شهدت مدينة فوبرتال الألمانية خطوة غير مسبوقة في مسار تنظيم شؤون المسلمين داخل البلاد، بعدما حصلت على ترخيص رسمي لإنشاء أول مقبرة إسلامية تُدار بالكامل من قبل المسلمين، في تطور وصف بأنه تحول تاريخي يعكس تنامي الاعتراف الرسمي بالمجتمع الإسلامي وخصوصيته الدينية داخل ألمانيا.
ووفقاً لما أورده موقع تاغسشاو الألماني، فإن بلدية مدينة فوبرتال الواقعة بولاية شمال الراين-ويستفاليا منحت رسمياً الموافقة على بناء وتشغيل المقبرة الجديدة التي ستقام في شارع يقع بالقرب من مقبرتين يهودية ومسيحية، في مشهد يعكس التعدد الديني والثقافي الذي تشهده المدينة.
سنوات من التخطيط والتحديات
الموافقة على المشروع جاءت بعد أكثر من 15 عاماً من التخطيط والإجراءات القانونية والإدارية، حيث عملت جمعية تضم عشر جماعات تشرف على مساجد المدينة على متابعة المشروع حتى حصوله على الترخيص النهائي، وتُعد هذه المقبرة الأولى من نوعها في ألمانيا التي تُدار تحت إشراف مؤسسة إسلامية بشكل كامل.
تعديلات قانونية غير مسبوقة
وأشارت السلطات المحلية إلى أن المشروع واجه تحديات قانونية وإدارية معقدة، بسبب خصوصية أحكام الدفن الإسلامية التي تشترط توفير مساحات واسعة للدفن، إلى جانب الدفن في الأكفان بدلاً من التوابيت، وعدم جواز نقل الرفات بعد الدفن، وهي أمور كانت تتعارض مع بعض القوانين المنظمة للمقابر في الولاية.
وأوضح بيان المجلس أن تنفيذ المشروع استلزم إدخال تعديلات على قانون الدفن في ولاية شمال الراين-ويستفاليا، ما يسمح بإنشاء مقابر تُدار وفق الخصوصية الدينية الإسلامية وتحت إشراف مؤسسات إسلامية معترف بها، بعدما كانت إدارة المقابر تقتصر تقليدياً على البلديات أو المؤسسات الدينية الأخرى.
دعم رسمي وتمويل أولي
ومن المقرر أن تضم المقبرة في مرحلتها الأولى نحو ألف قبر، في حين خُصص للمشروع تمويل مبدئي يقترب من مليون يورو، تسهم بلدية المدينة منه بنحو 200 ألف يورو دعماً للمشروع. وبحسب القائمين عليه، فإن المرحلة الأولى لن تشمل مرافق إضافية مثل مغسلة الموتى أو قاعات توديع المتوفين.
تحول في مسار الاعتراف بالمسلمين
من جانبه، أكد سمير بوعيسى، نائب رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا ورئيس مؤسسة المقابر الإسلامية في فوبرتال، أن هذه الخطوة تمثل واحدة من أبرز التحولات المؤسسية في تاريخ الوجود الإسلامي بألمانيا، مشيراً إلى أن المشروع لا يقتصر على إنشاء مكان جديد للدفن، بل يعكس تطوراً في مسار الاعتراف بالمواطنين المسلمين وقدرتهم على إدارة مؤسساتهم ضمن الأطر القانونية والديمقراطية للدولة الألمانية.
وأضاف أن الموافقة على المشروع لا تخص مدينة فوبرتال وحدها، بل تمثل علامة فارقة في تاريخ المسلمين داخل ألمانيا، كما تقدم نموذجاً أوروبياً للتوفيق بين احترام الخصوصية الدينية والاندماج الإيجابي في إطار دولة القانون والمؤسسات.
يُقدَّر عدد المسلمين في ألمانيا بأكثر من خمسة ملايين شخص، يشكل ذوو الأصول التركية النسبة الكبرى منهم، إلى جانب جاليات عربية وآسيوية وإفريقية متعددة، وخلال العقود الماضية، واجه المسلمون تحديات مرتبطة بمراسم الدفن بسبب اختلاف القوانين الألمانية عن التعاليم الإسلامية، ما اضطر آلاف العائلات إلى نقل جثامين ذويهم إلى بلدانهم الأصلية لدفنهم هناك. ومع تزايد أعداد المسلمين المولودين في ألمانيا واستقرار أجيال جديدة داخل المجتمع الألماني، تصاعدت المطالب بإنشاء مقابر إسلامية تراعي الخصوصية الدينية والثقافية، وهو ما دفع عدداً من الولايات الألمانية إلى مراجعة بعض القوانين المرتبطة بالدفن وطقوسه خلال السنوات الأخيرة.
