منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العودة لا تعني انتهاء النزوح.. الكرامة هي الاختبار الحقيقي في لبنان

11 أغسطس 2026
لبنان يواجه أزمة نزوح بسبب الحرب
لبنان يواجه أزمة نزوح بسبب الحرب

بعد أن تنتهي المعارك يعود الناس إلى قراهم، لكن الحروب لا تغادر الأماكن بالسرعة نفسها، فالمنزل الذي تهدم والمدرسة التي أغلقت والمستشفى الذي توقف عن العمل والرزق الذي انقطع، كلها تجعل العودة بداية لامتحان جديد، لا نهاية للمحنة.

ويعني هذا أن نجاح العودة لم يعد يقاس بعدد النازحين الذين عادوا إلى مناطقهم، بل بقدرتهم على استعادة حياة تحفظ كرامتهم وتمنحهم أسباب البقاء، فلا يتحول الرجوع إلى محطة مؤقتة تسبق نزوحاً جديداً.

وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن أكثر من 741 ألف نازح داخلي عادوا إلى مناطقهم في لبنان، في حين لا يزال نحو 413 ألف شخص في حالة نزوح، وهو ما يعكس استمرار الاحتياجات الإنسانية رغم تزايد أعداد العائدين.

وتلفت المنظمة إلى أن كثيراً من العائدين ما زالوا يواجهون تحديات تتعلق بتضرر المساكن، وضعف خدمات المياه والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم، إضافة إلى محدودية فرص العمل؛ ما يجعل استقرارهم مرهوناً باستعادة مقومات الحياة الأساسية، لا بمجرد العودة إلى مناطقهم.

العودة تكتمل باستعادة الحياة

تنظر المبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي في لبنان إلى العودة بوصفها حقاً يجب أن يكون طوعياً وآمناً وكريماً.

ولا يتحقق هذا الحق بمجرد انتقال النازحين إلى مناطقهم الأصلية، بل عندما يصبحون قادرين على العيش فيها بصورة مستقرة، من خلال الحصول على السكن الملائم، والخدمات الأساسية، والأمن، والعمل، والتعليم، والرعاية الصحية.

إعادة الإعمار، وإزالة آثار الحرب، وتعويض المتضررين، وإعادة تشغيل المرافق العامة، ليست خطوات إنمائية فحسب، بل شروط أساسية لضمان أن تتحول العودة إلى استقرار دائم، لا إلى تجربة قابلة للانهيار مع أول أزمة جديدة.

استعادة مقومات الحياة

يرى المحلل السياسي اللبناني طارق أبو زينب أن عودة النازحين لا ترتبط بعامل واحد، وإنما بمجموعة مترابطة من العوامل الاقتصادية والخدمية والأمنية والسياسية.

ويقول أبو زينب في حديثه لـ”صفر” إن الرغبة في العودة لا تكفي إذا بقيت الكهرباء، والمياه، والرعاية الصحية، والتعليم، وفرص العمل، خارج متناول السكان؛ لأن العودة في هذه الحالة ستظل هشة وغير مستقرة.

ويضيف أن استمرار التحديات الأمنية أو غياب الاستقرار السياسي في بعض المناطق يجعل كثيراً من الأسر تتردد في العودة، أو تعود ثم تجد نفسها مضطرة إلى النزوح مرة أخرى.

ويرى أبو زينب أن الأولوية يجب أن تنصب على إعادة تأهيل البنية التحتية، واستعادة الخدمات العامة، وتعزيز سيادة القانون، إلى جانب توثيق التعاون بين الحكومة اللبنانية والمنظمات الدولية، ما يضمن عودة آمنة وطوعية وكريمة، ويدعم في الوقت نفسه المجتمعات المضيفة ومناطق العودة.

مسؤولية الدولة تبدأ بعد العودة

يؤكد القانوني أحمد زقيبة أن عودة النازحين داخلياً لا تعني انتهاء مسؤولية الدولة، بل تمثل بداية مرحلة جديدة من الالتزامات التي تفرضها قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والمبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي.

ويشير زقيبة في حديثه لـ”صفر” إلى أن السلطات تظل ملزمة بضمان أن تكون العودة طوعية وآمنة وكريمة، مع توفير الحماية القانونية للعائدين، وضمان حصولهم على السكن الملائم، والخدمات الأساسية، ووسائل كسب الرزق، من دون تمييز.

ويؤكد أن الحق في العودة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحق في الكرامة الإنسانية، ولا يكتمل بمجرد الوصول إلى مكان الإقامة، بل باستعادة الحقوق في السكن، والصحة، والتعليم، والعمل، والحماية، إلى جانب التعويض وجبر الضرر عن الممتلكات المتضررة أو المفقودة.

ويرى القانوني زقيبة أن تحقيق عودة مستدامة يتطلب إزالة مخلفات الحرب، وإعادة الخدمات العامة، وإشراك المجتمعات المحلية في خطط التعافي، ما يمنع تكرار النزوح ويعيد الثقة بالمستقبل.

عندما تعود الحياة.. ينجح السلام

العودة ليست رحلة تنتهي عند باب المنزل، بل تبدأ منه. فالمكان الذي يخلو من المدرسة، والمستشفى، وفرصة العمل، والأمان، يبقى عاجزاً عن احتضان من عادوا إليه، مهما ارتفعت أعداد العائدين.

لذلك، فإن نجاح مرحلة ما بعد النزاع لا يقاس بسرعة عودة السكان، بل بقدرة الدولة والمجتمع على إعادة الحياة إلى الأماكن التي أنهكتها الحرب.

وعندما يستعيد الإنسان حقه في السكن، والعمل، والتعليم، والعلاج، تصبح العودة أكثر من انتقال جغرافي؛ تصبح استعادة للكرامة، وإعلاناً حقيقياً بأن الحرب انتهت.