منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

وسط جدل حول الهجرة وحقوق الإنسان.. خطة دنماركية لإبعاد طالبي اللجوء المرفوضين خارج أوروبا

23 يونيو 2026
رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن
رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن

كشفت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن عن توجه أوروبي متسارع لإنشاء مراكز ترحيل وإعادة خارج حدود الاتحاد الأوروبي، في خطوة تعكس تحولاً لافتاً في مقاربة القارة لملف الهجرة غير النظامية واللجوء. وأكدت فريدريكسن أن مجموعة من الدول الأوروبية تعمل حالياً بالتنسيق مع المفوضية الأوروبية من أجل إطلاق أول مركز من هذا النوع خلال العام المقبل، في إطار مساع تهدف إلى نقل جزء من إجراءات التعامل مع المهاجرين وطالبي اللجوء إلى دول تقع خارج التكتل الأوروبي.

دعم أوروبي متزايد للفكرة

ونقلت صحيفة فاينانشيال تايمز عن رئيسة الوزراء الدنماركية تأكيدها أن العمل يتواصل حالياً للحصول على دعم وتمويل من المفوضية الأوروبية لإنشاء هذه المرافق، مشيرة إلى أن عدداً من الحكومات الأوروبية شكلت ما وصفته بتحالف الدول الراغبة في تطبيق هذا النموذج. وأوضحت أن عامي 2026 و2027 قد يشهدان انطلاق أول مركز عودة خارج أوروبا، معربة عن ثقتها في إمكانية إنجاز المشروع خلال العام المقبل إذا استمرت المشاورات السياسية والقانونية بالوتيرة الحالية.

وأكدت فريدريكسن أن الدول المشاركة في هذا التوجه تسعى إلى تطوير آلية جديدة للتعامل مع الأشخاص الذين صدرت بحقهم قرارات بمغادرة الاتحاد الأوروبي، إلى جانب فئات من طالبي اللجوء الوافدين إلى الدول الأوروبية. ورغم أنها امتنعت عن تحديد الدول التي تجري حكومتها محادثات معها لاستضافة هذه المراكز، فإنها شددت على أن المناقشات قطعت شوطاً مهماً خلال الأشهر الماضية.

الهجرة في قلب النقاش السياسي

تعكس تصريحات فريدريكسن المكانة المتقدمة التي يحتلها ملف الهجرة في الأجندة السياسية الأوروبية خلال السنوات الأخيرة. فقد أكدت أن المجتمعات الأوروبية، وخاصة الفئات محدودة الدخل، تتحمل جزءاً كبيراً من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بتدفقات الهجرة غير النظامية. ورأت أن الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية مطالبة اليوم بالتعامل بواقعية مع هذا الملف وعدم تركه حكراً على أحزاب اليمين المتطرف.

وقالت إن معالجة الهجرة الجماعية أصبحت جزءاً من المسؤولية السياسية للأحزاب التقدمية، مؤكدة أن إنشاء مراكز إعادة خارج أوروبا لا يتعارض مع المبادئ الاجتماعية الديمقراطية، بل يمثل وسيلة لتنظيم تدفقات الهجرة بطريقة أكثر فاعلية واستدامة.

ضمانات قانونية وحقوقية

حرصت رئيسة وزراء الدنمارك على التأكيد أن أي مراكز مستقبلية ستلتزم بالقانون الدولي ومعايير حقوق الإنسان المعمول بها داخل الاتحاد الأوروبي. وأوضحت أن الحكومات الداعمة للمشروع لا تسعى إلى التنصل من التزاماتها الإنسانية، بل تريد بناء منظومة تحافظ على كرامة الأفراد وتتعامل معهم وفق المعايير الأوروبية المعروفة.

لكن هذه التطمينات لم تنهِ الجدل الدائر حول المشروع. إذ يشكك عدد من الخبراء القانونيين والمنظمات الحقوقية في قدرة الحكومات الأوروبية على ضمان تطبيق المعايير ذاتها داخل منشآت تقع خارج حدود الاتحاد الأوروبي. كما يرى منتقدون أن نقل طالبي اللجوء إلى دول أخرى قد يخلق تحديات قانونية معقدة تتعلق بالإشراف القضائي وآليات الرقابة وحماية الحقوق الأساسية.

انقسام أوروبي واضح

واجهت فريدريكسن خلال السنوات الماضية انتقادات متكررة من شخصيات وأحزاب تنتمي إلى العائلة الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية بسبب مواقفها المتشددة تجاه الهجرة. ومع ذلك، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى اتساع دائرة المؤيدين لهذا التوجه داخل الاتحاد الأوروبي، خاصة مع تصاعد الضغوط السياسية التي تمارسها أحزاب اليمين في عدد من الدول.

ويبدو أن البرلمان الأوروبي منح الفكرة دفعة جديدة بعد موافقته مؤخراً على لائحة تدعم إنشاء ما يعرف بمراكز العودة، وهي منشآت تستضيف طالبي اللجوء المرفوضين الذين تواجه السلطات صعوبات في إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية. كما أكد متحدث باسم المفوضية الأوروبية أن الإطار التشريعي اللازم أصبح متاحاً، وأن الكرة باتت في ملعب الدول الأعضاء لتقديم مقترحات عملية قابلة للتنفيذ.

فرنسا تتمسك بالرفض

في المقابل، تواصل فرنسا معارضة هذا التوجه بشكل واضح. فقد أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رفضه استخدام ميزانية الاتحاد الأوروبي لتمويل مثل هذه المراكز، مؤكداً أنه لم يقتنع حتى الآن بوجود نموذج أثبت فعاليته على أرض الواقع.

وأشار ماكرون إلى أن أوروبا تأسست على مجموعة من المبادئ والقيم التي ينبغي الحفاظ عليها عند صياغة سياسات الهجرة، معتبراً أن نقل مسؤولية إدارة المهاجرين إلى دول خارج الاتحاد يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة المشروع الأوروبي ومستقبله.

تجارب سابقة ونماذج مطروحة

لا تعد الدنمارك دولة جديدة على هذا المسار. ففي عام 2021 بدأت كوبنهاجن محادثات مع رواندا لإنشاء مركز لطالبي اللجوء على أراضيها، إلا أن الحكومة الدنماركية علقت المشروع لاحقاً بسبب الاعتراضات السياسية والقانونية التي أحاطت به. ومنذ ذلك الوقت اتجهت الدنمارك نحو البحث عن صيغة أوروبية مشتركة تضمن تقاسم المسؤوليات والتمويل.

كما اكتسب النموذج الإيطالي في ألبانيا اهتماماً متزايداً داخل الأوساط الأوروبية بعد افتتاح مركز مخصص للمهاجرين هناك خلال عام 2024. وأعلنت تسع عشرة دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي مؤخراً دعمها لتوسيع هذا النوع من السياسات، مع مطالبتها بتوفير تمويل مباشر من ميزانية الاتحاد لتنفيذ المشروعات المستقبلية.

شهدت سياسة الهجرة الأوروبية تحولات كبيرة منذ أزمة اللاجئين التي بلغت ذروتها عام 2015، عندما استقبلت دول الاتحاد مئات الآلاف من الوافدين من مناطق النزاعات والأزمات الاقتصادية. ومنذ ذلك الحين سعت الحكومات الأوروبية إلى تطوير أدوات جديدة للحد من الهجرة غير النظامية وتسريع إجراءات الترحيل. وبرزت فكرة إنشاء مراكز خارج الاتحاد الأوروبي باعتبارها أحد أكثر المقترحات إثارة للجدل، إذ يرى مؤيدوها أنها تخفف الضغط على أنظمة اللجوء الأوروبية وتحد من نشاط شبكات تهريب البشر، في حين يحذر معارضوها من مخاطر قانونية وإنسانية قد تمس حقوق طالبي اللجوء. ويترقب الاتحاد الأوروبي خلال المرحلة المقبلة أحكام القضاء الأوروبي والمفاوضات السياسية الجارية لتحديد ما إذا كانت هذه المراكز ستتحول إلى سياسة أوروبية معتمدة أم ستظل محل خلاف بين العواصم الأوروبية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print