارنة بالسياسات العقابية الصارمة.

تكشف أزمة الاكتظاظ في السجون البريطانية عن خلل بنيوي يتجاوز مسألة السعة إلى جوهر فلسفة العقاب نفسها، فبينما تستمر الضغوط على النظام، تتزايد الأدلة وفق وزارة العدل البريطانية وتقارير الأمم المتحدة، على أن تشديد العقوبات لم يحقق النتائج المرجوة في خفض الجريمة.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية