جاك جاكوبس*
في مقالٍ نشره الناقد الأسترالي إيه إيه فيليبس عام 1950، تحدث عن ظاهرة أسماها “عقدة الدونية الثقافية”، حيث كان الأستراليون الذين يفتقرون إلى الثقة بأنفسهم يتطلعون إلى بريطانيا طلباً للإرشاد والتوجيه. واليوم، أرى أن بعض السياسيين الأستراليين يفعلون شيئاً مشابهاً، لكن بصورة أكثر خطورة؛ فهم لا يستوردون فقط الأفكار، بل يتبنون أيضاً رؤى اليمين البريطاني المتطرف المليئة بالخوف والتشاؤم، ويحاولون إسقاطها على الواقع الأسترالي.
في يونيو الماضي شارك رئيس الوزراء الأسترالي الأسبق عن الحزب الليبرالي، توني أبوت، في مؤتمر تحالف المواطنة المسؤولة، وهو تجمع يقوم على فكرة “تجديد” الحضارة الغربية. وهناك حذر من أن الهجرة الجماعية المستمرة، خصوصاً القادمة من دول ذات ثقافات مختلفة، تمثل أسرع الطرق لإضعاف ثم القضاء على الثقافة الأنجلو-سلتية والمرجعية اليهودية-المسيحية التي قامت عليها المجتمعات الناطقة بالإنجليزية، وهي -بحسب رأيه- القيم ذاتها التي تجذب المهاجرين إلى تلك الدول.
أما بيتا كريدلين، مديرة مكتبه السابقة والمعلقة الحالية في قناة “سكاي نيوز أستراليا”، فقد خاطبت البريطانيين بقولها: “أنتم أشبه بحقل تجارب… ففيما يتعلق بالتعددية الثقافية والإسلام المتطرف، أنتم تمثلون المستقبل الذي لا نريد أن تصل إليه أستراليا”.
في الواقع، يخوض كلاهما معركة للسيطرة على اليمين الأسترالي، لكن وفق القواعد التي يفرضها منافسهما الحقيقي: حزب “أمة واحدة” الذي أسسته بولين هانسون، صاحبة متجر الأسماك السابقة التي اشتهرت عام 1996 عندما زعمت أن أستراليا “مهددة بالغرق تحت موجات المهاجرين الآسيويين”.
واليوم، أصبحت هانسون، بصفتها عضواً في مجلس الشيوخ عن ولاية كوينزلاند، تدعو صراحة إلى إقامة أستراليا أحادية الثقافة، في حين بات الإسلام هو خصمها الأول. وكما يفعل حزب “ريفورم يو كيه” في بريطانيا مع حزب المحافظين، يواصل حزب “أمة واحدة” استنزاف شعبية الحزب الليبرالي في استطلاعات الرأي، ليصبح المنافس الثاني لحزب العمال الحاكم.
مؤخراً، عادت هانسون مما وصفته بـ”رحلة لتقصي الحقائق” في بريطانيا، وهي رحلة أسهم برنامج Spotlight على القناة السابعة الأسترالية في تغطيتها وتشكيل سرديتها. التقطت الصور مع نايجل فاراج خلال مؤتمر العمل السياسي المحافظ في لندن، رغم أن لقاءً آخر تعذر بسبب الانتخابات الفرعية في كلاكتون.
كما جابت حي تاور هامليتس برفقة روبرت جينريك، المنضم حديثاً إلى حزب “ريفورم”، لمراقبة المسلمين البريطانيين وهم يمارسون حياتهم اليومية، في مشهد بدا غريباً ومقصوداً في آنٍ واحد. ثم التقت روبرت لو، زعيم حزب Restore Britain، داخل منزل المغنية الأسترالية-البريطانية هولي فالانس، حيث أهدى إليها نسخة من وثيقة حزبه المعنونة “الترحيل الجماعي: الشرعية والقانون وآليات التنفيذ”، قائلاً لها: “هذه هي الجوهرة التي تحتاجون إليها في أستراليا”.
تقترح الوثيقة ترحيل نحو 1.8 مليون مهاجر غير شرعي خلال ثلاث سنوات فقط، عبر خلق “بيئة عدائية” تجمع بين العودة الطوعية والترحيل القسري. وبعد ذلك، أعلنت هانسون أنها “تحب” فكرة الترحيل الجماعي، قبل أن توضح أنها تقصد الأشخاص الموجودين في أستراليا بصورة غير قانونية. إنها عبارة لم تكن مألوفة في الخطاب السياسي الأسترالي، لكنها أصبحت اليوم تتردد حتى في برامج التلفزيون الصباحية.
أكثر لقاءاتها إثارة للجدل كان مع تومي روبنسون، وهو اللقاء الذي استحوذ على اهتمام الأستراليين. ففي حلقة بودكاست نشرها عبر منصة إكس، استقبلها روبنسون بحفاوة لافتة، قائلاً: “يشرفني أن ألتقي امرأة طالما نظرت إليها بإعجاب”.
ويرى الاثنان نفسيهما ضحيتين للنظام بعد دخولهما السجن؛ فقد قضت هانسون 11 أسبوعاً عام 2003 إثر إدانتها بالاحتيال الانتخابي قبل إلغاء الحكم، في حين دخل روبنسون السجن عدة مرات بتهم شملت الاحتيال وازدراء المحكمة.
وخلال حديثها معه، اعتبرت هانسون أن بداية الأزمة كانت مع إنهاء سياسة “أستراليا البيضاء” في عهد رئيس الوزراء العمالي غوف ويتلام عام 1973.
لكن التاريخ يقول شيئاً مختلفاً. فهذه السياسة، التي بدأت مع قيام الاتحاد الأسترالي عام 1901، كانت تعتمد اختبارات إملاء تعجيزية بلغات أوروبية للحفاظ على الطابع الأبيض ذي الأغلبية البريطانية للمجتمع الأسترالي. وعلى خلاف ما تدعيه هانسون، فإن تفكيك هذه السياسة بدأ تدريجياً منذ خمسينيات القرن الماضي على يد حكومات ليبرالية وعمالية متعاقبة، في حين ألغى ويتلام آخر بقاياها عام 1973، قبل أن يقر قوانين مكافحة التمييز العنصري عام 1975.
وتصر هانسون على أن المهاجرين الأوروبيين اندمجوا بصورة أفضل من المهاجرين القادمين لاحقاً من دول الجنوب العالمي، رغم أنها تنفي اليوم رغبتها في إعادة العمل بسياسة “أستراليا البيضاء”.
وفي مقطع حُذف من بودكاست روبنسون لكنه ظهر لاحقاً في برنامج Spotlight، قالت عن المسلمين: “إنهم يتكاثرون”. ثم سارعت إلى تعديل عبارتها: “لديهم أطفال… والقرآن يقول إن الله سيرزقهم، لكن من يدفع فعلياً هو دافع الضرائب”.
مثل روبنسون، تُحمّل هانسون الإسلام مسؤولية ما تعده انهياراً للمجتمعات الغربية، في حين تتجاهل القوى الاقتصادية غير المنضبطة التي أسهمت في تفكيك المجتمعات التقليدية التي يحنّ إليها كلاهما.
نشأ روبنسون في مدينة لوتون الصناعية التي فقدت ازدهارها، حيث يشعر كثير من أبناء الطبقة العاملة بأن الدولة تخلت عنهم. أما في أستراليا، فإن هانسون تخاطب شريحة تعاني بالفعل من ضغوط المعيشة وارتفاع تكاليف الحياة.
لا أنكر أن في روايتهما شيئاً من الحقيقة، لكن النقاط العمياء في هذه الرؤية أكبر بكثير من أي حقيقة تحتويها. فهي تتحول إلى ثقوب سوداء تبتلع كل من يقترب منها، وتغذيه بنظريات المؤامرة التي تمنح الكراهية شرعية زائفة.
نعم، تعاني بريطانيا من توترات عرقية ودينية وأعمال عنف في الشوارع. كما أن الحكومات أخفقت في مواجهة الجرائم التي ارتكبتها عصابات استغلال الفتيات الصغيرات. لكن هذه الوقائع تُقتطع من سياقها البريطاني، ثم تعيد خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي تصديرها إلى الأستراليين لإثارة الخوف لديهم.
والواقع أن الأستراليين يعيشون بالفعل حالة من القلق.
ففي 14 ديسمبر 2025، قتل أب وابنه 15 شخصاً خلال احتفال بعيد “الحانوكا” على شاطئ بوندي في سيدني، في أسوأ هجوم إرهابي استهدف اليهود عالمياً منذ هجمات السابع من أكتوبر، والأكثر دموية في تاريخ أستراليا.
وقد استند ذلك الهجوم إلى أيديولوجيا انتقامية مستوردة لا يمكن الدفاع عنها باعتبارها تعبيراً عن دين.
ولا أساوي بين ذلك الهجوم وبين السياسة التي يمارسها هانسون وروبنسون، لكنهما يشتركان في سمة خطيرة واحدة: كلاهما يحول البلد الذي يعيش فيه إلى ساحة لتصفية صراعات جاءت من الخارج، وهو ما يعرض الأقليات الضعيفة لمزيد من المخاطر.
أستراليا ليست بريطانيا، ولكل منهما تاريخ مختلف مع الهجرة.
فبريطانيا متعددة الثقافات تشكلت نتيجة الوعود التي قدمتها الإمبراطورية البريطانية لشعوب مستعمراتها بعد الحرب العالمية الثانية. أما أستراليا، فمنذ التخلي عن سياسة “أستراليا البيضاء”، فقد أثبتت قدرة كبيرة على استيعاب موجات متتالية من المهاجرين، وإن كان ذلك لم يخلُ من إرث عنصري ارتبط أيضاً بتاريخ انتزاع أراضي السكان الأصليين.
هناك بالفعل نقاش جاد وإنساني يجب أن يُجرى حول كيفية إدارة الهجرة في المجتمعات المعقدة إدارة تحافظ على الإحساس المشترك بالهوية الوطنية، لكن هذا النقاش يجب أن يكون أوسع وأكثر انفتاحاً من الحنين الإقصائي الذي ما زال هانسون وروبنسون أسيرين له.
وأعتقد أن أستراليا قادرة على خوض هذا الحوار.
لقد استقبلت عائلات من الطبقة العاملة البيضاء أسرتي عندما قدمت من الهند خلال ستينيات وثمانينيات القرن الماضي. وما ترفض هانسون الاعتراف به هو أن النمط المتعدد الثقافات الذي يميز أستراليا اليوم نشأ من دونها، ولم يفرضه قرار حكومي، بل صنعته أفعال بسيطة من الاحترام والكرم والتعايش بين الناس، وهي التي نسجت هذا المجتمع وربطت أبناءه ببعضهم.
السياسيون من أمثال هانسون يصفون أنفسهم بالمحافظين، لكنهم يتخلون عن أول مبادئ المحافظة الحقيقية، وهو الانتباه إلى خصوصية الوطن الذي يعيشون فيه.
فعندما نستبطن المخاوف البريطانية ونجعلها مخاوفنا، فإننا نفقد القدرة على رؤية مشكلات أستراليا بعين أسترالية، ونغفل أيضاً ما يميزنا من قدرة على إيجاد حلول خاصة بنا.
*نقلاً عن الجارديان
