ناقش مجلس حقوق الإنسان ضمن أعمال الدورة الثانية والستين، خلال حوار تفاعلي مع المقررة الخاصة المعنية بالاتجار بالأشخاص وخاصة النساء والأطفال سيوبان مولالي، التحديات المتزايدة التي تواجه جهود مكافحة الاتجار بالبشر، خاصة في ظل النزاعات المسلحة والهجرة القسرية وأزمات النزوح وانعدام الجنسية، مع التأكيد على ضرورة وضع حقوق الإنسان في قلب جميع السياسات والإجراءات الرامية إلى مواجهة هذه الظاهرة.
قدّمت سيوبان مولالي تقريرها النهائي بصفتها المقررة الخاصة المعنية بالاتجار بالأشخاص وخاصة النساء والأطفال، مستعرضة أبرز أولويات ولايتها التي امتدت على مدار 6 سنوات، مؤكدة أن مكافحة جميع أشكال الاتجار بالبشر تتطلب معالجة الثغرات المستمرة في الوقاية والحماية والمساءلة، وتعزيز التعاون الدولي والإقليمي لضمان حقوق الضحايا والناجين.
وقالت مولالي، إنها خلال فترة ولايتها حظيت بدعم زملائها في مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، مشيدة بدور مسؤولي حقوق الإنسان الذين تعاونوا معها، ومؤكدة أن خبراتهم ودعمهم كانا عنصرين أساسيين في تعزيز العمل المشترك لحماية ضحايا الاتجار بالبشر.
وأضافت أنها تشعر بالامتنان للتواصل المباشر مع الناجين وضحايا الاتجار بالبشر، موضحة أن مطالبهم بتحقيق العدالة وتجاربهم ورؤيتهم حول سبل تعزيز الوقاية والحماية والمساءلة شكلت أساسا مهما لعملها خلال السنوات الماضية.
فجوات كبيرة في الوقاية
أكدت المقررة الخاصة أن جهود مكافحة الاتجار بالبشر يجب أن تستند إلى حقوق الإنسان، مشيرة إلى استمرار وجود فجوات كبيرة في الوقاية، خاصة في سياقات النزاعات المسلحة والعنف الجنسي والهجرة والنزوح القسري، وكذلك في قطاعات العمل غير المنظمة مثل العمل المنزلي والزراعة ومصائد الأسماك والبناء والضيافة.
وشددت على أن الوصول الفعال إلى العدالة والمساءلة يمثلان محورين أساسيين لمواجهة الاتجار بالبشر، بما في ذلك الاتجار المرتبط بالنزاعات أو الناتج عن ظروف النزوح القسري، مؤكدة أن سيادة القانون واستقلال القضاء والمحامين عناصر ضرورية لضمان محاسبة المتورطين.
وفي سياق أسبوع بناء السلام في الأمم المتحدة، أكدت مولالي ضرورة إدماج منع الاتجار بالبشر وحماية الضحايا بشكل فعال ضمن عمليات حفظ السلام وولايات حماية المدنيين وأجندات المرأة والسلام والأمن.
وأشارت إلى أن أحد الاتجاهات المتزايدة التي ركزت عليها خلال ولايتها هو الاتجار بالأشخاص بهدف الاستغلال في الجرائم القسرية، بما في ذلك استغلال الضحايا في الجرائم الإلكترونية وغيرها من الأنشطة الإجرامية التي تتم تحت الإكراه.
وأكدت أهمية تعزيز التعاون مع المنظمات الإقليمية والدولية، مشيرة إلى العمل مع منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومنطقة الآسيان ومنظمة الدول الأمريكية، إلى جانب التعاون مع آليات حقوق الإنسان الإقليمية في أفريقيا وأوروبا وآسيا والمحيط الهادئ.
مسارات هجرة آمنة
في ما يتعلق بالهجرة، أوضحت مولالي، أن ضمان مسارات هجرة آمنة ومنظمة، وحماية حقوق العمال المهاجرين وأسرهم، يمثل عاملا أساسيا في الحد من مخاطر الاتجار بالبشر، خاصة مع استمرار تعرض الفئات الأكثر ضعفا للاستغلال.
ولفتت إلى أن الاعتبارات المرتبطة بالنوع الاجتماعي لا تزال عاملا رئيسيا في تحديد مخاطر الاتجار، موضحة أن الرجال والفتيان قد لا يتم التعرف عليهم كضحايا، بينما تواجه النساء والفتيات مخاطر أكبر نتيجة التمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
وأشارت إلى المخاطر التي يواجهها أفراد مجتمع الميم بسبب التمييز والعنف والوصم، خاصة في ظروف النزوح القسري والهجرة.
وأكدت أن الأطفال كانوا من أبرز أولويات ولايتها، مشددة على أن الأطفال لا يزالون مهمشين في العديد من القوانين والسياسات والممارسات الدولية المتعلقة بمكافحة الاتجار بالبشر.
وقالت إن الأطفال المهاجرين والنازحين قسريا وعديمي الجنسية يواجهون مخاطر متزايدة نتيجة ضعف الحماية الدولية وغياب مسارات الهجرة الآمنة والتمييز البنيوي، مؤكدة أن هذه المخاطر ليست أمرا حتميا بل نتيجة مباشرة لإخفاقات سياسية وغياب الإرادة الكافية.
وأوضحت أن الأطفال غير المصحوبين أو المنفصلين عن أسرهم يواجهون أخطر الظروف، وأن التنقل عبر الحدود يمثل مرحلة شديدة الخطورة بسبب تعرضهم للاستغلال من قبل شبكات الاتجار والجريمة المنظمة.
قيود على الوصول إلى الحماية
وأكدت أن القيود المفروضة على الوصول إلى الحماية الدولية والتأشيرات الإنسانية ولم شمل الأسر تدفع الأطفال إلى رحلات خطرة، وتزيد من احتمالات وقوعهم ضحايا للاستغلال.
وأعربت عن قلقها من تأثير تغير المناخ والكوارث المرتبطة به على زيادة مخاطر الاتجار بالأطفال، خاصة للأطفال الذين يفقدون إمكانية الوصول إلى التعليم أو ينتقلون من المناطق الريفية إلى المدن أو يعبرون الحدود دون أنظمة حماية كافية.
وأشارت إلى أن الأطفال في مسارات الهجرة المختلطة يتعرضون للاستغلال الجنسي والابتزاز والاحتجاز القسري والجريمة القسرية، إضافة إلى مخاطر العمل القسري والخدمة المنزلية القسرية.
وحذّرت مولالي من التأثير الخطير للتراجع في تمويل العمل الإنساني، مؤكدة أن نقص التمويل يضعف أنظمة الحماية الأساسية ويقوّض جهود منع الاتجار بالأطفال وحماية الضحايا.
وانتقلت إلى قضية انعدام الجنسية، موضحة أن الأطفال يمثلون أكثر من 40% من نحو 4.4 مليون شخص عديمي الجنسية أو غير محددي الجنسية حول العالم.
وأكدت أن التمييز بسبب العرق أو الجنس أو وضع الهجرة، إلى جانب ضعف قوانين الجنسية وتسجيل المواليد، يزيد من تعرض الأطفال لمخاطر الاتجار.
وأشارت إلى أوضاع الأطفال في غزة الذين فقدوا أسرهم في سياق الحرب، محذرة من فجوات الحماية التي قد تنتج عن انعدام الجنسية.
انعدام الجنسية يزيد مخاطر الاتجار بالبشر
تحدثت مولالي عن أطفال الروهينغا، موضحة أن انعدام الجنسية يزيد من حالة عدم الاستقرار ويضاعف مخاطر الاتجار، مشيرة إلى زيارتها لمخيمات اللاجئين في كوكس بازار ببنغلاديش، حيث اطلعت على شهادات حول اختفاء أطفال أثناء محاولات الهجرة البحرية الخطرة، إضافة إلى مخاطر الاختطاف والعنف والاستغلال الجنسي.
وأكدت أن حماية الأطفال تتطلب نهجا قائما على حقوق الإنسان، مشددة على أن احتجاز الأطفال في سياق الهجرة لا يمكن أن يكون في مصلحتهم الفضلى.
وجددت دعوتها إلى احترام مبدأ عدم العقاب، خصوصا للأطفال ضحايا الاتجار، مؤكدة أن مكافحة الإرهاب أو الهجرة غير النظامية لا يجب أن تؤدي إلى انتهاك حقوق الأطفال.
وخلال عرضها تقرير زيارتها إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، أعربت مولالي عن تقديرها لتعاون الحكومة، مشيرة إلى زيارتها كينشاسا ومقاطعات كاتانغا، في ظل استمرار النزاعات خاصة في شرق البلاد بمناطق إيتوري وشمال وجنوب كيفو.
وأعربت عن أسفها لعدم تمكنها من زيارة غوما بعد قرار السلطات المحلية عام 2025، لكنها أوضحت أنها تمكنت من عقد اجتماعات مع المجتمعات المحلية والجهات الإنسانية عبر وسائل التواصل.
وأكدت أن الاتجار المرتبط بالنزاعات يمثل مشكلة متفاقمة بسبب انعدام الأمن والإفلات من العقاب، مشيرة إلى أن ضعف سيادة القانون والفساد والتعدين غير المشروع وعدم المساواة بين الجنسين كلها عوامل تسهم في انتشار الاتجار.
النساء يواجهن مخاطر مرتفعة
وقالت المقررة الخاصة، إن النساء والفتيات في مناطق التعدين يواجهن مخاطر مرتفعة من الاستغلال الجنسي والاستعباد الجنسي، كما أن عمالة الأطفال الخطرة تمثل مصدر قلق كبير.
ودعت الحكومة إلى تعزيز الموارد الموجهة لحماية الضحايا والناجين، ومنع تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات، كما دعت جميع أطراف النزاع إلى وقف الأعمال القتالية ومعالجة الأسباب الجذرية للصراع.
وفي ما يتعلق بتشاد، قالت مولالي إن البلاد تواجه أزمة إنسانية معقدة بسبب النزوح القسري والنزاعات الإقليمية وتغير المناخ وضعف الخدمات الاجتماعية.
وأشادت باستقبال تشاد للاجئين، موضحة أنها تستضيف حاليا أكثر من 1.3 مليون لاجئ سوداني، معظمهم من النساء والأطفال، إلى جانب لاجئين من دول أخرى.
وأكدت مولالي، أن نقص التمويل الإنساني أدى إلى زيادة الضغط على الخدمات الأساسية ورفع مخاطر الاتجار بالبشر.
وأعربت عن قلقها من ضعف الاعتراف بالاتجار بالأطفال بغرض الاستغلال الجنسي، داعية إلى اتخاذ خطوات عاجلة لمواجهة الإفلات من العقاب وتعزيز حماية الضحايا.
مخاطر مرتبطة بانعدام الجنسية
أكد ممثل جمهورية تشاد خلال الحوار أن بلاده تواجه مخاطر متزايدة مرتبطة بانعدام الجنسية وارتفاع تعرض الأطفال للاتجار بالبشر بمختلف أشكاله، مشيرا إلى أن الأطفال من بين أكثر الفئات ضعفا ويحتاجون إلى حماية أكبر من المجتمع الدولي.
وأوضح أن الوضع الأمني في البلاد لا يزال يشكل تحديا، وأن تشاد أصبحت من أكبر الدول المستقبلة للاجئين في إفريقيا، خاصة منذ اندلاع النزاع في السودان، حيث استقبلت ملايين اللاجئين السودانيين بينهم أعداد كبيرة من النساء والأطفال.
وقال إن هذا الوضع فرض ضغوطا كبيرة على الأنظمة الصحية والتعليمية وأنظمة الحماية، مؤكدا أن بلاده رغم هذه التحديات تواصل احترام التزاماتها الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وحماية اللاجئين.
وأشار إلى أن الحكومة تبنت إصلاحات لتعزيز الوقاية من الاتجار بالبشر، وإنشاء آليات تنسيق بين المؤسسات المختلفة، واعتماد خطة عمل وطنية لمكافحة الاتجار بالبشر حتى عام 2027.
أهمية تسجيل المواليد
وأكد ممثل جمهورية تشاد أهمية تسجيل المواليد ومنع انعدام الجنسية، مشيرا إلى استمرار جهود تقريب خدمات السجل المدني من السكان خاصة في المناطق التي تستضيف اللاجئين.
واختتم بالتأكيد على التزام تشاد بمواصلة التعاون مع المقررين الخاصين والآليات الدولية، وتعزيز حماية الأطفال ومكافحة جميع أشكال الاتجار بالبشر.
وفي ختام الجلسة أغلقت قائمة المتحدثين، ودُعيت الوفود الراغبة في طرح أسئلة وتقديم تعليقات على تقرير المقررة الخاصة للمشاركة في الحوار التفاعلي.
