في تجمع ضم نخبة محامي الدفاع المتخصصين في جرائم الشركات هذا العام، طغى سؤال واحد على النقاشات، وهو: مع تراجع الولايات المتحدة عن دورها بوصفها شرطي العالم في ملاحقة فساد الشركات، من سيتولى المهمة؟.
خلال المؤتمر السنوي لرابطة المحامين الأمريكية في سان دييغو خلال مارس الماضي، ناقش محامون من البرازيل إلى هولندا أداء جهات الادعاء في بلدانهم، وقيّموا كفاءة مؤسسات مكافحة الجرائم المالية. منح ممثلو البرازيل وهولندا مؤسساتهم ثماني درجات من عشرة، في حين حصلت فرنسا على خمس درجات. أما المحامي اللندني نيل سويفت فكان أكثر قسوة حين وصف أداء مكتب مكافحة الاحتيال: “لن أعطيه أكثر من ثلاث درجات… الوضع في بريطانيا محبط للغاية”.
ورغم أن انتقاد جهات الادعاء ليس أمراً غريباً من قبل محامي الدفاع، فإن الحكم القاسي الذي وُجه إلى مكتب مكافحة الاحتيال الخطير البريطاني يعكس أزمة أعمق تضرب المؤسسة التي تواجه اليوم ربما أخطر اختبار منذ تأسيسها عام 1988، في حين تحاول استعادة مصداقيتها وتبرير وجودها في عصر جديد من الجرائم المالية المعقدة.
ويحذر كثير من المحامين من أن سمعة الحي المالي في لندن أصبحت على المحك. وتقول المحامية جيسيكا باركر إن “الشركات الكبرى لم تعد تجد حافزاً للإبلاغ الطوعي عن قضايا الفساد، في ظل سجل الإخفاقات الضعيف للمكتب، ومع تراجع وزارة العدل الأمريكية عن ملاحقة جرائم الشركات”.
المفارقة أن المكتب بدأ العام الحالي وسط آمال كبيرة، بعدما خطط لإطلاق خمس ملاحقات كبرى، منها قضايا ضد مسؤولين سابقين في سلسلة المخابز المنهارة باتيسيري فاليري، ومسؤولين سابقين في شركتي لندن للتعدين و بتروفاك.
لكن الضربات توالت سريعاً. ففي يناير، أعلن مدير المكتب نايك إفغريف تقاعده المفاجئ قبل انتهاء ولايته بخمس سنوات، مبرراً قراره بأسباب شخصية، ثم تبيّن خلال أيام مغادرة ثلاثة مدعين كبار آخرين.
وفي فبراير تأجلت محاكمة قضية “باتيسيري فاليري” لعامين إضافيين، ما يعني أن المتهمين سيمثلون أمام القضاء بعد عقد كامل من بدء التحقيقات. كما انهارت قضية “لندن مايننغ” بسبب إخفاقات تتعلق بكشف الأدلة، الأمر الذي أجبر المكتب على مراجعة عشرين قضية أخرى.
ويصف المحامي جيديون كامرمان كثيراً من القضايا الفاشلة بأنها “أهداف عكسية”، مشيراً إلى أن تعقيد قضايا الاحتيال الكبرى لا يبرر وحده هذا الكم من الإخفاقات.
ورغم أن إيفغريف حظي بإشادات واسعة لتحديث أنظمة المكتب وتسريع فتح القضايا الجديدة، فإنه واجه بدوره انتكاسات مؤلمة، بينها إلغاء إدانات مرتبطة بالتلاعب بمؤشر “ليبور” بسبب أخطاء قضائية.
وفي الخلفية تتصاعد أسئلة أكثر عمقاً حول مستقبل المؤسسة نفسها. فقد كشفت وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود هذا العام عن خطط لإنشاء جهاز شرطة وطني جديد يتولى مكافحة الاحتيال والإرهاب والجريمة المنظمة، ما أثار تساؤلات داخل الأوساط القانونية حول الحاجة إلى استمرار مكتب مكافحة الاحتيال الخطير، إلى جانب النيابة العامة والشرطة المحلية والجهاز الوطني الجديد، في ملاحقة الجرائم ذاتها.
وتقول المحامية كريستين برامسكامب إن الخطة الحكومية لم تتطرق إلى المكتب مطلقاً، مضيفة أن ذلك يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن ما إذا كان الجهاز الجديد سيمهد عملياً لإلغاء المكتب أو ابتلاعه مستقبلاً.
هذه الشكوك ليست جديدة. ففي عام 2014 استدعى السياسي البريطاني المخضرم كين كلارك مدير المكتب آنذاك ديفيد جرين إلى اجتماع خاص، وأبلغه بصراحة أنه “كان يعد المكتب دائماً مؤسسة فاشلة”.
ومنذ تأسيسه، اصطدم النموذج الثوري الذي قام عليه المكتب -والقائم على جمع المدعين والمحققين والمحاسبين الجنائيين تحت سقف واحد- بواقع ملاحقة شخصيات مالية نافذة تمتلك موارد قانونية هائلة.
فالإخفاقات المبكرة، مثل الفشل في إدانة متورطين في التلاعب بأسهم شركة Blue Arrow أو في قضية أموال معاشات Mirror Group، ظلت تلاحق سمعته لعقود.
ويظل تعقيد القضايا وطول مدتها أحد أكبر أزماته؛ إذ يحتاج المكتب في المتوسط إلى أكثر من أربع سنوات للوصول إلى أول نتيجة في أي قضية، سواء بتوجيه اتهامات أو إغلاق الملف أو بدء تسوية. ففي يوليو الماضي، وجّه اتهامات إلى ستة أشخاص في قضية احتيال معاشات بعد ثماني سنوات من بدء التحقيق.
وتقول المحامية إيما إسحاق إن المكتب يتعامل مع “أكثر القضايا تعقيداً”، وهو ما يفرض تحديات استثنائية.
لكن المدعي السابق جون جيبسون يرى أن القضايا التي تتضمن كميات هائلة من البيانات أصبحت “شبه مستحيلة للملاحقة” في ظل قوانين كشف الأدلة التي تلزم الادعاء بتسليم أي مواد قد تفيد الدفاع.
ويضيف ديفيد جرين أن الشركات المستهدفة قادرة على توكيل مئات المحامين من كبرى مكاتب “سيتي أوف لندن”، في حين يجد المكتب نفسه غالباً في مواجهة غير متكافئة من حيث الموارد.
وتزداد المهمة صعوبة مع تضخم حجم البيانات؛ فمتوسط القضية الواحدة داخل المكتب يتضمن نحو خمسة ملايين وثيقة، في حين احتوت أكبر قضية لديه العام الماضي على 48 مليون وثيقة، في وقت تتسارع فيه الجرائم المرتبطة بالتكنولوجيا والعملات المشفرة.
ورغم محاولات الحكومة دعم المكتب عبر تجريم الفشل في منع الرشوة والاحتيال، وإقرار اتفاقات التسوية المؤجلة على الطريقة الأمريكية، فإن النتائج بقيت متذبذبة. فمن بين 19 شخصاً تمت ملاحقتهم نتيجة هذه التسويات، لم يُدن سوى شخص واحد فقط.
عندما تولى إيفغريف إدارة المكتب في سبتمبر 2023، بدا مصمماً على استعادة الهيبة المفقودة. فتح تحقيقين جديدين خلال شهرين فقط، وأشرف على أول مداهمة فجْرية له بسرعة قياسية، ثم أعلن في أول خطاب له عام 2024 أن المكتب “اقتحم أبواباً خلال ثلاثة أشهر أكثر مما فعل في ثلاث سنوات”.
وفي مقابلة أخيرة مع صحيفة فاينانشيال تايمز قال إنه شعر بأن بريطانيا فقدت جزءاً من مكانتها العالمية في مكافحة الفساد، ولذلك ركز على “استعادة موقع الدوري الممتاز” في ملاحقة الرشوة والفساد.
وشهدت الفترة الأخيرة بعض النجاحات، بينها توجيه اتهامات لمسؤولين سابقين في جلينكور، وفتح تحقيق ضد شركة التكنولوجيا الدفاعية الفرنسية Thales، إضافة إلى إدانة رجل الأعمال خوسيه أليخاندرو زامورا يرالا بتهم الاحتيال التجاري.
لكن المنتقدين يرون أن المكتب يركز على “الفرائس السهلة”، ويتجنب الملفات الكبرى المعقدة الخاصة بالشركات البريطانية العملاقة. ويقول المحامي كريستوفر هوسماين دو بولاي إن المكتب بات يتجه نحو قضايا يمكن للشرطة العادية التعامل معها، بدلاً من خوض المعارك الكبرى التي أُنشئ من أجلها.
وبسبب هذا السجل المتعثر، واجه المكتب مراراً تهديدات بالإغلاق. وحاولت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي دمجه ثلاث مرات مع الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة.
ورغم تأكيد الحكومة الحالية عدم وجود خطط فورية للدمج، فإن القلق يتزايد من أن بريطانيا قد تفقد موقعها في ملاحقة الفساد الدولي، خاصة مع تراجع الولايات المتحدة عن هذا الدور خلال عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي منح عفواً لعشرات المدانين في جرائم مالية، وعلّق تطبيق قانون مكافحة الفساد الخارجي الأمريكي لمدة ستة أشهر.
ومع ذلك، فإن أكثر من 60% من القضايا العلنية التي يتولاها المكتب حالياً تتعلق بعمليات احتيال محلية وكيانات غير معروفة نسبياً، وهو ما يدفع منتقديه للتساؤل حول ما إذا كان قد تخلى فعلياً عن دوره الأساسي.
ويختصر المدعي السابق جون غيبسون الأزمة بعبارة لافتة: “على المكتب أن يصطاد النمور، لا أن يطارد الذباب”.
نقلاً عن فاينانشيال تايمز
