طالبت دول عدة جزر سليمان بالمضي قدماً في تعزيز منظومة حقوق الإنسان، وفي مقدمة التوصيات التي قدمت خلال الاستعراض الدوري الشامل أمام مجلس حقوق الإنسان، دعت إلى التصديق على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والانضمام إلى عدد من البروتوكولات والاتفاقيات الدولية الأساسية في مجال حقوق الإنسان، وتعزيز التعاون مع آليات الأمم المتحدة، إلى جانب الإسراع في إنشاء مؤسسة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان وفقاً للمعايير الدولية.
وشملت التوصيات التصديق على اتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، ومواصلة الانضمام إلى الصكوك الدولية التي لم تصدق عليها جزر سليمان بعد.
وضمن فعاليات الدورة الـ63 لمجلس حقوق الإنسان التي تعقد في جنيف خلال الفترة من 7 سبتمبر إلى 7 أكتوبر 2026، يناقش المجلس تقرير الاستعراض الدوري الشامل الخاص بجزر سليمان، في إطار البند السادس من جدول الأعمال المخصص للاستعراض الدوري الشامل، وذلك بعد أن نظر الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل في حالة حقوق الإنسان في البلاد خلال دورته الثانية والخمسين التي عقدت في الفترة من 4 إلى 15 مايو 2026، واعتمد التقرير المتعلق بجزر سليمان في 15 مايو من العام نفسه.
ويقدم التقرير صورة شاملة عن واقع حقوق الإنسان في جزر سليمان، من خلال استعراض ما أحرزته الدولة من تقدم منذ الاستعراض السابق، وما اتخذته من إجراءات تشريعية ومؤسسية، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق التنفيذ الكامل لالتزاماتها الدولية.
وتبرز في التقرير ملفات حقوق المرأة والطفل والأشخاص ذوي الإعاقة، والتعليم والصحة، ومكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، إضافة إلى تغير المناخ والفقر والتنمية المستدامة والحوكمة ومكافحة الفساد.
إصلاحات قانونية ومؤسسات حقوقية
وأوضحت جزر سليمان خلال جلسة الحوار أن تقريرها الوطني أُعد من خلال عملية تشاورية وطنية شارك فيها أصحاب المصلحة، مؤكدة أن حقوق الإنسان مكفولة بموجب الدستور والتشريعات الوطنية، وأنها تعمل على مواءمة القوانين المحلية مع المعايير الدولية.
وأشارت إلى إصلاحات تشريعية مخطط لها، منها مشروع قانون للعدالة الخاصة بالأحداث يحل محل قانون الأحداث الحالي، إلى جانب تعديلات تستهدف تعزيز حماية الطفل وتقوية الضمانات القضائية للفئات الأكثر ضعفاً.
وأكد الوفد أن البلاد تواجه تحديات مرتبطة بقدراتها باعتبارها من أقل البلدان نمواً، وهو ما يؤثر في سرعة تنفيذ الالتزامات الدولية، داعياً إلى مزيد من الدعم الدولي والموارد اللازمة لتنفيذ المعاهدات والبرامج المتعلقة بحقوق الإنسان.
وربطت جزر سليمان بين حقوق الإنسان والتنمية، مؤكدة أن خروجها المرتقب من تصنيف أقل البلدان نمواً في عام 2027 يتطلب تعزيز التحول الاقتصادي، وتطوير البنية الأساسية، وتنمية رأس المال البشري، والحفاظ على الوحدة والاستقرار الوطنيين.
تغير المناخ.. تهديد مباشر للحقوق
ويحتل تغير المناخ موقعاً محورياً في التقرير، باعتباره أحد أكبر التحديات التي تواجه جزر سليمان، ليس فقط من الناحية البيئية والاقتصادية، ولكن أيضاً بسبب تأثيره المباشر في حقوق الإنسان.
وأكد الوفد أن ارتفاع مستوى المخاطر المناخية يهدد الأمن الغذائي والموارد المائية وبقاء المجتمعات المحلية في المناطق المنخفضة، داعياً إلى تعزيز العمل المناخي على المستوى الدولي إلى جانب الإجراءات الوطنية للتخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معها.
وخلال الحوار، أشادت دول عدة بالجهود التي تبذلها جزر سليمان في مجال التكيف مع تغير المناخ والاستعداد للكوارث، لكنها شددت في الوقت نفسه على الحاجة إلى تعزيز القدرات الوطنية والحصول على الدعم الفني والمالي الدولي.
وأشارت توصيات مختلفة إلى ضرورة إدماج مخاطر المناخ والكوارث في التخطيط الوطني، وتعزيز المؤسسات المسؤولة عن إدارة الكوارث، وحماية المجتمعات الأكثر تعرضاً للمخاطر.
كما عرض الوفد الإجراءات التي اتخذتها البلاد لحماية البيئة والإدارة المستدامة للغابات، ومنها التشريعات والسياسات المتعلقة بإعادة التحريج والتصنيع، ومبادرات تداول حقوق انبعاثات الكربون، فضلاً عن تنظيم قطاع مصايد الأسماك، وحماية التنوع البيولوجي، وتعزيز آليات الرصد والامتثال.
المرأة.. تقدم تشريعي وتحديات مستمرة
وكانت حقوق المرأة ومكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي من أكثر الملفات حضوراً في الاستعراض.
وأقرت جزر سليمان بأن العنف القائم على النوع الاجتماعي لا يزال يمثل تحدياً، لكنها أشارت إلى مجموعة من الإجراءات التي اتخذتها لمواجهته، وفي مقدمتها قانون حماية الأسرة والسياسات الوطنية الخاصة بمكافحة العنف ضد النساء والفتيات.
كما سلط الوفد الضوء على الجهود الرامية إلى رفع الحد الأدنى لسن الزواج ليتماشى مع المعايير الدولية، وتعزيز مشاركة المرأة في المناصب القيادية من خلال تدابير خاصة ومبادرات للعمل الإيجابي، إلى جانب زيادة تمثيل النساء في الحياة السياسية.
وطالبت دول أخرى بتعزيز هذه الجهود، داعية إلى اعتماد قانون شامل بشأن العنف القائم على النوع الاجتماعي يجرّم جميع أشكاله، وتوفير ملاجئ وخدمات صحية ونفسية وقانونية للضحايا، خصوصاً في المناطق الريفية، وتحسين وصول النساء إلى العدالة والمساعدة القانونية، مع تدريب القضاة وأعضاء النيابة وأجهزة إنفاذ القانون على التعامل مع قضايا العنف من منظور يراعي النوع الاجتماعي.
وتضمنت التوصيات كذلك تكثيف حملات التوعية المجتمعية، وتوفير آليات آمنة للإبلاغ عن العنف، وتعزيز تنفيذ التشريعات القائمة، إلى جانب التصدي للممارسات الضارة والتمييز ضد النساء والفتيات.
كما دعت بعض الدول إلى مواصلة الجهود لزيادة تمثيل المرأة في الحياة السياسية، وتوسيع خدمات الدعم والمأوى للناجيات من العنف.
الأطفال.. حماية قانونية وإصلاحات منتظرة
واحتل الأطفال مساحة مهمة من التوصيات، خاصة فيما يتعلق بتطوير الإطار القانوني لحمايتهم.
وأكدت جزر سليمان أنها تعمل على تعزيز حماية الطفل من خلال قانون رعاية الطفل والأسرة لعام 2017، والسياسة الوطنية للطفل للفترة 2023-2028، إلى جانب إصلاحات تشريعية تستهدف تقوية آليات قضاء الأحداث بما يتماشى مع المعايير الدولية.
وأشادت دول عدة بالتقدم الذي أحرزته البلاد في حماية حقوق الطفل، لكنها دعت إلى تسريع الإصلاحات القانونية، ورفع الحد الأدنى لسن الزواج إلى 18 عاماً، وتحسين تسجيل المواليد، وضمان حصول الأطفال في المناطق النائية على التعليم والخدمات الأساسية، فضلاً عن مواءمة القوانين والسياسات الوطنية مع المعايير الدولية الخاصة بحقوق الطفل.
كما ركزت التوصيات على التعليم الشامل للأطفال ذوي الإعاقة، وضمان حصولهم على فرص تعليمية متساوية، وخاصة في المناطق الريفية والنائية، إلى جانب اعتماد قوانين تجرّم التمييز ضد الأشخاص ذوي الإعاقة، وضمان توافر سبل الوصول المادي إلى المؤسسات والخدمات العامة.
الأشخاص ذوو الإعاقة.. خطوات مطلوبة نحو الإدماج
وأشادت دول عدة بتصديق جزر سليمان على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في يونيو 2023، واعتبرت ذلك خطوة مهمة على طريق تعزيز المساواة والإدماج.
كما أشير إلى اعتماد السياسة الوطنية للتنمية الشاملة للأشخاص ذوي الإعاقة للفترة 2023-2031.
لكن التوصيات دعت إلى ترجمة الالتزامات الدولية إلى إجراءات عملية، عبر اعتماد إطار قانوني شامل لتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وحمايتها، وتحسين ظروف عملهم، وضمان حصولهم على التعليم والخدمات الأساسية دون تمييز.
التعليم والصحة.. تقدم في الإتاحة مع استمرار التحديات
وأشارت الدول المشاركة في الاستعراض إلى الخطوات التي اتخذتها جزر سليمان لتعزيز الحق في التعليم، ومنها اعتماد قانون التعليم لعام 2023 ولوائح التعليم لعام 2024، وهما خطوتان تستهدفان تعزيز إتاحة التعليم الأساسي للجميع وتكريس التعليم الإلزامي.
كما أشير إلى تحقيق تقارب كبير بين معدلات التحاق الذكور والإناث بالمدارس من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية العليا.
وأكدت جزر سليمان بدورها التزامها بإعمال الحق في التعليم وإتاحته لجميع الأطفال، مع التركيز على الأطفال ذوي الإعاقة والمراهقين والفئات التي تواجه صعوبات في الوصول إلى الخدمات التعليمية.
وفي قطاع الصحة، أوضح الوفد أن الدولة تعمل على تحسين إتاحة خدمات الرعاية الصحية، وأن إنشاء مرافق صحية جديدة بدعم من شركاء التنمية أسهم في تحسين الوصول إلى الخدمات، مع استمرار الاستثمار في الصحة، خاصة في المناطق الريفية.
كما أشار إلى تقديم الرعاية الصحية مجاناً إلى حد كبير، لكنه أكد في الوقت نفسه الحاجة إلى دعم إضافي في مجالات التدريب الطبي والتكيف مع تغير المناخ والتنمية.
العدالة والحوكمة ومكافحة الفساد
ودعت التوصيات إلى تعزيز مؤسسات حقوق الإنسان والحكم الرشيد والشفافية والمساءلة.
وأكدت جزر سليمان أنها اتخذت خطوات في مجال مكافحة الفساد، منها دعم لجنة مكافحة الفساد المستقلة، كما تدرس إنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان، إما من خلال توسيع صلاحيات المؤسسات القائمة أو إنشاء هيئة مستقلة جديدة.
وتبرز مسألة إنشاء مؤسسة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان باعتبارها واحدة من أهم المطالب التي تكررت خلال الاستعراض؛ إذ رأت دول عدة أن وجود مؤسسة مستقلة وفقاً لمبادئ باريس يمكن أن يعزز الرقابة الوطنية على حالة حقوق الإنسان، ويرفع قدرة الدولة على متابعة تنفيذ التزاماتها الدولية.
كما تناولت التوصيات الحاجة إلى تحسين وصول النساء إلى العدالة، ومعالجة العقبات التي تواجههن، وتعزيز آليات المساءلة، خصوصاً في قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي.
وأعربت إحدى الدول عن القلق من استمرار العنف ضد النساء والفتيات، وضعف آليات المساءلة، وغياب نظم رسمية تسجل حقوق النساء العرفية في الأراضي.
حقوق المجتمعات المحلية
وتتميز جزر سليمان بوجود أنظمة عرفية تلعب دوراً محورياً في تنظيم المجتمع، وهو ما انعكس في المناقشات المتعلقة بالحقوق، وخاصة ملكية الأراضي.
وأوضح الوفد أن حيازة الأراضي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتنظيم الاجتماعي، وأن الدولة تعمل على توثيق ملكية الأراضي وتحسين التفاعل بين نظم الحيازة العرفية والنظام القانوني الرسمي.
ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة في ظل ارتباط الأراضي بسبل العيش وحقوق المجتمعات المحلية والتنمية الاقتصادية، ما يجعل تحقيق التوازن بين الأعراف المحلية والإطار القانوني الرسمي أحد الملفات التي ستحتاج إلى مزيد من العمل خلال المرحلة المقبلة.
مكافحة الاتجار بالبشر وحماية العمال
وعرضت جزر سليمان إجراءاتها لمكافحة الاتجار بالأشخاص والاستغلال في العمل، ومنها الإصلاحات التشريعية ومبادرات التدريب وإنفاذ الحد الأدنى للأجور والسياسات الوطنية للتوظيف.
كما أشارت إلى خطط للانضمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية.
وفي المقابل، دعت التوصيات إلى تعزيز حماية العمال، ومكافحة الاتجار بالبشر والاستغلال، ومواصلة تطوير التشريعات والسياسات الوطنية تطويراً يضمن ظروف عمل عادلة وآمنة.
التوصيات.. اختبار جديد أمام جزر سليمان
وفي ختام جلسة الحوار، شكرت جزر سليمان الدول المشاركة على مداخلاتها وتوصياتها، مؤكدة استعدادها لمواصلة الإصلاحات التشريعية والسياساتية والبرامجية الرامية إلى توفير حماية فضلى لحقوق الإنسان.
كما أعلنت اعتزامها إجراء مشاورات وطنية بشأن التوصيات التي تلقتها قبل تحديد موقفها النهائي منها.
ويضع الاستعراض الدوري الشامل أمام جزر سليمان مجموعة واسعة من الالتزامات التي تمتد من التصديق على المعاهدات الدولية وإنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان، إلى حماية النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز التعليم والصحة والعدالة، ومواجهة الاتجار بالبشر، فضلاً عن التعامل مع التأثيرات المتزايدة لتغير المناخ.
وتشير التوصيات إلى أن التحدي الأساسي أمام البلاد لا يتمثل فقط في إصدار القوانين أو التصديق على الاتفاقيات، وإنما في توفير الموارد والقدرات المؤسسية اللازمة لتحويل هذه الالتزامات إلى واقع ملموس، خاصة في ظل الطبيعة الجغرافية للبلاد، وانتشار السكان في المناطق الريفية، ومحدودية الموارد، والتعرض الشديد للصدمات المناخية.
ومع اقتراب عرض التقرير أمام مجلس حقوق الإنسان في دورته الثالثة والستين، تبدو جزر سليمان أمام فرصة لتأكيد ما أحرزته من تقدم، وفي الوقت نفسه وضع خطة واضحة للتعامل مع الملفات التي لا تزال تحتاج إلى إصلاح.
ويبقى تغير المناخ والتنمية والقدرة على تمويل الخدمات الأساسية عناصر حاسمة في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الحقوقية، خصوصاً أن الوفد نفسه أكد أن الشراكات الدولية والدعم الفني والمالي يمثلان عاملاً أساسياً في تنفيذ التوصيات وتعزيز حقوق الإنسان والتنمية المستدامة في البلاد.
