عندما وقف الشاب العراقي ميثم سعدون في حفل تخرجه من كلية القانون بجامعة ميسان، في فبراير/شباط 2026، لم تكن اللحظة مجرد نهاية لسنوات الدراسة، فالشاب الكفيف وصل إلى منصة التخرج بعد رحلة واجه خلالها تحديات لا تتعلق بقدرته على التعلم بقدر ما ترتبط ببيئة لم تصمم لتكون متاحة دائماً للجميع.
تحولت قصة ميثم إلى نموذج ملهم تداولته وسائل إعلام، لكنها تطرح سؤالاً أبعد من الاحتفاء بالقدرة الفردية: لماذا يحتاج الشخص ذو الإعاقة إلى تجاوز حواجز إضافية للوصول إلى حق يفترض أن يكون متاحاً للجميع؟
في العراق تكفل القوانين حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتوجد حصص للتوظيف وبرامج للدعم المالي، في حين تعلن الجهات الرسمية إجراءات لتحسين النقل والعمل والخدمات، لكن بين النص والحياة اليومية، لا تزال حواجز المباني والطرق والتعليم والعمل والمشاركة العامة تختبر قدرة هذه الحقوق على الوصول إلى أصحابها.
ملايين الأشخاص وقانون ينتظر التنفيذ
في فبراير/شباط 2024 قدر وزير العمل والشؤون الاجتماعية عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في العراق بنحو 4 ملايين شخص، وهو تقدير يأتي في ظل الحاجة إلى بيانات وطنية شاملة ومحدثة تحدد أعدادهم واحتياجاتهم بصورة أدق.
ويمثل قانون رعاية ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة رقم 38 لسنة 2013 أساس الإطار التشريعي، في حين جاء تعديله بالقانون رقم 11 لسنة 2024 بإجراءات تتعلق بالدعم وفرص التشغيل ونسب التوظيف لدى الجهات المشمولة.
ويمثل راتب المعين المتفرغ أحد أبرز برامج الدعم الحكومي، ويستفيد منه مئات آلاف الأشخاص، لكن الدعم المالي، رغم أهميته للأسر، لا يعوض الحاجة إلى إزالة الحواجز أمام التعليم والعمل والتنقل والاستقلال الاقتصادي.
وفي يونيو/حزيران 2024، انتقدت منظمة هيومن رايتس ووتش عدم كفاية تطبيق حصة توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة، معتبرة أن ضعف التنفيذ يحرم كثيرين من فرص المشاركة الاقتصادية.

حين يصبح المبنى نفسه حاجزاً
يقول فلاح الشكري، نائب مدير منظمة إدماج لحماية ذوي الإعاقة في العراق، إن المشكلة الأساسية تكمن في الفجوة بين التشريع والتطبيق، مشيراً إلى أن بعض المباني المنشأة حديثاً لا تزال تفتقر إلى متطلبات الإتاحة.
وفي محافظة النجف، أشارت بيانات محلية منشورة في سبتمبر/أيلول 2026 إلى أن نحو 90% من البنية التحتية غير دامجة للأشخاص ذوي الإعاقة، في وقت أعلنت فيه دائرة رعاية ذوي الإعاقة تقديم خدمات لنحو 456 مستفيداً.
وتكشف هذه المفارقة أن وجود الخدمة لا يضمن الوصول إليها إذا كان الطريق أو المبنى أو وسيلة النقل نفسها تشكل حاجزاً أمام المستفيد.
وتقول الإعلامية أزهار العزاوي، رئيسة منصة تضامن العراقية المخصصة لدعم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إن الإتاحة ينبغي ألا تكون إضافة لاحقة، بل جزء من تصميم المباني والخدمات منذ البداية.
وتروي العزاوي لـ”صفر”، وهي أول صحفية من ذوات الإعاقة في محافظة ديالى، أن الدمج الحقيقي لا يعني توفير خدمة منفصلة، وإنما بناء نظام يستطيع الجميع استخدامه دون حواجز.
وتظهر الصعوبة نفسها في تجربة أحمد عبد علي الذي تحدث عن تحديات واجهته خلال دراسته الجامعية، منها التنقل وعدم توافر بعض المرافق المناسبة، قبل أن يواصل مسيرته الأكاديمية.
الحكومة: سيارات وقروض وفرص عمل
في المقابل، تؤكد هيئة حقوق ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة أنها تعمل على تطوير الخدمات، خصوصاً في ملفي النقل والعمل.
وقالت رئيسة الهيئة ذكرى عبد الرحيم إن مجلس الإدارة استكمل إجراءات مشروع تقسيط السيارات المخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة بالتنسيق مع الجهات المعنية، إلى جانب مخاطبة البنك المركزي العراقي لاستكمال الموافقات المتعلقة بمنح المستفيدين قروضاً ميسرة من دون فوائد.
وأوضحت في حديث لـ”صفر” أن هذه الإجراءات تستهدف معالجة صعوبة التنقل والوصول إلى العمل والتعليم والخدمات العامة.
وفي ملف التمكين الاقتصادي، أشارت عبد الرحيم إلى مناقشة آليات تطبيق نسبة التوظيف المخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة، مؤكدة ضرورة الالتزام بنسبة 5% في التعيينات وفقا للقانون.
كما يقول علي كاظم عيدان، مدير دائرة رعاية ذوي الإعاقة في النجف، لـ”صفر”: “الدائرة تقدم خدمات للمستفيدين، مع الإقرار بوجود تحديات تتعلق بالتمويل والإمكانات”.
وهكذا لا يدور السؤال حول وجود تحرك رسمي من عدمه، وإنما حول مدى تحول هذه البرامج والنسب القانونية إلى نتائج يستطيع الأشخاص ذوو الإعاقة لمسها في حياتهم اليومية.

من الوظيفة إلى صندوق الاقتراع
ولا تتوقف الإتاحة عند المباني والعمل، فقد أشارت هيومن رايتس ووتش إلى معوقات أمام مشاركة بعض الأشخاص ذوي الإعاقة سياسياً، منها صعوبة الوصول إلى مراكز الاقتراع وغياب الترتيبات المناسبة.
ويرى المحامي والحقوقي العراقي هيمن باجلان أن التشريعات العراقية توفر أساساً قانونياً جيداً، لكن صدورها لا يكفي إذا لم تنعكس على الواقع.
ويقول لـ”صفر” إن الأشخاص ذوي الإعاقة لا يزالون يفتقدون متطلبات أساسية في الطرق وأماكن الانتظار وغيرها من الخدمات، معتبراً أن ضمان حقوقهم يحتاج إلى سياسات حكومية داعمة بالتوازي مع تعزيز الوعي المجتمعي.
من الرعاية إلى الحقوق
يذهب عبد المنعم الحر، رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، إلى أن الأزمة لم تعد في غياب التشريعات، بل في ضعف تطبيقها واستمرار بعض الممارسات في التعامل مع الإعاقة ضمن إطار «الرعاية والخدمات»، بدلاً من اعتبارها قضية مواطنة وتمكين وإزالة للحواجز.
ويقول الحر لـ”صفر” إن منظومة الحماية الاجتماعية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان حياة مستقلة وكريمة، داعياً إلى تفعيل سياسات التشغيل الدامج ونسب التوظيف لتعزيز الاستقلال الاقتصادي.
وتنسجم هذه المقاربة مع اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي تقوم على المساواة والمشاركة وإزالة الحواجز التي تعوق تمتع الأشخاص ذوي الإعاقة بحقوقهم.

الحق لا يحتاج إلى بطولة
قصة ميثم سعدون تثبت أن الشخص الكفيف يستطيع الوصول إلى كلية القانون والتخرج فيها، لكن المقياس الحقوقي ليس عدد الأشخاص الذين استطاعوا بإرادتهم تجاوز الحواجز، بل مقدار ما أزيل منها حتى لا يضطر القادمون بعدهم إلى خوض المعركة نفسها.
فالقانون يستطيع أن يكفل فرصة للعمل، وبرنامج الحماية الاجتماعية أن يقدم دعماً، والمشروع الحكومي أن يوفر وسيلة للنقل، لكن الحق يكتمل عندما يستطيع الشخص الوصول إلى الجامعة والوظيفة والخدمة العامة وصندوق الاقتراع باستقلال وكرامة.
نجاح ميثم يستحق الاحتفاء، لكن النجاح الأكبر للدولة والمجتمع سيكون حين يصبح وصول شخص مثله إلى منصة التخرج أمراً عادياً، لا قصة استثنائية.
