منذ اندلاع الحرب السورية عام 2011، تحولت تركيا إلى واحدة من كبريات الدول المستضيفة للاجئين في العالم، بعدما فتحت أبوابها أمام ملايين السوريين الفارين من النزاع، إلى جانب طالبي حماية من أفغانستان والعراق وإيران وجنسيات أخرى.
وتؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن تركيا لا تزال من بين أكبر الدول المضيفة للاجئين عالمياً، إذ استضافت في منتصف عام 2025 نحو 2.6 مليون لاجئ، بينهم نحو 2.5 مليون سوري تحت نظام الحماية المؤقتة.
ومع نهاية عام 2025، أظهر عرض خطة المفوضية لعام 2026 أن عدد السوريين المسجلين تحت الحماية المؤقتة في تركيا تراجع إلى نحو 2.34 مليون شخص، إلى جانب 166 ألف طالب حماية دولية ولاجئ من جنسيات أخرى.
ويعكس هذا التراجع تصاعد حركة العودة من جهة، وتزايد الضغوط السياسية والاجتماعية المرتبطة بملف اللجوء من جهة أخرى.
اللجوء بوصفه ملفاً سياسياً داخلياً
لم يعد ملف اللاجئين في تركيا قضية إنسانية أو قانونية فقط، بل أصبح أحد أكثر الملفات حضوراً في السجال السياسي الداخلي، خاصة مع تصاعد الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتنامي الخطاب المعادي للاجئين.
ووثقت هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2023 أن سياسيين معارضين غذّوا المشاعر المناهضة للاجئين عبر الدعوة إلى إعادة السوريين إلى سوريا، في حين ردت الحكومة التركية بوعود تتعلق بإعادة توطين السوريين في مناطق شمال سوريا الخاضعة للنفوذ التركي.
ويقول حقوقيون إن هذا التحول السياسي جعل اللاجئين أكثر عرضة للضغط الاجتماعي والقانوني، خصوصاً في المدن الكبرى التي تضم كثافة عالية من السوريين، حيث بات كثير منهم يتجنب التنقل بين الولايات أو الظهور في المجال العام خوفاً من التدقيق الأمني أو فقدان الوضع القانوني.
حملات تدقيق وترحيل
خلال الأعوام الأخيرة، كثفت السلطات التركية حملات التفتيش على وثائق الإقامة والحماية المؤقتة، خصوصاً ضد من يقيمون في ولايات غير المسجلين فيها أو من لا يحملون وثائق محدثة.
وتؤكد السلطات التركية أن هذه الإجراءات تستهدف تنظيم الوجود الأجنبي، وملاحقة المخالفين، وترحيل من يشكلون تهديداً أمنياً، وأن العودة إلى سوريا تتم بصورة طوعية وبإشراف رسمي.
لكن منظمات حقوقية دولية وثقت نمطاً مختلفاً في عدد من الحالات، فقد قالت هيومن رايتس ووتش عام 2022 إن السلطات التركية رحّلت مئات اللاجئين السوريين إلى شمال سوريا بعد احتجازهم وإجبار بعضهم على توقيع استمارات “عودة طوعية”، معتبرة أن تركيا ملزمة باحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يحظر إعادة أي شخص إلى مكان قد يتعرض فيه لخطر الاضطهاد أو التعذيب أو التهديد لحياته.
وفي تقرير لاحق عام 2024، وثقت هيومن رايتس ووتش شهادات سوريين قالوا إنهم رُحلوا إلى مناطق شمال سوريا رغم امتلاك بعضهم بطاقات حماية مؤقتة تركية، وإن عدداً منهم أُجبر أو تعرض لضغط للتوقيع على نماذج “عودة طوعية”.
كما وثقت منظمة العفو الدولية في نوفمبر 2025 حالة لاجئ سوري رُحّل إلى سوريا بعد نحو 10 أشهر من الاحتجاز، رغم إزالة نشرة إنتربول حمراء كانت أساساً لاحتجازه، واعتبرت المنظمة أن هذه الحالة تثير مخاوف جدية بشأن ضمانات الحماية القانونية في إجراءات الترحيل.
مبدأ عدم الإعادة القسرية
يطرح ملف الترحيل سؤالاً مركزياً حول مدى التزام تركيا بمبدأ عدم الإعادة القسرية، فرغم أن تركيا تطبق تحفظاً جغرافياً على اتفاقية جنيف لعام 1951، ولا تمنح السوريين صفة “لاجئ” كاملة، فإن نظام الحماية المؤقتة التركي يتضمن ضمانة ضد الإعادة القسرية، كما توضح قاعدة بيانات المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين الخاصة بتركيا.
وتشير رئاسة إدارة الهجرة التركية إلى أن وثيقة الحماية المؤقتة تمنح حاملها حق البقاء في تركيا، لكنها لا تمنحه حق التقدم تلقائياً للحصول على الجنسية التركية.
وهذا الوضع القانوني يجعل ملايين السوريين في حالة إقامة محمية لكنها غير مستقرة بالكامل، إذ تبقى حقوقهم مرتبطة بإجراءات إدارية وسياسات داخلية قابلة للتغير.
ويرى حقوقيون أن أي عودة إلى سوريا لا يمكن وصفها بالطوعية إذا تمت تحت ضغط الاحتجاز أو التهديد أو فقدان الوضع القانوني، أو في ظل غياب ضمانات أمنية حقيقية داخل مناطق العودة.
سوريا لم تصبح آمنة للجميع
رغم التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا منذ نهاية عام 2024، تؤكد تقارير حقوقية أن العودة لا تزال محفوفة بالمخاطر بالنسبة إلى فئات واسعة من السوريين، خصوصاً في ظل استمرار الانتهاكات، وضعف الخدمات الأساسية، وتضرر البنية التحتية، وغياب ضمانات واضحة للمحاسبة والحماية.
وتشير هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2026 إلى أن سوريا دخلت مرحلة انتقالية بعد سقوط نظام بشار الأسد، لكنها لا تزال تواجه تحديات خطيرة تتعلق بالحكم والأمن والحقوق الأساسية.
كما نقلت رويترز في فبراير 2025 قصص سوريين عادوا من تركيا ثم واجهوا أوضاعاً معيشية قاسية، بينها نقص المياه والكهرباء والإنترنت وصعوبة تأمين مصدر دخل، ما دفع بعضهم إلى الندم على العودة السريعة.
هشاشة معيشية داخل تركيا
إلى جانب المخاوف القانونية والأمنية، يواجه اللاجئون في تركيا تحديات إنسانية مرتبطة بالعمل والسكن والتعليم والرعاية الصحية، ويعمل كثير من السوريين في قطاعات غير رسمية بأجور منخفضة ودون حماية كافية، في حين تعاني أسر عديدة من ارتفاع الإيجارات وتكاليف المعيشة وصعوبات تحديث العناوين أو التنقل بين الولايات.
في بداية عام 2025 كانت تركيا تستضيف أكثر من 2.9 مليون سوري تحت الحماية المؤقتة، وكان 98% منهم يقيمون خارج مراكز الإقامة المؤقتة، ما يجعلهم أكثر اعتماداً على سوق العمل المحلي، والإيجارات، وشبكات الدعم المجتمعي.
وتؤدي هشاشة الوضع القانوني والمعيشي إلى زيادة تعرض النساء والأطفال لمخاطر الاستغلال والعمل غير الرسمي والتسرب من التعليم، خاصة مع تقلص بعض برامج الدعم وتزايد الضغوط على المجتمعات المضيفة.
بين العودة والانتظار
تؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن العودة الطوعية يجب أن تكون قائمة على قرار حر ومستنير، وفي ظروف آمنة وكريمة.
وفي يناير 2026 أشارت المفوضية إلى أن أكثر من 600 ألف سوري عادوا طوعاً من تركيا إلى سوريا منذ 8 ديسمبر 2024، ما يعكس اتساع حركة العودة، لكنه لا يلغي ضرورة ضمان أن تكون كل عودة فردية طوعية وآمنة ومبنية على معلومات دقيقة.
وبين استمرار الضغوط السياسية داخل تركيا، وتعقيدات الوضع داخل سوريا، تبقى شريحة واسعة من اللاجئين عالقة بين واقع لجوء طويل لم يعد مستقراً كما كان، وعودة لا تزال محفوفة بالمخاطر بالنسبة إلى كثيرين.
وهنا لا يصبح السؤال فقط كم عدد من عادوا، بل هل عادوا لأنهم اختاروا ذلك بحرية، أم لأن خيارات البقاء أصبحت تضيق يوماً بعد آخر؟
تحديات الحماية
قال الحقوقي الدولي والمدير الإقليمي في المركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان، الدكتور أحمد غازي، إن ملف اللاجئين في تركيا لا يمكن النظر إليه من زاوية واحدة، باعتبار أنه يجمع بين أبعاد إنسانية وقانونية من جهة، واعتبارات سياسية وأمنية واقتصادية من جهة أخرى، وهي عوامل تؤثر بشكل مباشر في طبيعة التعامل مع اللاجئين داخل تركيا.
وفيما يتعلق بالأوضاع القانونية للاجئين السوريين، أوضح غازي أن السوريين في تركيا لا يحصلون على صفة لاجئ كاملة وفقاً لاتفاقية جنيف لعام 1951، بسبب التحفظ الجغرافي الذي تطبقه تركيا على الاتفاقية، وإنما يخضعون لنظام الحماية المؤقتة الذي يمنحهم حق الإقامة والاستفادة من بعض الخدمات الصحية والتعليمية، إضافة إلى إمكانية العمل ضمن شروط محددة.
وأضاف في حديث لـ”صفر” أن هذه الحماية تبقى مرتبطة بالسياسات الداخلية والقرارات الحكومية التركية، ولا تشكل ضمانة دائمة أو مستقرة بشكل كامل، مشيراً إلى أنه خلال السنوات الأخيرة تصاعدت بشكل كبير الانتقادات الحقوقية الموجهة إلى سياسات الحكومة التركية فيما يتعلق بترحيل اللاجئين والإعادة القسرية، خاصة بعد الحديث عن ترحيل بعض اللاجئين بذريعة مخالفة شروط الإقامة، أو إجبار آخرين على توقيع وثائق تتعلق بما يسمى العودة الطوعية.
وتابع: “نحن المنظمات الحقوقية ننظر إلى هذه القضية من منظور مختلف، إذ نعد إعادة أي لاجئ إلى بلد ما يزال يشهد صراعاً أو يفتقر إلى مقومات الأمان قد تعرض حياته للخطر، أو تجعله عرضة للاضطهاد أو العنف أو الانتهاكات المختلفة”.
واستدرك: “في المقابل، تؤكد السلطات التركية أن هذه الإجراءات تأتي في إطار تنظيم الوجود القانوني للاجئين والحفاظ على الأمن الداخلي، وأن عمليات العودة تتم بصورة طوعية وآمنة وبرغبة اللاجئين أنفسهم، خصوصاً إلى بعض المناطق في شمال سوريا، وليس إلى المناطق التي لا تزال تشهد نزاعات”.
وعن الواقع الميداني، قال غازي، إن “الجدل لا يزال قائماً بشأن مدى توافر الشروط الإنسانية والقانونية اللازمة لضمان عودة آمنة، وفقاً لما تراه المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية، أما على المستوى السياسي، فإن ملف اللاجئين تحول خلال السنوات الأخيرة إلى عنصر أساسي في الخطاب السياسي التركي، خصوصاً خلال المواسم الانتخابية، حيث تبنت بعض أحزاب المعارضة خطاباً أكثر تشدداً تجاه اللاجئين، مستندة إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.
وأشار إلى أن بعض جنسيات اللاجئين، وعلى رأسها السوريون، منخرطة بشكل واسع في سوق العمل، وهو ما يخلق حالة من التنافس مع المواطنين الأتراك في بعض القطاعات، ويسهم في تصاعد الاحتقان الاجتماعي داخل عدد من المدن التركية، وبالتالي أصبح اللاجئون السوريون عالقين بين جانبين متناقضين، فمن جهة وفرت لهم تركيا نوعاً من الحماية القانونية والاستقرار، ومن جهة أخرى يواجهون ضغوطاً سياسية وشعبية متزايدة.
وأضاف: “رغم كل هذه التحديات، لا تزال تركيا بالنسبة إلى أعداد كبيرة من اللاجئين تمثل بيئة أكثر أمناً واستقراراً مقارنة بظروف الحرب وعدم الاستقرار داخل سوريا، حتى مع الحديث عن وجود نوع من الاستقرار النسبي حالياً؛ إذ لا يزال كثير من السوريين يعدون العودة ليست آمنة بشكل كامل، سواء بسبب التوترات السياسية أو الأوضاع الاقتصادية والمعيشية داخل بلادهم”.
واختتم الدكتور أحمد غازي حديثه: “سيظل مستقبل اللاجئين السوريين مرتبطاً إلى حد كبير بتطورات الأوضاع داخل سوريا، فكلما اتجهت الأوضاع نحو الاستقرار، ازدادت فرص العودة، لكن ذلك يبقى مرتبطاً أيضاً بالمشهدين السياسي والاقتصادي في تركيا، إلى جانب مدى التزام المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاه أزمة اللجوء بشكل عام”.
ضمانات قانونية
بدوره، اعتبر المحلل السياسي التركي، بستان جميل أوغلو، في حديث لـ”صفر”، أن الحماية القانونية للاجئين في تركيا ما تزال قائمة، رغم ما يشهده ملف اللجوء من تجاذبات سياسية ومجتمعية بين الحين والآخر.
وأضاف جميل أوغلو: “لا أعتقد أن الحماية القانونية للاجئين ستتأثر بشكل جوهري، فخلال السنوات الأولى من توافد السوريين إلى تركيا، كان المجتمع التركي يشكل حاضنة لهم، وكانت هناك حالة واسعة من التعاطف الشعبي”.
وأوضح أن التحول الذي طرأ على نظرة جزء من المجتمع التركي تجاه اللاجئين خلال السنوات الأخيرة يرتبط بالدرجة الأولى بالأوضاع الاقتصادية، أكثر من ارتباطه بأسباب اجتماعية أو سياسية، حيث اتجه النقاش حول اللاجئين إلى الجانب الاقتصادي بشكل أكبر، وبدأ البعض يربط بين وجود اللاجئين السوريين وارتفاع معدلات التضخم والأسعار، خاصة فيما يتعلق بالإيجارات والمواد الغذائية والاحتياجات الأساسية”.
وأشار إلى أن حدة هذه الضغوط المجتمعية تراجعت نسبياً خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً مع تحسن بعض الأوضاع داخل سوريا، وعودة أعداد من السوريين الذين يمتلكون أعمالاً أو استثمارات هناك، الأمر الذي خفف من حدة النظرة السلبية التي كانت سائدة في بعض الأوساط.
وحول توظيف ملف اللاجئين في الحياة السياسية التركية، قال جميل أوغلو إن هذا الملف يُستخدم في كثير من الأحيان بوصفه ورقة انتخابية، موضحاً أن السياسيين في تركيا، كما في دول عديدة حول العالم، يلجؤون إلى استخدام قضايا اللاجئين والهجرة ضمن الخطابات الانتخابية والسياسية.
وأضاف: “ما يحدث في تركيا ليس استثناءً، فعندما تواجه أي دولة تغيرات اقتصادية أو سياسية، سواء كانت تركيا أو ألمانيا أو فرنسا أو حتى بعض الدول العربية، فإن هذه التحولات تنعكس بطبيعتها على الأجانب واللاجئين والمقيمين، مشدداً على أن الحماية القانونية للاجئين لا تزال مستمرة رغم الضغوط السياسية والإعلامية.
وأضاف: “على الرغم من الأزمة الاقتصادية وبعض التوترات أو المظاهرات المحدودة، فإن الحماية القانونية بقيت قائمة، ولا توجد مشكلات جوهرية تؤثر في أوضاع اللاجئين الموجودين على الأراضي التركية”.

