أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إشعال الأضواء العالمية حول شخصه بعد إعلانه المفاجئ عن التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل وحركة حماس بشأن غزة، في خطوة وُصفت بأنها “مسرحية دبلوماسية” تجمع بين الطموح السياسي والحلم الشخصي بالحصول على جائزة نوبل للسلام.
جاء هذا التطور وسط مشهد متوتر في الشرق الأوسط يعيش على وقع الحرب والدمار، بينما يلهث الملايين خلف أي بادرة أمل تضع حدًا للمعاناة الإنسانية في القطاع المحاصر، بحسب ما ذكرت وكالة “فرانس برس”، الخميس.
وقالت “فرانس برس” إن لحظة إعلان ترامب عن الاتفاق بدت كأنها مشهد من فيلم سياسي؛ إذ قاطع وزير خارجيته لقاء تلفزيونيا ليهمس في أذنه بأن الصفقة باتت قريبة.. لم يتردد ترامب في اقتناص المشهد أمام الكاميرات، فكتب على حسابه في “تروث سوشال” جملة من الإنجيل تقول: “طوبى لصانعي السلام”.
كانت تلك اللحظة بمثابة الإعلان الرسمي لاتفاق لم تتضح تفاصيله بعد، لكنه كشف عن عودة طموح ترامب إلى واجهة الدبلوماسية الدولية.
ضغوط مكثّفة على نتنياهو
مارس ترامب، وفق مصادر دبلوماسية، ضغوطًا حادة على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منذ لقائهما في البيت الأبيض يوم 29 سبتمبر الماضي، حين قدّم له خطة مكوّنة من عشرين بندًا.
ورغم أن ترامب بدا في العلن داعمًا مطلقًا لإسرائيل، فإن ما دار خلف الكواليس كان مختلفًا؛ إذ أصرّ على إدراج بند ينص على إقامة دولة فلسطينية في المستقبل، وهو ما أثار غضب نتنياهو الذي رأى في ذلك تجاوزًا للخطوط الحمراء الإسرائيلية التقليدية.
واستفاد ترامب من اللحظة الحرجة في العلاقات بين تل أبيب وعدد من الدول العربية، ليعيد رسم خريطة التواصل الإقليمي.
وبحسب دبلوماسيين حضروا اللقاءات الجانبية، فقد استخدم ترامب لغة صريحة مع نتنياهو قائلاً: “هذه فرصتك للانتصار، ليس لديك خيار سوى الموافقة”.
كان يضغط بقوة، مدفوعًا بحسابات انتخابية داخلية وطموح شخصي بتتويج نفسه كصانع للسلام في الشرق الأوسط.
موقف عربي موحد
أدى التوتر بين إسرائيل وقطر إلى خلق بيئة ملبّدة بالشكوك، خصوصًا أن الدوحة كانت تلعب دورًا محوريًا في الوساطة مع حركة حماس.
أبدى ترامب استياءه من الهجوم الإعلامي الإسرائيلي ضد قطر، واعتبره عائقًا أمام المفاوضات.
وعندما لاحظ وحدة الموقف العربي الرافض لهذا التصعيد، استغل الفرصة ليجبر نتنياهو على التواصل مع أمير قطر والاعتذار منه، وهو مشهد نادر في العلاقات الإقليمية.
وقع ترامب لاحقًا مرسومًا تنفيذيا يقدّم ضمانات أمنية لقطر، مؤكدًا عمق العلاقة الأمريكية مع الحلفاء العرب.
بدا واضحًا أن الرئيس الأمريكي كان يهدف إلى استعادة زمام المبادرة في المنطقة بعد سنوات من الاضطراب، معتمدًا على شبكة علاقات بناها خلال ولايتيه، خاصة مع السعودية والإمارات وقطر ومصر.
الورقة الإنسانية وسلاح الرهائن
وظّف ترامب الورقة الإنسانية بذكاء، فركّز على قضية الرهائن الإسرائيليين في غزة، وجعلها محور خطته.
وهدد حركة حماس بفتح “أبواب الجحيم” إن لم توافق على الخطة قبل الخامس من أكتوبر الجاري، لكنه في الوقت نفسه أظهر جانبًا إنسانيًا حين استقبل عائلات الرهائن في البيت الأبيض أكثر من مرة.
ردّت حماس ببيان متوازن ركّز على ضرورة الإفراج الكامل عن المدنيين، مشيرة إلى أن التزام ترامب العلني بهذه النقطة كان مؤشرًا إيجابيًا.
وفي خطوة غير مسبوقة، نشر ترامب على حسابه الرسمي بيان حركة حماس المصنّفة على لائحة الإرهاب الأمريكية، ما اعتُبر اختراقًا سياسيًا غير مسبوق في الخطاب الأمريكي تجاه الحركة.
حسابات سياسية وطموحات
سعى ترامب، من خلال هذا الاتفاق، إلى تحقيق أكثر من هدف، فمن جهة، أراد أن يقدم نفسه كزعيم عالمي قادر على إنجاز ما فشل فيه خلفاؤه، ومن جهة أخرى، أراد أن يوجه رسالة للداخل الأمريكي بأنه رجل الدولة القادر على إحلال السلام بعد الحروب.
وفي الكواليس، تحدث مقربون منه عن رغبته في أن يُعاد اسمه إلى سباق جائزة نوبل للسلام، رغم أن فرصه لا تزال ضئيلة.
لكن ما لا يمكن إنكاره أن إعلان ترامب عن الاتفاق المفترض أعاد خلط الأوراق في المنطقة، ودفع الأطراف كافة –من إسرائيل إلى حماس مرورًا بالوسطاء العرب– إلى التفكير في حلول أكثر واقعية لإنهاء الحرب التي أنهكت غزة وشعبها.
غزة بين الأمل والحذر
يترقب سكان غزة اليوم بحذر ما ستؤول إليه نتائج هذه التحركات، فالمشهد الإنساني لا يزال قاتمًا، والمخيمات تعج بالنازحين الذين يعيشون في ظروف قاسية بعد أكثر من عام على الحصار والدمار.
وبينما يتحدث ترامب عن “صنع السلام”، يخشى الفلسطينيون من أن يكون الاتفاق الجديد مجرّد إعادة تدوير لأزمات الماضي.
غير أن الأمل –وإن كان هشًّا– بدأ يتسلل إلى قلوب البعض، خاصة بعد الحديث عن فتح ممرات إنسانية وتبادل الأسرى، في انتظار ما إذا كانت وعود ترامب ستتحول إلى واقع، أم ستظل مجرّد فصل جديد من فصول السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
