منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

قراءة حقوقية أعدها مركز دراسات “صفر”

الغذاء حق أساسي.. أزمة التغذية العالمية بين الأرقام والحروب والعدالة الغائبة

21 مايو 2026
توزيع مساعدات برنامج الأغذية العالمي في سوريا
توزيع مساعدات برنامج الأغذية العالمي في سوريا

لا يمكن النظر إلى أزمات التغذية في العالم باعتبارها مشكلة إنسانية عابرة أو نتيجة طبيعية للفقر فقط، بل هي في جوهرها قضية حقوق إنسان. فالغذاء الكافي والآمن والصحي هو حق أساسي يرتبط مباشرة بالحق في الحياة، والحق في الصحة، والحق في الكرامة، والحق في النمو، والحق في التعليم، خصوصاً بالنسبة للأطفال، عندما يعجز الإنسان عن الحصول على غذاء كافٍ، لا يكون محروماً من وجبة فقط، بل من القدرة على العيش بصحة، والعمل، والتعلم، والمشاركة في الحياة العامة.

الأزمة اليوم لم تعد مقتصرة على صور المجاعات التقليدية، بل أصبحت أكثر تعقيداً. هناك من لا يجد الطعام إطلاقاً، وهناك من يحصل على طعام غير كافٍ أو غير صحي، وهناك من يعيش تحت تهديد دائم بعدم القدرة على تأمين الوجبة التالية.

ووفق تقرير حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم لعام 2025، واجه نحو 673 مليون شخص الجوع في عام 2024، كما عانى حوالي 2.3 مليار شخص من انعدام أمن غذائي متوسط أو شديد، وهو ما يكشف أن أزمة الغذاء لم تعد استثناءً محدوداً، بل ظاهرة عالمية واسعة تمس كرامة الإنسان وأمنه اليومي.

الأرقام تكشف حجم الأزمة

الأرقام المرتبطة بالجوع وسوء التغذية لا تعبر فقط عن نقص في الغذاء، بل عن فشل عالمي في ضمان العدالة في الوصول إلى الموارد. فالعالم ينتج كميات ضخمة من الغذاء، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في التوزيع، والقدرة الشرائية، والحروب، والاحتكار، والديون، وتدهور أنظمة الحماية الاجتماعية، لذلك، فإن وجود مئات الملايين من الجائعين في عالم قادر على إنتاج الغذاء يطرح سؤالاً حقوقياً وأخلاقياً: لماذا لا يزال الغذاء امتيازاً وليس حقاً مضموناً؟

وتزداد خطورة الصورة عندما ننتقل من الجوع العام إلى سوء التغذية بين الأطفال، ففي عام 2024 كان هناك نحو 150.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من التقزم، و42.8 مليون طفل يعانون من الهزال، بينهم 12.2 مليون طفل في حالة هزال شديد. هذه الأرقام لا تعني ضعفاً جسدياً مؤقتاً فقط، بل تعني أثراً طويل المدى في النمو العقلي والجسدي، وفي القدرة على التعلم، وفي فرص الطفل المستقبلية في الحياة.

سوء التغذية لا يظهر دائماً بوصفه سبباً مباشراً للوفاة، لكنه غالباً يكون العامل الخفي الذي يجعل الأمراض البسيطة قاتلة. الطفل المصاب بسوء التغذية يكون أكثر عرضة للعدوى، وأقل قدرة على مقاومة الإسهال والالتهابات التنفسية والملاريا وغيرها من الأمراض. لذلك، فإن سوء التغذية ليس مجرد حالة صحية، بل خطر بنيوي يهدد الحق في الحياة، خصوصاً في المجتمعات الفقيرة ومناطق النزاع.

منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن ما يقارب نصف وفيات الأطفال دون سن الخامسة يرتبط بنقص التغذية، وغالباً ما تقع هذه الوفيات في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. هذا يعني أن سوء التغذية لا يقتل فقط من خلال الجوع المباشر، بل من خلال إضعاف الجسد وحرمانه من أبسط شروط المقاومة والبقاء.

الحروب تصنع الجوع

الحروب من أخطر العوامل التي تدفع المجتمعات إلى أزمات غذائية حادة. فالنزاع المسلح لا يقتل فقط بالرصاص والقصف، بل يقتل أيضاً عبر تدمير الزراعة، وإغلاق الطرق، ومنع وصول المساعدات، وتفكيك الأسواق، ورفع الأسعار، وتعطيل المستشفيات، وتهجير السكان من أراضيهم ومصادر رزقهم.

وفي مثل هذه السياقات يصبح الغذاء جزءاً من معادلة الحرب، ويصبح المدنيون، خصوصاً الأطفال والنساء والنازحين، أول الضحايا.

في عام 2025 واجه 266 مليون شخص في 47 دولة وإقليماً مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وهي حالات تتطلب تدخلاً عاجلاً لحماية الحياة وسبل العيش، وتؤكد التقارير الدولية أن الأزمات الغذائية الأشد ترتبط غالباً بالنزاعات، والنزوح، والصدمات الاقتصادية، وتغير المناخ، وضعف التمويل الإنساني.

أمثلة على الجوع

تظهر الأزمات الأكثر حدة في الدول والمناطق التي تتقاطع فيها الحرب مع النزوح والفقر وانهيار الخدمات، مثل غزة، الصومال، هايتي، جمهورية الكونغو الديمقراطية، أفغانستان، وسوريا، وهي نماذج قاسية لكيف يمكن أن يتحول الغذاء إلى مسألة بقاء يومية، في هذه السياقات، لا يكون الجوع ناتجاً فقط عن نقص الإنتاج، بل عن انهيار كامل في قدرة الناس على الوصول إلى الغذاء والماء والصحة والحماية.

في السودان يواجه نحو 19.5 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، أي أكثر من 40% من السكان، في ظل استمرار الحرب والنزوح وتعطل الزراعة والاقتصاد.

كما تشير التقديرات إلى أن مئات الآلاف من الأطفال قد يواجهون سوء تغذية حاداً شديداً، ما يجعل الأزمة السودانية واحدة من أخطر أزمات الجوع المعاصرة.

النزوح يضاعف الأزمة

النازح أو اللاجئ لا يفقد منزله فقط، بل يفقد غالباً أرضه، عمله، شبكته الاجتماعية، مصادر دخله، قدرته على التخزين، ووصوله المنتظم إلى الخدمات. ولهذا، فإن النزوح القسري يرتبط مباشرة بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، فالأسر النازحة تكون أكثر اعتماداً على المساعدات، وأكثر عرضة للاستغلال، وأقل قدرة على مواجهة ارتفاع الأسعار أو انقطاع الإمدادات.

في سياقات الأزمات الغذائية، تجاوز عدد النازحين قسراً 85 مليون شخص في عام 2025، منهم النازحون داخلياً واللاجئون وطالبو اللجوء، وهذا الرقم يوضح أن أزمة الغذاء لا تنفصل عن أزمة الحماية، وأن ضمان الحق في الغذاء يتطلب أيضاً حماية المدنيين من النزوح القسري، وتأمين ممرات إنسانية، وضمان وصول المساعدات دون معوقات.

عندما يضعف الغذاء، تضعف الصحة. سوء التغذية يزيد خطر الإصابة بالأمراض، والمرض بدوره يزيد سوء التغذية؛ لأن الجسم المريض يحتاج إلى طاقة ومغذيات أكثر، لكنه في الوقت نفسه قد يفقد الشهية أو يعجز عن امتصاص الغذاء. هذه الدائرة تجعل الأطفال والحوامل وكبار السن وذوي الإعاقة أكثر عرضة للخطر.

وتظهر آثار سوء التغذية في أشكال متعددة: التقزم، الهزال، فقر الدم، نقص الفيتامينات والمعادن، ضعف المناعة، انخفاض الوزن عند الولادة، تراجع التركيز المدرسي، وزيادة احتمالات الإصابة بالأمراض المزمنة في مراحل لاحقة من الحياة، لذلك، فإن معالجة أزمة التغذية لا تكون فقط بتوفير السعرات الحرارية، بل بضمان غذاء متوازن وصحي ومتنوع ومناسب لكل فئة عمرية وصحية.

النساء والأطفال في قلب الأزمة

رغم أن أزمة الغذاء تطول الجميع، فإن أثرها لا يتوزع بالتساوي. النساء، خصوصاً الحوامل والمرضعات، يتحملن عبئاً مضاعفاً؛ لأن سوء تغذيتهن ينعكس مباشرة على صحتهن وعلى صحة الأطفال قبل الولادة وبعدها، وفي كثير من الأزمات تكون النساء آخر من يأكل داخل الأسرة، أو يقللن من غذائهن لتأمين الطعام للأطفال، ما يزيد هشاشتهن الصحية.

أما الأطفال، فهم الأكثر تضرراً لأن أجسادهم وعقولهم في مرحلة نمو. سوء التغذية في السنوات الأولى من الحياة قد يترك آثاراً طويلة لا يمكن تعويضها بالكامل لاحقاً، لذلك، فإن كل تأخير في الاستجابة التغذوية للأطفال ليس مجرد تأخير إداري، بل انتهاك محتمل لحق الطفل في النمو والصحة والبقاء.

وفي كثير من الدول لا تكون المشكلة أن الغذاء غير موجود في الأسواق، بل أن الناس لا يستطيعون شراءه، فارتفاع أسعار الغذاء، وتراجع الدخل، والبطالة، والتضخم، وضعف الحماية الاجتماعية، تجعل الغذاء الصحي خارج قدرة الأسر الفقيرة. وبهذا، يتحول الحق في الغذاء من حق مضمون إلى سلعة مشروطة بالقدرة المالية.

تقرير حالة الأمن الغذائي والتغذية لعام 2025 ركز على أثر تضخم أسعار الغذاء في تقويض قدرة السكان، خصوصاً ذوي الدخل المحدود، على الوصول إلى الغذاء الصحي.

وهذا يعني أن معالجة أزمة التغذية لا يمكن أن تتم فقط عبر المساعدات الطارئة، بل تحتاج إلى سياسات اقتصادية واجتماعية تحمي القدرة الشرائية، وتدعم الأسر الفقيرة، وتضمن توفر الغذاء الصحي بأسعار عادلة.

العدالة تبدأ من المساءلة

من منظور حقوقي، لا يكفي أن نقول إن الجوع مأساة، بل يجب أن نسأل: من المسؤول؟ الدولة مسؤولة عن احترام وحماية وإعمال الحق في الغذاء، وهذا يشمل عدم اتخاذ سياسات تحرم الناس من الغذاء، ومنع الجهات الأخرى من التلاعب بالأسواق أو احتكار الغذاء، واتخاذ تدابير فعلية لضمان وصول الفئات الأكثر هشاشة إلى الغذاء الكافي.

كما يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية خاصة في حالات الحروب والكوارث، من خلال تمويل الاستجابة الإنسانية، وحماية الممرات الآمنة، والضغط لعدم استخدام التجويع أو الحصار أو عرقلة المساعدات أدوات في النزاعات، فالحق في الغذاء لا يسقط أثناء الحرب، بل يصبح أكثر إلحاحاً، وحماية المدنيين تعني أيضاً حماية خبزهم ومياههم ودوائهم.

الاستجابة لأزمات التغذية يجب ألا تظل محصورة في توزيع المساعدات الغذائية، رغم أهميتها في حالات الطوارئ، المطلوب هو بناء أنظمة قادرة على الوقاية: أنظمة زراعية أكثر صموداً، شبكات حماية اجتماعية، برامج تغذية مدرسية، دعم للأمهات والأطفال، خدمات صحية قادرة على الكشف المبكر عن سوء التغذية، وسياسات تحمي أسعار الغذاء الأساسي من التقلبات الحادة.

كما يجب الاستثمار في البيانات والإنذار المبكر، فالمجاعة لا تحدث فجأة؛ بل غالباً تكون هناك مؤشرات واضحة قبل الانهيار.. ارتفاع أسعار، نزوح، نقص مياه، تراجع محاصيل، زيادة أمراض، وانخفاض وصول المساعدات. وتجاهل هذه المؤشرات يحول الأزمة من وضع قابل للاحتواء إلى كارثة إنسانية وحقوقية.