تنبش عشرات النساء المستنقعات تحت أبراج التبريد في محطة مازاتلان لتوليد الطاقة بولاية سينالوا المكسيكية، باحثات عن أي أثر يقود إلى جثة مدفونة، تربة مقلوبة، أو رائحة متحللة، أو عظمة بشرية عالقة بين جذور أشجار المانغروف.. لا تبحث هؤلاء النساء عن كنز مفقود، بل عن أبناء وأزواج وإخوة اختفوا وسط حرب دامية بين عصابات الجريمة المنظمة، في واحدة من أكثر أزمات الاختفاء القسري اتساعاً في أمريكا اللاتينية.
ووفقاً لصحيفة “الغارديان” تنتمي هذه النساء إلى مجموعة “قلوب متحدة من أجل قضية واحدة”، وهي واحدة من مئات مجموعات البحث التي أسستها عائلات المفقودين في أنحاء المكسيك، بعد سنوات من فشل السلطات في كشف مصير عشرات الآلاف من المختفين، لكن رحلة البحث نفسها تحولت إلى تهديد مباشر للحياة، بعدما أصبحت النساء اللواتي يفتشن عن المقابر السرية أهدافاً للقتل والاختفاء.
قالت قائدة المجموعة نعومي باديلا التي تلقت تهديدات بالاختفاء القسري، إن المجموعة تعرضت “لضربتين قاسيتين” بعد مقتل إحدى الباحثات واختفاء أخرى، مضيفة: “ولا أدري إن كانت هذه بمنزلة تحذير”.
كشف التقرير أن عدد الأشخاص المسجلين مفقودين في المكسيك تجاوز 130 ألف شخص خلال العقدين الماضيين، في ظل تصاعد عنف جماعات الجريمة المنظمة التي تلجأ إلى التجنيد القسري والقتل والإخفاء وحرق الجثث أو إذابتها بالأحماض لإخفاء آثار الجرائم وبث الرعب داخل المجتمع.
اتهمت لجنة تابعة للأمم المتحدة، قوات أمن حكومية بالتورط في بعض حالات الاختفاء، ووصفت تلك الانتهاكات بأنها قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، في حين رفضت الحكومة المكسيكية التقرير ووصفته بأنه “متحيز”.
أظهرت الوقائع أن دائرة العنف لم تعد تقتصر على الضحايا أنفسهم، بل امتدت إلى أقاربهم الذين تحولوا إلى أهداف مباشرة بسبب محاولاتهم البحث عن الحقيقة.
ووفقاً لمنظمة “المادة 19” الحقوقية، قتل أو اختفى ما لا يقل عن 44 شخصاً من الباحثين عن المفقودين منذ عام 2010، معظمهم من النساء.
أوضحت الباحثة في “المادة 19″، جيسيكا ألكازار، أن وتيرة الاعتداءات تصاعدت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، إذ سجلت 18 حادثة بين عامي 2018 و2024 في عهد الرئيس السابق أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، ثم وقعت 15 حادثة أخرى خلال 19 شهراً فقط منذ تولي الرئيسة الحالية كلوديا شينباوم السلطة.
وأضافت ألكازار: “كان عام 2025 الأكثر دموية حتى الآن، حيث شهد سبع جرائم قتل وأربع حالات اختفاء”، معتبرة أن الرسالة الموجهة إلى عائلات المفقودين باتت واضحة: “إذا واصلتم البحث، فسنقتلكم أو نخفيكم أنتم أيضاً”.
مقابر مفتوحة
استدعت مجموعة البحث القلق عندما تغيبت روبي باتريشيا غوميز عن اجتماع في نهاية فبراير، ما دفع أعضاء المجموعة إلى التوجه نحو منزلها، وروت لورا إيفون فالديس التي تبحث عن عمها ريكاردو راميريز أوريبي، تفاصيل اللحظة: “أتذكر صعودي الدرج وأنا أنادي باسمها.. كان الباب موارباً.. وهكذا وجدتها”.
وجدت غوميز مقتولة بعد تعرضها لـ14 طعنة، في حين سارعت السلطات في المكسيك إلى اعتقال رجل قالت إنه كان يعرفها وذهب لتحصيل دين قبل أن يقتلها، لكن فالديس أكدت أن كثيراً من الأسئلة بقيت بلا إجابة، مشيرة إلى أن غوميز لم تتحدث يوماً عن ديون أو تهديدات.
جاء ذلك بعد أشهر من اختطاف ماريا دي لوس أنخيليس فالينزويلا، إحدى مؤسسات المجموعة، من منزلها على يد رجلين مسلحين اقتاداها قسراً داخل سيارة، لتتحول هي الأخرى إلى مفقودة جديدة.
قالت باديلا التي اختفى ابنها خوان كارلوس ريفيرا باديلا عام 2019: “الآن نبحث عنها أيضاً”.
واصلت النساء عمليات الحفر في المستنقعات المحيطة بمحطة الطاقة، بعدما سبق أن كشفت تلك المنطقة عن رفات بشرية في مرات سابقة، وعندما عثر على عظمة ذراع بين جذور المانغروف، تجمعن حول الحفرة وبدأن البحث عن أي علامة أخرى.
سألت النساء بعضهن: “هل تشعرين بأن التربة مفككة؟ هل لها رائحة؟”، في حين وضعت ماريا دي لوس أنخيليس بيرنال التي تبحث عن ابنها إيمانويل غاراي بيرنال، شمعة كهربائية تحمل صورة القديس يهوذا بجوار العظمة المكتشفة.
أكدت بيرنال أن اختفاء الشباب تصاعد منذ اندلاع الحرب بين فصائل كارتل سينالوا في سبتمبر 2024: “بدؤوا بإخفاء الكثير من الشباب آنذاك، ولم يتوقف الأمر منذ ذلك الحين”، وأضافت: “في البداية رفضت تصديق ذلك، لكن ربما جند قسراً”.
خلفت الحرب بين الفصائل في المكسيك أكثر من 6000 قتيل ومفقود حتى الآن، بحسب “الغارديان” في وقت تعيش فيه عائلات المختفين حالة دائمة من القلق والترقب.
قالت باديلا: “لا نعلم إن كان أبناؤنا على قيد الحياة، أو إن كانوا يجبرون على العمل”، مضيفة: “كلما تناولنا الطعام، تساءلنا إن كانوا قد تناولوا طعامهم.. عندما يشتد الحر، نتساءل إن كان لديهم ماء.. عندما تمطر، نتساءل إن كان لديهم مأوى”.
حماية غائبة
رافقت الشرطة والجنود فرق البحث خلال عملها الميداني، لكن الخطر الحقيقي يبدأ بعد انتهاء عمليات التنقيب، عندما تعود النساء إلى الأحياء نفسها التي اختفى فيها أقاربهن، حيث يصبحن أكثر عرضة للاستهداف.
منحت السلطات لاحقاً نعومي باديلا ولورا إيفون فالديس حماية حكومية شملت تركيب كاميرات مراقبة في المنازل والسيارات، وتوفير رقم هاتف للطوارئ، إضافة إلى دوريات أمنية متقطعة تمر على منازلهما لفترات محدودة.
لكن الباحثتين أكدتا أن تلك التدابير غير كافية، سواء لهما أو لبقية أعضاء المجموعة، وطالبتا بتوفير وسائل حماية فعلية، بينها أجهزة إنذار يمكن استخدامها لإبلاغ السلطات فور التعرض للخطر.
شددت ألكازار على أن حماية الباحثين لا تتوقف عند توفير الحراسة، بل تتطلب أيضاً محاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحقهم.
وقالت: “لكن للأسف، لم يعاقب معظم من وثقناهم”، مضيفة أن هناك “غياباً للإرادة السياسية لضمان حمايتهم فعلياً، أو حتى الاعتراف بما يحدث لهم”.
أحجمت المؤسسة الفيدرالية المكسيكية المسؤولة عن حماية المدافعين عن حقوق الإنسان عن الرد على طلب إجراء مقابلة، وفق ما أوردته “الغارديان”.
واصلت المجموعة الحفر بعد ذلك، حتى وصلت إلى عمق نصف متر، دون العثور على شيء سوى التراب والجذور والصخور.. قالت بيرنال في نهاية يوم البحث الطويل: “بالطبع نحن خائفون، في ظل الوضع الراهن في سينالوا، لا يمكن الوثوق بأحد”، ثم أضافت السؤال الذي يلخص مأساة آلاف العائلات المكسيكية: “ولكن إن لم نبحث عنهم، فمن سيفعل؟”
