كشفت دراسة حديثة عن تحديات متزايدة يواجهها اللاجئون في ألمانيا عند محاولتهم الحصول على الرعاية الصحية، خاصة خلال السنوات الأولى من وصولهم إلى البلاد، في وقت حذّرت فيه مؤسسات بحثية وخبراء من أن استمرار هذه العقبات قد يؤدي إلى تدهور الأوضاع الصحية والإنسانية لآلاف اللاجئين، فضلاً عن زيادة الضغوط على النظام الصحي الألماني مستقبلاً.
وأظهرت دراسة صادرة عن المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية، ونشرتها وسائل إعلام ألمانية بينها شبكة “دويتشه فيله”، أن اللاجئين في ألمانيا يواجهون صعوبات كبيرة في الوصول إلى الخدمات الصحية، نتيجة طول فترات الانتظار وارتفاع التكاليف المالية وبعد المسافات، إضافة إلى تعقيدات النظام الصحي وعدم وضوح آليات الاستفادة من الخدمات الطبية المتاحة.
واعتمدت الدراسة على استطلاع موسّع شمل لاجئين وصلوا إلى ألمانيا بين عامي 2013 و2022، حيث أجريت مقابلات مع 6197 لاجئاً خلال عام 2023، إضافة إلى 4992 شخصاً خلال عام 2024، بهدف تقييم أوضاعهم الصحية ومدى قدرتهم على الوصول إلى الرعاية الطبية.
عقبات متزايدة أمام العلاج
وبحسب نتائج الدراسة، فإن عدداً كبيراً من اللاجئين يواجهون صعوبات في الحصول على مواعيد طبية، خاصة لدى الأطباء المختصين، حيث بلغ متوسط فترة الانتظار للحصول على موعد 42 يوماً، مقارنة بـ33 يوماً فقط في عام 2019، ما يعكس تصاعد الضغوط على القطاع الصحي الألماني خلال السنوات الأخيرة.
وأشارت الدراسة إلى أن الوصول إلى أطباء الأسرة يبقى أسهل نسبياً، إلا أن العقبات تتضاعف عندما يتعلق الأمر بالعلاج التخصصي أو الرعاية النفسية أو الفحوصات الدقيقة، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على سرعة التشخيص وتلقي العلاج المناسب.
كما أفاد نحو 33.1 بالمئة من المشاركين بأنهم يجدون صعوبة كبيرة في معرفة الجهة الطبية المناسبة التي يمكن اللجوء إليها عند الحاجة إلى مساعدة صحية متخصصة، في ظل تعقيد الإجراءات الإدارية واختلاف آليات تقديم الخدمات بين الولايات الألمانية.
تكاليف مرتفعة وبعد المسافات
وأوضحت الدراسة أن الأعباء المالية تمثل إحدى أبرز العقبات أمام اللاجئين، حيث يشكل ارتفاع تكاليف التنقل والمواصلات عائقاً إضافياً، خاصة بالنسبة للمقيمين في المناطق الريفية أو مراكز الإيواء الجماعية البعيدة عن المدن الكبرى.
وأكد نحو 14 بالمئة من اللاجئين غير الأوكرانيين الذين وصلوا إلى ألمانيا بعد عام 2021 أن بعد المسافة عن المراكز الصحية يؤخر حصولهم على العلاج، خصوصاً في المناطق التي تعاني من ضعف خدمات النقل العام.
كما أشار نحو 40 بالمئة من اللاجئين القادمين من أوكرانيا إلى أنهم واجهوا فترات انتظار طويلة للحصول على العلاج، رغم حصولهم على امتيازات صحية أوسع مقارنة بفئات أخرى من طالبي اللجوء.
ويرى خبراء أن هذه التحديات لا تؤثر فقط على الحالة الصحية للاجئين، بل تمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية، خاصة مع شعور كثير من اللاجئين بالعزلة وعدم القدرة على فهم النظام الصحي الجديد.
تداعيات صحية واقتصادية
وقالت الباحثة لويزه بيدله، المعدة الرئيسية للدراسة، إن تأخر حصول اللاجئين على العلاج خلال السنوات الأولى من إقامتهم يؤدي إلى تدهور حالتهم الصحية بمرور الوقت، الأمر الذي يرفع لاحقاً من تكاليف الرعاية الصحية داخل النظام الألماني.
وأضافت أن كثيراً من الحالات التي يمكن علاجها مبكراً تتحول إلى أمراض مزمنة أو معقدة بسبب التأخير في الوصول إلى الأطباء والخدمات الصحية، ما يشكل عبئاً إضافياً على المستشفيات ومؤسسات الرعاية الصحية.
كما حذّرت الدراسة من أن ضعف الوصول إلى الرعاية النفسية يمثل تحدياً خطيراً، خصوصاً بالنسبة للاجئين الذين عايشوا الحروب أو النزاعات أو التعذيب، ويحتاجون إلى دعم نفسي مستمر يساعدهم على الاندماج والاستقرار.
قيود قانونية على الرعاية الصحية
ويخضع طالبو اللجوء في ألمانيا خلال المرحلة الأولى من إقامتهم لقانون استحقاقات طالبي اللجوء، وهو قانون يفرض قيوداً على نطاق الخدمات الصحية المتاحة لهم، بحيث تقتصر بشكل أساسي على الحالات الطارئة وعلاج الألم والفحوصات الوقائية الأساسية ورعاية الحمل والتطعيمات.
أما الحصول على علاجات إضافية أو رعاية متخصصة، فيتطلب موافقات وإجراءات إدارية قد تستغرق وقتاً طويلاً، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تأخير العلاج أو عدم الحصول عليه بشكل كامل.
وفي المقابل، يتمتع اللاجئون القادمون من أوكرانيا حالياً بإمكانية الوصول إلى خدمات صحية مشابهة لتلك الممنوحة للمقيمين بشكل قانوني في ألمانيا، إلا أن الحكومة الألمانية كانت قد أعلنت في نوفمبر الماضي نيتها إعادة فرض بعض القيود الصحية على الوافدين الجدد بعد الأول من أبريل 2025، وهو قرار لم يناقشه البرلمان الألماني حتى الآن.
تحديات الاندماج الصحي
وتؤكد منظمات حقوقية وإنسانية أن تعقيد النظام الصحي الألماني يمثل عقبة حقيقية أمام كثير من المهاجرين وطالبي اللجوء، خاصة أولئك الذين لا يتقنون اللغة الألمانية أو يفتقرون إلى المعرفة بالإجراءات الإدارية المعمول بها داخل البلاد.
كما تواجه بعض الفئات صعوبات إضافية تتعلق بالحصول على مترجمين أو معلومات واضحة حول حقوقهم الصحية، ما يؤدي إلى تردد بعض اللاجئين في طلب المساعدة الطبية أو تأجيل العلاج لفترات طويلة.
وترى منظمات معنية بشؤون اللاجئين أن تحسين الوصول إلى المعلومات الصحية وتبسيط الإجراءات الإدارية وتوفير خدمات الترجمة يمكن أن يسهم بشكل كبير في تقليل العقبات التي تواجه اللاجئين داخل النظام الصحي الألماني.
ضغوط على النظام الصحي الألماني
وتأتي هذه التحديات في وقت يواجه فيه النظام الصحي في ألمانيا ضغوطاً متزايدة نتيجة نقص الكوادر الطبية وارتفاع أعداد المرضى وطول فترات الانتظار حتى للمواطنين الألمان أنفسهم.
وتشير تقارير صحية ألمانية إلى أن بعض المناطق، خاصة الريفية، تعاني من نقص حاد في الأطباء المتخصصين، الأمر الذي يفاقم من صعوبة حصول اللاجئين والمقيمين على الرعاية الطبية في الوقت المناسب.
أزمة الرعاية الصحية للاجئين لا يمكن فصلها عن التحديات البنيوية التي يواجهها القطاع الصحي الألماني ككل، والتي تشمل نقص العاملين وارتفاع التكاليف وزيادة الطلب على الخدمات الصحية.
سياسة إنسانية
تُعد ألمانيا واحدة من أكبر الدول المستقبلة للاجئين في أوروبا خلال العقد الأخير، خاصة بعد موجات اللجوء المرتبطة بالحرب السورية ثم الحرب في أوكرانيا، وقد استقبلت البلاد ملايين اللاجئين وطالبي اللجوء، ما فرض تحديات كبيرة على قطاعات الإسكان والتعليم والرعاية الصحية.
وبموجب القانون الدولي واتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين، تلتزم الدول بضمان الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية للاجئين وطالبي اللجوء دون تمييز، كما تؤكد المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان على أن الحق في الصحة يمثل حقاً أساسياً يجب ضمانه لجميع الأفراد بغض النظر عن وضعهم القانوني أو الاجتماعي.
وفي ظل استمرار تدفق اللاجئين إلى أوروبا، تتزايد الدعوات داخل ألمانيا لإجراء إصلاحات تضمن وصولاً أكثر عدالة وسرعة إلى الخدمات الصحية، بما يحقق التوازن بين حماية حقوق اللاجئين والحفاظ على استقرار النظام الصحي الألماني.
