تشهد مالي موجة متصاعدة من التقارير الحقوقية التي تتحدث عن وقوع عمليات إعدام خارج نطاق القضاء في سياق العمليات العسكرية والأمنية، ما دفع الأمم المتحدة إلى التعبير عن قلق بالغ من تدهور أوضاع حقوق الإنسان في البلاد، خاصة في المناطق الشمالية والوسطى التي تشهد نزاعا مسلحا ممتدا، وفقا للأمم المتحدة.
أكدت الأمم المتحدة أن أي عمليات إعدام خارج القضاء، في حال ثبوتها، تمثل انتهاكا جسيما للقانون الدولي الإنساني وتهديدا مباشرا للحق في الحياة، ودعت السلطات المالية إلى فتح تحقيقات مستقلة وشفافة، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، مع التشديد على ضرورة حماية المدنيين وعدم استهدافهم تحت أي ظرف، وفقا لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.
جذور الأزمة
بدأت الأزمة الأمنية في مالي عام 2012 مع اندلاع تمرد مسلح في الشمال، تطور لاحقا إلى صراع متعدد الأطراف شمل جماعات متشددة وميليشيات محلية وقوات حكومية، إضافة إلى تدخلات دولية وإقليمية، ورغم محاولات احتواء النزاع، استمرت حالة عدم الاستقرار وتوسعت إلى مناطق الوسط، وفقا للأمم المتحدة.
تشير تقارير حقوقية حديثة إلى تورط القوات المالية في عمليات عسكرية أسفرت عن مقتل مدنيين في سياق حملات مكافحة الجماعات المسلحة، ووفقا لتقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2025، فإن القوات الحكومية وشركاءها العسكريين نفذوا مئات العمليات التي أسفرت عن مقتل أكثر من ألف مدني خلال عام واحد في بعض مناطق الوسط والشمال، ما يثير مخاوف بشأن نمط متكرر من الانتهاكات، وفقا لمنظمة هيومن رايتس ووتش.
حوادث قتل خارج القانون
تشير تقارير حقوقية دولية صادرة عن منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش خلال عامي 2024 و2025 إلى تزايد نمط مقلق من عمليات الاعتقال التي تتبعها عمليات قتل جماعي لمدنيين في وسط وشمال مالي، في سياق العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة، ووفق تقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2025، فقد وثقت المنظمة سلسلة من الحوادث التي شملت إعدامات ميدانية لمدنيين بعد احتجازهم من قبل القوات المسلحة المالية أو قوات متحالفة معها، حيث قُتل ما لا يقل عن 31 مدنيا في هجمات منفصلة في منطقة سيغو خلال أكتوبر 2025 وحده، وفقا لمنظمة هيومن رايتس ووتش.
وفي حادثة بارزة وثقتها أيضا هيومن رايتس ووتش، اعتُقل 25 مدنيا بينهم أطفال خلال عملية عسكرية في منطقة نارا، قبل العثور لاحقا على جثثهم متفحمة على بعد كيلومترات من موقع الاعتقال، ما أثار مخاوف جدية من وقوع إعدامات خارج نطاق القضاء، وفقا للتقرير ذاته، كما وثقت المنظمة حادثة أخرى في منطقة ديابارابي بوسط مالي عام 2025، حيث تم اعتقال عشرات الرجال من سوق محلية قبل أن يُعثر لاحقا على جثث ما لا يقل عن 22 شخصا في مقابر جماعية، في واقعة وصفتها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب، وفقا لتقارير المنظمتين.
وتشير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن هذه الأنماط من القتل خارج الاحتجاز القانوني، في حال ثبوتها ضمن سياق عمليات ممنهجة أو واسعة النطاق، قد ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، خاصة عندما يتم استهداف مدنيين بعد احتجازهم دون إجراءات قضائية أو ضمانات قانونية، وفقا لمفوضية الأمم المتحدة، كما سجل مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في تقاريره لعام 2025 مخاوف من تزايد عمليات القتل التعسفي في سياق العمليات الأمنية في مالي، دون تحديد عدد دقيق موحد بسبب صعوبة التحقق الميداني في مناطق النزاع، وفقا للأمم المتحدة.
اتهامات متكررة للقوات المسلحة وحلفائها
تشير تقارير الأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش إلى أن الانتهاكات الموثقة في مالي لا تقتصر على الجماعات المسلحة فقط، بل تمتد أيضا إلى القوات الحكومية وبعض المجموعات المسلحة المتحالفة معها، في إطار عمليات مكافحة الإرهاب في المناطق الوسطى والشمالية، ووفق تقرير حديث لمنظمة هيومن رايتس ووتش، فإن القوات المسلحة المالية، وأحيانا قوات أجنبية متعاونة معها، تورطت في عمليات أسفرت عن مقتل مئات المدنيين خلال عام واحد فقط، في سياق هجمات عسكرية ضد قرى يشتبه في ارتباطها بالجماعات المسلحة، وفقا للمنظمة.
وتشير بعثة الأمم المتحدة السابقة في مالي وتقارير حقوق الإنسان إلى أن العمليات العسكرية في مناطق مثل موبتي وسيغو شهدت نمطا متكررا من الاعتقالات الجماعية التي تليها عمليات إعدام أو اختفاء قسري، حيث وثّقت تقارير أممية واقعة في مايو 2025 تم فيها اعتقال نحو 28 مدنيا قبل العثور على جثثهم في مقابر جماعية، وفقا لهيومن رايتس ووتش.
كما وثقت المنظمة حوادث أخرى شملت حرق قرى بأكملها وعمليات قتل انتقامية استهدفت مدنيين يشتبه في تعاونهم مع جماعات مسلحة، وفقا لتقارير حقوقية دولية.
وتحذر الأمم المتحدة من أن هذا النمط من الانتهاكات يعكس خطرا متزايدا يتمثل في تداخل العمليات العسكرية مع استهداف المدنيين، وهو ما يؤدي إلى تآكل الثقة بين السكان والقوات الحكومية ويزيد من احتمالات التصعيد في مناطق النزاع، كما أشار مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في تقرير إلى أن غياب آليات مساءلة فعالة واستمرار الإفلات من العقاب يشكلان عاملين رئيسيين في تكرار هذه الانتهاكات، وفقا للأمم المتحدة.
وتضيف منظمات حقوقية أن تصاعد العنف في مالي يرتبط أيضا بتعقيد المشهد الأمني، حيث تنشط جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمات متطرفة في مناطق واسعة، ما يؤدي إلى عمليات عسكرية واسعة النطاق يصعب فيها التمييز بين المقاتلين والمدنيين. ووفق تقارير الأمم المتحدة، فإن هذا الواقع أدى إلى تسجيل مئات حالات القتل خارج القانون خلال عام 2025، في ظل صعوبة التحقق المستقل من جميع الوقائع بسبب القيود الأمنية، وفقا للأمم المتحدة.
تصاعد العنف في سياق نزاع معقد
يأتي هذا التصعيد في ظل استمرار النزاع المسلح في مالي منذ عام 2012، حيث تنشط جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمات متطرفة في مناطق واسعة، ما أدى إلى تعقيد المشهد الأمني وزيادة العمليات العسكرية التي غالبا ما تتم في بيئات غير مستقرة، وفقا للأمم المتحدة.
وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية لعام 2025 إلى أن أكثر من 6 ملايين شخص في مالي بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، فيما تجاوز عدد النازحين داخليا 400 ألف شخص نتيجة النزاع المستمر وانعدام الأمن، وفقا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
تراجع الثقة في العدالة والمؤسسات
تؤدي هذه الانتهاكات، بحسب تقارير منظمات حقوق الإنسان المحلية، إلى تآكل ثقة السكان في مؤسسات الدولة، خاصة في المناطق المتضررة من النزاع، حيث يشعر المدنيون بغياب الحماية وانعدام آليات العدالة الفعالة، وفقا لتقارير المجتمع المدني في مالي.
وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن الإعدام خارج نطاق القضاء يشكل انتهاكا مباشرا للحق في الحياة، وقد يرقى إلى جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية إذا وقع بشكل ممنهج أو واسع النطاق، كما يشدد القانون الدولي الإنساني على ضرورة حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، وفقا لمفوضية الأمم المتحدة.
تعدد الفاعلين وصعوبة المحاسبة
يؤدي تعدد الجماعات المسلحة والقوات النظامية والشركاء العسكريين إلى صعوبة تحديد المسؤولية المباشرة عن الانتهاكات، ما يعرقل جهود المساءلة ويزيد من احتمالات الإفلات من العقاب، وفقا لتقارير الأمم المتحدة حول النزاع في منطقة الساحل.
وتطالب منظمات حقوق الإنسان بضرورة فتح تحقيقات مستقلة في جميع ادعاءات الإعدامات خارج القضاء، مع ضمان محاسبة المسؤولين وتعزيز حماية المدنيين، إضافة إلى دعم آليات العدالة المحلية والدولية، وفقا لمنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش.
في ظل استمرار التقارير عن انتهاكات خطيرة وعمليات قتل خارج القانون، تواجه مالي تحديا مزدوجا يتمثل في مكافحة الجماعات المسلحة من جهة، وضمان احترام حقوق الإنسان من جهة أخرى.
