بعد عام تقريباً على تعهد وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت بإحداث “تحول في سياسة الهجرة”، تبدو الأرقام للوهلة الأولى في مصلحة الحكومة.. طلبات اللجوء الجديدة تراجعت بوضوح، عمليات الترحيل ارتفعت مقارنة بالعام السابق، والقيود على الحدود ولمّ الشمل وبرامج الاستقبال الإنسانية أصبحت أكثر صرامة.
غير أن قراءة أدق للمشهد تكشف أن الانخفاض في أعداد طالبي اللجوء لا يعود بالضرورة إلى الإجراءات الألمانية وحدها، بل إلى عوامل أوسع؛ أبرزها تغير مسارات الهجرة في أوروبا، وتراجع وصول السوريين، وانخفاض طلبات اللجوء على مستوى الاتحاد الأوروبي كله.
فقد جعلت حكومة المستشار فريدريش ميرتس، التي تولت السلطة في مايو 2025، ملف الهجرة أحد محاورها السياسية الأساسية، وبدأ دوبرينت سريعاً بتنفيذ حزمة إجراءات شملت تشديد الرقابة الحدودية، وإعادة طالبي لجوء من الحدود، وتعليق لمّ شمل أسر الحاصلين على الحماية الثانوية، ووقف بعض برامج استقبال الأفغان المعرضين للخطر، وتسريع عمليات الترحيل.
لكن السؤال المركزي بعد عام من هذه السياسة لا يتعلق بما إذا كانت ألمانيا شددت إجراءاتها، فهذا واضح، بل بما إذا كان هذا التشديد هو السبب الحقيقي والرئيسي وراء تراجع أعداد طالبي اللجوء.
حدود أكثر صرامة
في 7 مايو 2025، وبعد يوم واحد من توليه وزارة الداخلية الاتحادية، أصدر دوبرينت تعليمات للشرطة الاتحادية بتشديد إجراءات الرقابة المؤقتة على الحدود، ومنها رفض دخول أشخاص يصرحون برغبتهم في تقديم طلب لجوء عند الحدود الألمانية.
وقد اعتُبر هذا القرار من أكثر إجراءات الحكومة إثارة للجدل؛ لأنه يمس مباشرة قواعد اللجوء الأوروبية ومبدأ عدم إعادة طالبي الحماية دون إجراءات قانونية كافية.
وتفاخر دوبرينت في الأيام الأولى للقرار بارتفاع عدد الأشخاص الذين مُنعوا من دخول ألمانيا، ففي الأسبوع الأول من حكومة ميرتس، قالت وكالة أسوشيتد برس إن عدد المرفوضين على الحدود زاد بنسبة 45%، إذ رُفض دخول 739 شخصاً بين 6 و13 مايو 2025، مقابل 511 في الأسبوع السابق، وكان بين هؤلاء 51 طالب لجوء حاولوا الدخول، رُفض 32 منهم، في حين سُمح بدخول بعض الحالات الضعيفة.
غير أن الأثر العملي لهذه السياسة ظل محدوداً مقارنة بحجم ملف اللجوء العام. فبحسب الأرقام الواردة في النص، أعادت السلطات منذ قرار دوبرينت وحتى نهاية أبريل من العام التالي نحو 1,350 شخصاً ممن استندوا إلى حق اللجوء عند الحدود، في حين سُمح بدخول 289 شخصاً من الفئات الضعيفة، وهذا يعني أن الإعادة من الحدود، رغم رمزيتها السياسية الكبيرة، لا تفسر وحدها الانخفاض الكبير في طلبات اللجوء.
جدل قانوني أوروبي
تواجه سياسة الإعادة من الحدود اعتراضات قانونية، إذ لا ينص القانون الأوروبي بوضوح على إعادة طالب لجوء من الحدود الداخلية لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي لمجرد أنه يطلب الحماية هناك، وقد اعتبرت محاكم إدارية ألمانية هذه الممارسة غير قانونية في بعض الحالات، ما يضع الحكومة أمام اختبار قانوني قد يتصاعد لاحقاً أمام محكمة العدل الأوروبية.
وتحمل هذه السياسة أيضاً بعداً أوروبياً حساساً. فقد أثارت إجراءات ألمانيا توتراً مع جيرانها، خصوصاً بولندا؛ لأن تشديد الحدود الداخلية يضغط على مبدأ حرية الحركة داخل فضاء شنغن.
وذكرت واشنطن بوست أن الخلاف الألماني–البولندي حول الحدود تصاعد في 2025، بعدما ردت بولندا بفرض إجراءات تفتيش مضادة، وسط تحذيرات من أن الإجراءات الأحادية قد تقوض نظام شنغن.
تراجع طلبات اللجوء
الأرقام الرسمية تشير إلى انخفاض واضح في طلبات اللجوء في ألمانيا. ففي عام 2025 سُجل نحو 113,236 طلب لجوء أولياً، مقارنة بـ 229,751 في 2024 و329,120 في 2023، وفق أرقام وزارة الداخلية الألمانية.
وفي الربع الأول من عام 2026 واصل العدد التراجع؛ إذ تشير بيانات منشورة إلى تسجيل نحو 21,617 طلباً أولياً، أي بانخفاض يقارب 39% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
كما تشير بيانات أوروبية إلى أن التراجع ليس ألمانياً فقط. فقد ذكرت يوروستات أن دول الاتحاد الأوروبي تلقت 669,400 طلب لجوء أولي في 2025، بانخفاض 27% عن عام 2024 الذي شهد 912,400 طلب. وهذا يعني أن ألمانيا تتحرك ضمن اتجاه أوروبي أوسع، لا داخل حالة وطنية منعزلة.
ويعزز ذلك رأي القائلين إن انخفاض الأعداد لا يمكن نسبه فقط إلى قرارات الحكومة الألمانية. فالمسارات الأوروبية تغيرت، والضغوط على بعض طرق الهجرة زادت، كما أن تدفقات السوريين الذين شكلوا أكبر مجموعة لجوء في ألمانيا خلال العقد الأخير شهدت تحولاً واضحاً بعد التطورات السياسية والأمنية في سوريا والمنطقة.
العامل السوري الحاسم
يبدو العامل السوري من أهم العناصر التي تفسر تراجع طلبات اللجوء في ألمانيا. فمنذ عام 2015، شكل السوريون واحدة من أكبر مجموعات طالبي اللجوء والحاصلين على الحماية في ألمانيا. ومع أي تغيير في وضع السوريين أو مساراتهم أو إمكانات لمّ شملهم، يتأثر الرقم الإجمالي بشكل مباشر.
وفي يونيو 2025 مرر البرلمان الألماني قانوناً يعلق لمّ شمل أسر الحاصلين على الحماية الثانوية لمدة عامين، ووفق وكالة أسوشيتد برس، صوّت البرلمان بأغلبية 444 صوتاً مقابل 135 لتعليق هذا الحق، ما أوقف قاعدة كانت تسمح بدخول ما يصل إلى 1,000 فرد من عائلات هذه الفئة شهرياً، وتؤثر هذه الخطوة في أكثر من 388 ألف شخص في ألمانيا، كثير منهم من السوريين.
ورغم أن الحكومة ترى في تعليق لمّ الشمل وسيلة لتقليل “حوافز” الهجرة وتخفيف الضغط على البلديات والمدارس والسكن، فإن منظمات حقوقية ومعارضة سياسية اعتبرت القرار ضربة لوحدة الأسرة والاندماج، فاللاجئ الذي يعيش منفصلاً عن أسرته قد يكون أقل قدرة على الاستقرار النفسي والاجتماعي، وأقل قابلية للاندماج السريع في سوق العمل.
برامج استقبال الأفغان
إلى جانب السوريين، أوقفت الحكومة بسرعة برامج استقبال إنسانية مخصصة لأفغان معرضين للخطر، وعند تولي حكومة ميرتس مهامها، كان نحو 2,300 شخص ممن حصلوا على تعهد بالقبول في ألمانيا ينتظرون تأشيرات دخول، بعضهم تمكن لاحقاً من انتزاع التأشيرات عبر القضاء، لكن مئات آخرين تلقوا رفضاً رسمياً.
يمثل هذا التحول رسالة سياسية واضحة.. الحكومة لا تريد فقط ضبط الحدود، بل تريد أيضاً تقليص الالتزامات الإنسانية الطوعية التي لا تأتي عبر نظام اللجوء التقليدي.
وتبرر الحكومة ذلك بالرغبة في تخفيف الضغط على البنية التحتية للاندماج والاستقبال، في حين يرى منتقدون أنه يضرب الثقة في التعهدات الألمانية تجاه أشخاص تعاونوا مع مؤسسات ألمانية أو تعرضوا لخطر بسبب نشاطهم.
ومع ذلك، فإن وقف برامج استقبال الأفغان يظل محدوداً رقمياً مقارنة بانخفاض طلبات اللجوء العامة، وتأثيره أكبر من حيث الدلالة السياسية والإنسانية، لكنه لا يفسر بمفرده التراجع الكبير في أعداد الوافدين.
ترحيلات أكثر وضوحاً
على صعيد الترحيل، ارتفع عدد المرحّلين في 2025 مقارنة بالعام السابق. فقد سجّلت ألمانيا 22,787 عملية ترحيل في 2025 مقابل 20,084 عام 2024، بزيادة تقارب 14%.
وذكرت تقارير أن معظم عمليات الترحيل نُفذت جواً، حيث بلغ عدد المرحّلين عبر الجو 19,897 شخصاً، مقابل 2,813 براً و77 بحراً.
وفي الربع الأول من 2026 سُجل نحو 4,800 عملية ترحيل. وإذا استمر المعدل نفسه على مدار العام، فقد تكون الحصيلة السنوية أقل من 2025، لكن أرقام الترحيل عادة تتقلب حسب اتفاقيات الإعادة، وتعاون دول المنشأ، وتوافر الوثائق، والأحكام القضائية.
كما سعت الحكومة إلى تكثيف عمليات الترحيل إلى أفغانستان، خاصة المدانين بجرائم. ووفق الأرقام الواردة في النص، تم ترحيل 138 شخصاً إلى أفغانستان حتى الآن، في حين لم يتجاوز عدد المرحّلين إلى سوريا 4 أشخاص، وهذا يوضح أن الخطاب السياسي حول الترحيل إلى دول شديدة الخطورة لا يتحول دائماً إلى أرقام كبيرة، بسبب القيود القانونية والعملية.
قواعد أوروبية جديدة
في فبراير 2026 أقر البرلمان الألماني تشريعاً لتنفيذ النظام الأوروبي المشترك للجوء GEAS الذي يُفترض أن تبدأ الدول الأعضاء تطبيقه اعتباراً من الصيف.
ويركز النظام الجديد على إجراءات لجوء على الحدود للأشخاص الذين يُرجح ألا يحصلوا على الحماية، مع تسريع البت في الطلبات وتقليل الحركة داخل الاتحاد.
بالنسبة لألمانيا، لا تلعب إجراءات الحدود الخارجية دوراً كبيراً؛ لأن معظم طالبي اللجوء لا يصلون إليها مباشرة عبر حدود شنغن الخارجية، لذلك ذهبت برلين إلى أبعد من المتطلبات الأوروبية، عبر إتاحة تطبيق إجراءات مشابهة داخل الولايات الألمانية على أشخاص يدخلون عبر حدود داخلية أوروبية، مع إمكانية إنشاء مراكز استقبال ذات حرية تنقل محدودة.
لكن الأثر العملي لهذا الإصلاح لم يتضح بعد؛ لأن التنفيذ سيعتمد على الولايات الألمانية وقدرتها ورغبتها في إنشاء هذه المراكز وتطبيق الإجراءات. كما أن التجربة الأوروبية نفسها ستتوقف على اتفاقات مع دول ثالثة آمنة، وهي قضية شائكة سياسياً وحقوقياً.
سياسة أم سياق؟
المحصلة أن حكومة ميرتس ودوبرينت غيرت بالفعل لهجة وأدوات سياسة الهجرة الألمانية، الحدود صارت أكثر تشدداً، ولمّ الشمل للحماية الثانوية عُلّق، بعض برامج الاستقبال أُوقفت، والترحيلات ارتفعت. لكن نسبة الانخفاض في طلبات اللجوء تبدو أكبر من قدرة هذه الإجراءات وحدها على تفسيرها.
العوامل الخارجية تبدو حاسمة.. انخفاض عام في طلبات اللجوء داخل الاتحاد الأوروبي، تغير مسارات الهجرة، تراجع أعداد السوريين، تشديدات دول عبور أخرى، وتغيرات سياسية في بلدان المنشأ، هذه العوامل سبقت بعض إجراءات دوبرينت أو تزامنت معها، ما يجعل من الصعب القول إن “التحول الألماني” وحده هو الذي أنتج الانخفاض.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أثر الرسائل السياسية، فسياسات الحدود والتشدد في لمّ الشمل والترحيل قد تؤثر في قرارات بعض المهاجرين أو شبكات التهريب، لكنها غالباً تعمل بوصفها عاملاً إضافياً ضمن منظومة أوسع، لا سبباً وحيداً.
