لم يعد الاعتراف بتراث المنحدرين من أصل إفريقي يقتصر على الاحتفاء بذاكرة ثقافية عبرت القارات، بعدما أصبح جزءاً من مسار حقوقي أوسع يتناول آثار العبودية والاستعمار والتمييز، ويبحث في سبل تحقيق المساواة والعدالة والاعتراف بالحقوق.
ويأتي اليوم الدولي للمنحدرين من أصل إفريقي الذي يوافق 31 أغسطس من كل عام في 2026 ضمن مرحلة جديدة من هذا المسار، تحت شعار “توسيع نطاق تمتع المنحدرين من أصل إفريقي بحقوق الإنسان”، بعدما أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة العقد الدولي الثاني للمنحدرين من أصل إفريقي للفترة من 2025 إلى 2034، تحت عنوان “الاعتراف والعدالة والتنمية”.
وبحسب الأمم المتحدة، يستهدف العقد تعزيز الاعتراف بحقوق المنحدرين من أصل إفريقي وإسهاماتهم، ومكافحة العنصرية والتمييز العنصري، ودعم الجهود الرامية إلى تحقيق المساواة في مختلف المجالات.
اعتراف يتجاوز الذاكرة
أكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في رسالته بمناسبة اليوم الدولي للمنحدرين من أصل إفريقي لعام 2026، أن المنحدرين من أصل إفريقي قدموا إسهامات كبيرة في السياسة والحكم والعلوم والفنون والثقافة والابتكار والرياضة والأعمال، مشدداً على ضرورة ضمان تمتعهم الكامل بحقوق الإنسان والمساواة والفرص.
وأشار غوتيريش إلى أن آثار الاستعمار والعبودية لا تزال محسوسة حتى اليوم، موضحاً أن التفكير القائم على التفوق العرقي ما زال يظهر في العنصرية البنيوية وعدم المساواة وخطاب الكراهية والفجوة الرقمية.
وحذر الأمين العام من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في نشر خطاب الكراهية والروايات التي تنزع الإنسانية عن الآخرين، كما أشار إلى إمكانية انتقال التحيز العنصري إلى الخوارزميات.
ويضع ذلك قضية المنحدرين من أصل إفريقي أمام تحديين متوازيين؛ أولهما يرتبط بموروث تاريخي من العبودية والاستعمار والتمييز، في حين يتعلق الثاني بأشكال جديدة من التحيز يمكن أن تظهر داخل المجال الرقمي.
العدالة التعويضية
اتسع النقاش الدولي خلال السنوات الأخيرة من الاعتراف بتاريخ العبودية والاستعمار إلى البحث في سبل معالجة آثارهما، في محاولة للانتقال من استعادة الذاكرة إلى وضع مسارات عملية للعدالة.
وخلال الدورة الخامسة للمنتدى الدائم المعني بالمنحدرين من أصل إفريقي التي عقدت في جنيف في أبريل 2026، ناقش المشاركون قضايا العدالة والكرامة والحقوق، في إطار تنفيذ أهداف العقد الدولي الثاني للمنحدرين من أصل إفريقي.
ووفقاً لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، شكلت “العدالة التعويضية” أحد المحاور المهمة في أعمال المنتدى، إلى جانب قضايا الاعتراف والعدالة والتنمية، في ظل استمرار النقاش حول كيفية معالجة الآثار الممتدة للعبودية والاستعمار وتجارة الأفارقة المستعبدين.
وجاءت الدورة في العام نفسه الذي تحل فيه الذكرى الخامسة والعشرون لاعتماد إعلان وبرنامج عمل ديربان الذي أصبح أحد المراجع الدولية الأساسية في مكافحة العنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب وما يتصل بذلك من تعصب.
ولم يعد النقاش حول العدالة التعويضية مقتصراً على الجانب المالي؛ إذ امتد إلى قضايا الاعتراف التاريخي، واستعادة التراث والممتلكات الثقافية، وضمان عدم استمرار آثار أنظمة التمييز القديمة في الحاضر.
بنين.. طريق قانوني إلى الجذور
قدمت دولة بنين خلال العامين الأخيرين نموذجاً عملياً لإعادة بناء الصلة بين القارة وأبناء الشتات الإفريقي، من خلال فتح مسار قانوني أمام المنحدرين من أصل إفريقي لإثبات صلتهم التاريخية بالبلاد.
فقد أصدرت بنين القانون رقم 2024-31 في 2 سبتمبر 2024، بشأن الاعتراف بالجنسية البنينية للمنحدرين من أصل إفريقي، قبل أن يصدر في يوليو 2025 القانون رقم 2025-11 المعدل له.
وأطلقت الحكومة البنينية في يوليو 2025 منصة “My Afro Origins” لتلقي طلبات الاعتراف بالجنسية من المنحدرين من أصل إفريقي حول العالم.
وأوضحت الحكومة أن المبادرة تستهدف الأشخاص المنحدرين من إفريقيا جنوب الصحراء الذين يستطيعون إثبات أن أحد أسلافهم كان ضحية للترحيل في سياق تجارة الرقيق، ما يتيح لهم التقدم للحصول على الاعتراف بالجنسية البنينية، وفق الشروط التي حددها القانون.
ولم تتوقف المبادرة عند إطلاق المنصة؛ إذ واصلت الحكومة البنينية تنفيذها خلال 2026، كما أعلنت إنشاء وكالة مخصصة لمساعدة عودة المنحدرين من أصل إفريقي ومرافقتهم في الإجراءات المرتبطة بالمبادرة.
وتقدم التجربة البنينية أحد النماذج العملية لفكرة “الاعتراف” التي يتضمنها عنوان العقد الدولي الثاني، بعدما انتقلت من مجرد استعادة الذاكرة التاريخية إلى مسار قانوني يعيد فتح الصلة بين القارة وأبناء الشتات.
جسور إفريقية في الثقافة العربية
يحمل العالم العربي بدوره جانباً من ذاكرة هذا الشتات، عبر تجارب ثقافية تشكلت على مدى قرون من التواصل بين شمال إفريقيا ومناطق إفريقيا جنوب الصحراء.
وتبرز موسيقى كَناوة في المغرب باعتبارها أحد النماذج الواضحة لهذا الامتداد الثقافي، بعدما حافظت على عناصر موسيقية وطقوسية تعكس تاريخ جماعات وأفراد تعود أصولهم إلى العبودية وتجارة الرقيق.
فقد أدرجت اليونسكو “كَناوة” عام 2019 في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، وتشمل مجموعة من الممارسات الموسيقية والعروض والطقوس الأخوية والعلاجية التي تجمع بين الجوانب الدنيوية والمقدسة.
وأوضحت اليونسكو أن هذا التراث ارتبط تاريخياً بجماعات وأفراد تعود أصولهم إلى العبودية وتجارة الرقيق، قبل أن تصبح ثقافة كَناوة اليوم جزءاً من الثقافة والهوية المتعددة للمغرب.
وتضم الممارسات المرتبطة بهذا التراث موسيقى تعتمد على آلات من بينها “السنتير” و”القراقب”، إلى جانب طقوس وعروض تنتقل بين الأجيال.
وتوضح اليونسكو أن موسيقى كَناوة لم تبقَ محصورة في سياقها التاريخي، وإنما أصبحت ممارسة ثقافية حية تؤدى في المدن والقرى المغربية، وتحولت إلى مصدر إلهام لفنانين من داخل المغرب وخارجه.
وتكشف كَناوة بذلك جانباً من قصة أوسع للمنحدرين من أصل إفريقي؛ إذ لم تختفِ عناصر التراث التي انتقلت مع البشر عبر القارات، وإنما استمرت داخل المجتمعات، وأعيد تشكيلها لتصبح جزءاً من ثقافاتها الحية.
العالم الرقمي.. تحيز قديم بأدوات جديدة
يفتح التطور التكنولوجي فصلاً جديداً في قضية المساواة وعدم التمييز، وكان الأمين العام للأمم المتحدة قد حذر من أن التحيز العنصري يمكن أن يجد طريقه إلى الخوارزميات، بالتوازي مع المخاطر التي يمثلها انتشار خطاب الكراهية عبر المنصات الرقمية.
ويضيف ذلك بُعداً جديداً إلى قضية المنحدرين من أصل إفريقي؛ إذ لم تعد مواجهة التمييز مرتبطة فقط بالتشريعات والسياسات العامة، وإنما باتت تشمل أيضاً الفضاء الرقمي والتقنيات التي تتزايد أهميتها في الحياة اليومية.
ويعني ذلك أن حماية الحق في المساواة وعدم التمييز تفرض أيضاً التأكد من ألا تعيد الأدوات التكنولوجية إنتاج تحيزات قديمة في أشكال جديدة، أو تحول الفضاء الرقمي إلى بيئة تعيد تكريس صور الإقصاء والتمييز.
يوم للتراث والحقوق
لا تختزل الأمم المتحدة اليوم الدولي للمنحدرين من أصل إفريقي في استعادة المظالم التاريخية، وإنما تجعله مناسبة للاعتراف بإسهامات المنحدرين من أصل إفريقي في مجالات السياسة والعلوم والفنون والثقافة والرياضة والاقتصاد وغيرها.
ويأتي العقد الدولي الثاني ليضع هذه الإسهامات داخل إطار أوسع يجمع بين الاعتراف والعدالة والتنمية؛ اعتراف بتاريخ وتراث وإسهامات المنحدرين من أصل إفريقي، وعدالة تتعامل مع آثار الماضي والحاضر، وتنمية تضمن المساواة في الفرص.
وبين ثقافة كَناوة التي أصبحت جزءاً من التراث الثقافي غير المادي للإنسانية، ومسار “My Afro Origins” الذي تعيد من خلاله بنين بناء صلة قانونية مع أبناء الشتات، والنقاش الأممي حول العدالة التعويضية، تتشكل صورة أوسع لقضية تجاوزت حدود القارة منذ قرون.
وفي 31 أغسطس، لا يصبح الاحتفاء بتراث المنحدرين من أصل إفريقي احتفالاً بالماضي وحده، بل تذكير بأن الاعتراف الحقيقي لا يكتمل إلا عندما يتحول التراث والذاكرة والتاريخ إلى مساواة في الحقوق والكرامة والفرص.
