شهدت العاصمة الإسبانية مدريد، مساء الجمعة، احتجاجات شارك فيها مئات المعارضين للهجرة أمام السفارة المغربية، في تصعيد جديد للأزمة التي فجرتها موجة العبور الجماعي إلى مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية شمال المغرب.
ورفع المحتجون شعارات اعتبرت أن ما جرى يمثل تهديداً للهوية الوطنية، في وقت تواصل فيه الحكومة الإسبانية احتواء تداعيات واحدة من كبريات موجات الهجرة غير النظامية التي شهدتها المدينة خلال فترة وجيزة.
وأفادت وكالة فرانس برس ووكالة أسوشيتد برس بأن التظاهرة جاءت عقب عبور نحو 60 ألف مهاجر إلى سبتة خلال الأيام الماضية، وفق تقديرات السلطات المحلية، في حين أكدت وزارة الداخلية الإسبانية أن معظم الوافدين عادوا إلى المغرب بعد إجراءات إعادة سريعة وتنسيق بين البلدين، واعتبر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن ما حدث يمثل انتهاكاً لوحدة أراضي بلاده، مؤكداً أن الحكومة لن تسمح بتحول المدينة إلى نقطة عبور مفتوحة للهجرة غير النظامية.
احتجاجات ترفع خطاب اليمين
ردد المتظاهرون شعارات مناهضة للهجرة، منها الدعوة إلى الدفاع عن الهوية الإسبانية والوحدة الوطنية، في حين حمل عدد منهم لافتات تدعو إلى ما يعرف بالهجرة العكسية، وهو مفهوم تتبناه أحزاب وتيارات اليمين المتطرف في عدد من الدول الأوروبية، كما وجه المحتجون انتقادات حادة إلى حكومة سانشيز، متهمين إياها بتبني سياسات هجرة متساهلة شجعت مزيداً من المهاجرين على محاولة الوصول إلى الأراضي الإسبانية.
وفرضت قوات الأمن الإسبانية إجراءات مشددة في محيط السفارة المغربية، حيث انتشرت أعداد كبيرة من عناصر الشرطة، مدعومة بطائرة مسيرة ومروحية للمراقبة الجوية، قبل أن تنتهي الاحتجاجات سلمياً بعد نحو ساعة من انطلاقها.
سبتة تواجه أزمة إنسانية
أوضح رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس أن المدينة واجهت وضعاً غير مسبوق بعدما وصل عدد الوافدين إلى ما يعادل نحو 70 في المئة من سكان الإقليم خلال فترة قصيرة، مؤكداً أن السلطات المحلية لم تعد قادرة على استيعاب هذا الضغط الهائل.
وأضافت وزارة الداخلية الإسبانية أن نحو 50 ألف شخص عبروا الحدود منذ صباح الخميس، في حين عاد 48 ألفاً و300 شخص إلى المغرب حتى مساء الجمعة، وهو ما خفف جزئياً من الضغط على المدينة، لكنه لم ينهِ الأزمة الإنسانية التي صاحبت التدفق الجماعي.
وأكد رشيد صبيحي، رئيس جمعية تمثل ضباط الحرس المدني، أن آلاف المهاجرين، وبينهم أطفال غير مصحوبين بذويهم، وجدوا أنفسهم بلا مأوى، وافترش كثير منهم الحدائق والأرصفة، في مشهد وصفه بأنه يعكس أزمة إنسانية خطرة تتطلب استجابة عاجلة.
عشرات الضحايا خلال الرحلة
كشفت السلطات الإسبانية أن 57 مهاجراً لقوا حتفهم خلال محاولات الوصول إلى سبتة، بعدما غرق بعضهم في البحر، في حين فقد آخرون حياتهم نتيجة التدافع عند الحواجز الحدودية القريبة من شاطئ تراخال.
وأوضح عدد من الشبان المغاربة الذين تمكنوا من الوصول إلى المدينة ثم عادوا لاحقاً إلى المغرب لوكالة أسوشيتد برس أنهم خاطروا بحياتهم أملاً في الحصول على فرص عمل فضلى داخل إسبانيا، إلا أن الفوضى التي شهدتها المدينة دفعتهم إلى العودة سريعاً.
وفي المقابل، قالت منظمات حقوقية مغربية إن قوات الأمن استخدمت خراطيم المياه وأطلقت طلقات تحذيرية في الهواء لمنع مزيد من محاولات العبور نحو سبتة.
اتهامات لشبكات التهريب
حمّل رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز شبكات تهريب البشر المسؤولية المباشرة عن الأزمة، مؤكداً أنها استغلت قراراً حديثاً للمحكمة العليا الإسبانية يتعلق بترحيل المهاجرين القادمين بحراً، وروجت لتفسيرات مضللة دفعت آلاف الأشخاص إلى الاعتقاد بإمكانية دخول الأراضي الإسبانية والبقاء فيها.
وأضاف سانشيز أن المهربين خدعوا أعداداً كبيرة من الشباب، وقادوا كثيرين منهم إلى الموت في البحر أو عند الحدود، مؤكداً أن الحكومة ستواصل ملاحقة شبكات الاتجار بالبشر وتعزيز حماية الحدود.
مواقف أوروبية ودولية
وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين المشاهد الواردة من سبتة بأنها غير مقبولة، مؤكدة ضرورة وقف عمليات العبور الخطرة، وتفكيك شبكات التهريب، وتسريع إجراءات إعادة المهاجرين غير النظاميين وفق القوانين الأوروبية.
وفي السياق ذاته، أعلنت إيطاليا إعادة فرض الرقابة مؤقتاً على حدودها الجوية والبحرية مع إسبانيا، في حين أكدت فرنسا تشديد إجراءات التفتيش على الحدود المشتركة، في خطوة تعكس القلق الأوروبي من انتقال تداعيات الأزمة إلى دول أخرى داخل فضاء شنجن.
كما أعلنت الولايات المتحدة دعمها لإسبانيا وللدول الأوروبية في مواجهة الهجرة غير النظامية، معتبرة أن حماية الحدود واحترام سيادة الدول يمثلان أولوية، في حين شددت الحكومة الإسبانية على أن أزمة سبتة لا ترتبط ببرنامجها الخاص بتسوية أوضاع المهاجرين المقيمين داخل البلاد، ووصفت هذا الربط بأنه غير صحيح.
تنسيق بين مدريد والرباط
أكدت السفيرة المغربية لدى إسبانيا كريمة بنيعيش أن ما شهدته سبتة لم يكن نتيجة سياسة مغربية مقصودة، مشددة على أن الرباط تواصل إعطاء الأولوية للهجرة القانونية والمنظمة والآمنة. كما أشارت تقارير دبلوماسية إلى أن المغرب وإسبانيا اتفقا على تعزيز التنسيق الأمني وإدارة الحدود للحد من تكرار موجات العبور الجماعي.
تعد سبتة ومليلية المدينتين الوحيدتين الخاضعتين للإدارة الإسبانية على الساحل الشمالي لإفريقيا، وتمثلان منذ سنوات إحدى أبرز نقاط العبور للمهاجرين الراغبين في الوصول إلى الاتحاد الأوروبي.
ويحاول كثير من المهاجرين الوصول إلى سبتة سباحة من مدينة الفنيدق المغربية لمسافة تقارب خمسة كيلومترات، في حين يسلك آخرون مسارات أقصر انطلاقاً من منطقة بليونش. وتبقى المدينتان محوراً دائماً للتنسيق الأمني والسياسي بين مدريد والرباط، كما تشكلان اختباراً مستمراً لسياسات الهجرة الأوروبية في ظل تنامي نشاط شبكات تهريب البشر وتزايد الضغوط الإنسانية على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
