لم تعد العنصرية في كرة القدم الإنجليزية مجرد حوادث فردية داخل الملاعب، بل تحوّلت إلى قضية اجتماعية وحقوقية تتداخل فيها الرياضة مع قضايا الهجرة وخطاب الكراهية والانقسام السياسي.
وكشفت أحدث البيانات عن تصاعد غير مسبوق في البلاغات المتعلقة بالتمييز خلال موسم 2025-2026، الأمر الذي أعاد النقاش حول فعالية الإجراءات الحالية وقدرة المؤسسات الرياضية والقانونية على حماية اللاعبين والحكام والجماهير من مختلف أشكال الإساءة.
وأظهرت بيانات منظمة “كيك إت آوت”، وهي المنظمة البريطانية المتخصصة في مكافحة التمييز في كرة القدم، أن عدد البلاغات المسجلة خلال موسم 2025-2026 بلغ 1744 بلاغا، وهو أعلى رقم منذ تأسيس المنظمة، بزيادة بلغت 25 في المئة مقارنة بالموسم السابق.
وأكدت المنظمة أن العنصرية ظلت الشكل الأكثر انتشارا من التمييز، بعدما سجلت 792 بلاغا تمثل 45 في المئة من إجمالي الحالات، كما ارتفعت بلاغات التمييز ضد النساء، ومعاداة السامية، وكراهية الإسلام، والتمييز ضد ذوي الإعاقة، والإساءات عبر الإنترنت في بريطانيا إلى مستويات غير مسبوقة.
العنصرية تتصدر جميع أشكال التمييز
أوضحت منظمة “كيك إت آوت” أن البيانات الجديدة تعكس انتشار التمييز في مختلف مستويات اللعبة، سواء في الدوري الإنجليزي الممتاز أو الدرجات الأدنى أو كرة القدم الشعبية أو منصات التواصل الاجتماعي. وأشارت إلى أن البلاغات المتعلقة بالعنصرية ارتفعت بنسبة 19 في المئة خلال موسم واحد، بينما زادت البلاغات الخاصة برهاب الإسلام بنسبة 88 في المئة، وارتفعت بلاغات رهاب المثلية بنسبة 46 في المئة، كما سجلت المنظمة أعلى مستويات للتمييز الديني والجندري خلال السنوات الخمس الأخيرة.
وقال الرئيس التنفيذي للمنظمة، صامويل أوكافور، إن هذه الأرقام تؤكد أن التمييز لا يزال متجذرا بعمق في كرة القدم الإنجليزية، مضيفا أن تصاعد جرائم الكراهية والانقسامات السياسية داخل المجتمع البريطاني انعكس بصورة مباشرة على الملاعب والمنصات الرقمية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن ارتفاع البلاغات يعكس أيضا تزايد استعداد اللاعبين والجماهير للإبلاغ عن الانتهاكات وعدم الصمت أمامها.
الملاعب ليست وحدها ساحة الانتهاكات
لم تقتصر الأزمة على المدرجات، إذ أصبحت منصات التواصل الاجتماعي إحدى أبرز ساحات الاعتداءات العنصرية ضد اللاعبين والمدربين والحكام، وأكدت منظمة “كيك إت آوت” استمرار حملتها للضغط على شركات التكنولوجيا من أجل تحمل مسؤولية أكبر في إزالة المحتوى العنصري، بعدما شهد الموسم الماضي موجة جديدة من الإساءات الإلكترونية التي استهدفت لاعبي الدوري الإنجليزي الممتاز.
وكشفت المنظمة عن تسجيل 39 بلاغا تضمنت عبارات معادية للمهاجرين، وهو رقم تجاوز مجموع البلاغات المماثلة خلال الموسمين السابقين مجتمعين. كما ارتفع عدد البلاغات المتعلقة بالإساءات الموجهة إلى حكام المباريات إلى 98 بلاغا، وهو ما يعادل إجمالي البلاغات المسجلة خلال المواسم الثلاثة السابقة مجتمعة.
إجراءات الردع
أكد الدوري الإنجليزي الممتاز أن مكافحة جميع أشكال التمييز تمثل إحدى أولوياته الأساسية، مشيرا إلى استمرار تطبيق برنامج “لا مكان للعنصرية”، إلى جانب منظومة مراقبة متخصصة داخل الملاعب لرصد السلوكيات العنصرية، واستخدام أدوات تقنية لتعقب الإساءات المنشورة عبر الإنترنت.
وأوضح مسؤولو الدوري أن العقوبات قد تشمل منع المشجعين من دخول الملاعب، وإحالتهم إلى القضاء، مع إمكانية صدور أحكام بالسجن في القضايا التي تنطوي على جرائم كراهية أو إساءات عنصرية جسيمة، مؤكدين أن وقوع حادثة واحدة يعد أكثر مما يمكن قبوله في كرة القدم الإنجليزية.
أكد الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم أن مكافحة العنصرية والتمييز أصبحت أولوية تنظيمية، موضحا أن الحالات التي يتعامل معها تشمل الإساءات العنصرية، والتهديدات، والاعتداءات على الحكام، والعنف بين اللاعبين، والتمييز في مسابقات القاعدة الشعبية.
وأشار الاتحاد إلى أن هذه الحوادث تمثل نحو 0.09 في المئة فقط من إجمالي مباريات كرة القدم الشعبية سنويا، لكنه شدد على أن تأثيرها على الضحايا والمجتمع الرياضي كبير للغاية، لذلك اعتمد عقوبات أكثر صرامة بحق الأندية والأفراد، وأطلق نظاما لتراكم نقاط العقوبات، مع إمكانية خصم نقاط من الأندية التي تتكرر لديها المخالفات الجسيمة.
كرة القدم مرآة للمجتمع
يرى خبراء مكافحة التمييز أن كرة القدم لا تعيش بمعزل عن المجتمع، بل تعكس التوترات السياسية والاجتماعية السائدة. ولذلك ربطت منظمة “كيك إت آوت” بين ارتفاع البلاغات وبين تصاعد خطاب الكراهية والجدل المرتبط بقضايا الهجرة والهوية داخل بريطانيا، معتبرة أن الملاعب أصبحت في بعض الأحيان امتدادا للاستقطاب المجتمعي، الأمر الذي يفرض على المؤسسات الرياضية والقانونية العمل بصورة مشتركة لحماية قيم المساواة والشمول داخل اللعبة.
مساحة للمساواة
أكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن العنصرية وخطاب الكراهية في المجال الرياضي لا يمثلان مجرد انتهاك لقيم المنافسة العادلة، بل يشكلان اعتداء على الكرامة الإنسانية والحق في المساواة وعدم التمييز، وشددت المفوضية على أن الدول والهيئات الرياضية تتحمل مسؤولية مشتركة في منع جميع أشكال التمييز، واتخاذ تدابير فعالة لحماية الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، انسجاما مع الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري. كما دعت إلى تطوير آليات الإبلاغ، وتوفير بيئة رياضية آمنة تحترم التنوع الثقافي والعرقي.
القانون الدولي يجرّم التمييز العنصري
أكدت لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري أن الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري تلزم الدول باتخاذ إجراءات تشريعية وإدارية وقضائية لمواجهة العنصرية وخطاب الكراهية، كما نصت المادة الرابعة من الاتفاقية على ضرورة تجريم نشر الأفكار القائمة على التفوق العنصري أو التحريض على الكراهية، بينما تؤكد المادة السابعة أهمية التعليم والثقافة والرياضة في تعزيز قيم التسامح والتفاهم بين الشعوب.
فيفا ويويفا يوسعان المواجهة
واصل الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” والاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا” تشديد سياساتهما لمكافحة العنصرية، حيث اعتمد الاتحادان خلال السنوات الأخيرة بروتوكولات تسمح بإيقاف المباريات مؤقتا أو إنهائها نهائيا عند وقوع هتافات أو ممارسات عنصرية، إلى جانب فرض غرامات مالية وإغلاق مدرجات أو إقامة مباريات دون جمهور في بعض الحالات. كما يواصل “فيفا” تنفيذ خطة العمل العالمية لمناهضة العنصرية التي تتضمن عقوبات رياضية وانضباطية أكثر صرامة على الاتحادات والأندية والأفراد.
منظمات حقوقية تحذر من اتساع الظاهرة
قالت منظمة العفو الدولية إن العنصرية في الرياضة تعكس أنماطا أوسع من التمييز داخل المجتمعات، مؤكدة أن اللاعبين المنحدرين من أصول إفريقية أو آسيوية أو من الأقليات الدينية يظلون الأكثر تعرضا للإساءات داخل الملاعب وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
كما دعت المنظمة الحكومات وشركات التكنولوجيا إلى تعزيز التعاون من أجل إزالة المحتوى العنصري وملاحقة مرتكبيه، خاصة مع تزايد استخدام المنصات الرقمية في نشر خطاب الكراهية.
وأشارت منظمة “هيومن رايتس ووتش” إلى أن الرياضة تمتلك قدرة كبيرة على تعزيز الاندماج الاجتماعي، لكنها قد تتحول في الوقت نفسه إلى منصة لإعادة إنتاج التمييز إذا غابت آليات المساءلة والردع، مؤكدة أن حماية الرياضيين من العنصرية تمثل جزءا من الالتزام الدولي بحماية حقوق الإنسان.
جرائم الكراهية تتجاوز الملاعب
أظهرت بيانات وزارة الداخلية البريطانية أن جرائم الكراهية المسجلة لدى الشرطة في إنجلترا وويلز لا تزال تتركز بصورة رئيسية حول الدوافع العنصرية، التي تمثل النسبة الأكبر من إجمالي الجرائم المرتبطة بالكراهية، وترى المؤسسات الحقوقية أن هذا الواقع يفسر انتقال بعض مظاهر العنصرية إلى الملاعب، باعتبار أن كرة القدم تعكس أحيانا التوترات والانقسامات الموجودة داخل المجتمع.
كما أظهرت تقارير بريطانية أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت إحدى أبرز القنوات التي تنتشر عبرها الإساءات العنصرية ضد اللاعبين، وهو ما دفع الحكومة البريطانية والهيئات الرياضية إلى مطالبة شركات التكنولوجيا بتشديد إجراءات الرقابة وإزالة المحتوى المخالف بصورة أسرع.
ولقد عرفت كرة القدم الإنجليزية منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي موجات متكررة من العنصرية، خاصة ضد اللاعبين السود، حيث شهدت الملاعب هتافات وإساءات عنصرية أثارت انتقادات واسعة، ومع تأسيس منظمة “كيك إت آوت” عام 1993، بدأت حملات منظمة لمكافحة التمييز داخل اللعبة، قبل أن يطلق الدوري الإنجليزي الممتاز مبادرة “لا مكان للعنصرية”، ويعزز الاتحاد الإنجليزي برامجه التعليمية والانضباطية.
ورغم التقدم الذي تحقق خلال العقود الماضية، فإن التطور التكنولوجي وانتشار منصات التواصل الاجتماعي أوجدا تحديات جديدة، إذ انتقلت نسبة كبيرة من الإساءات من المدرجات إلى الفضاء الرقمي، ما استدعى تطوير أدوات للرصد والإبلاغ والتتبع الإلكتروني.
تحديات المرحلة المقبلة
تكشف الأرقام القياسية التي سجلتها منظمة “كيك إت آوت” أن كرة القدم الإنجليزية قطعت شوطا مهما في تشجيع الضحايا والشهود على الإبلاغ عن الانتهاكات، لكنها تكشف في الوقت نفسه استمرار التمييز بوصفه تحديا مؤسسيا يتطلب استجابة متعددة المستويات، ويؤكد الاتحاد الإنجليزي والدوري الإنجليزي الممتاز أن العقوبات وحدها لن تكون كافية، بل تحتاج المواجهة إلى برامج تعليمية وتوعوية، وإلى تعاون بين الأندية والسلطات القضائية وشركات التكنولوجيا والمؤسسات التعليمية.
وتشير التجربة البريطانية إلى أن مكافحة العنصرية في الرياضة لم تعد تقتصر على حماية نزاهة المنافسات، بل أصبحت جزءا من معركة أوسع للدفاع عن الكرامة الإنسانية والمساواة، وبينما تتواصل الجهود القانونية والحقوقية والرياضية، يبقى نجاحها مرتبطا بقدرة المؤسسات على تحويل الملاعب والمنصات الرقمية إلى فضاءات آمنة يشعر فيها جميع اللاعبين والجماهير بأن انتماءهم العرقي أو الديني أو الثقافي لن يكون سببا للإقصاء أو الإهانة أو التمييز.

