منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العطش وحقوق الإنسان.. كيف يهدد الجفاف حياة ملايين الإثيوبيين؟

28 مايو 2026
العطش يهدد ملايين الأشخاص في إثيوبيا
العطش يهدد ملايين الأشخاص في إثيوبيا

البحث عن الماء في بعض مناطق إثيوبيا لم يعد مهمة يومية شاقة فقط، بل معركة مرتبطة بالبقاء نفسه، فالجفاف لم يعد أزمة بيئية عابرة أو تحديا تنمويا محدودا، بل تحوّل إلى عامل يهدد قدرة ملايين السكان على الوصول إلى أبسط حقوقهم الأساسية، من المياه الآمنة والغذاء والرعاية الصحية إلى التعليم والعيش الكريم.

ومع تكرار موجات الجفاف وتراجع معدلات هطول الأمطار في عدد من الأقاليم الإثيوبية، برزت آثار مباشرة على المجتمعات المعتمدة على الزراعة والرعي، خاصة في المناطق الجنوبية والشرقية، حيث باتت ندرة المياه ترتبط بصورة متزايدة بالنزوح وتفاقم الفقر وتراجع الخدمات الأساسية.

يركز هذا التقرير على إثيوبيا باعتبارها واحدة من أكثر الدول الإفريقية تأثرا بتداخل التغير المناخي مع الهشاشة الاقتصادية وضعف البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، كما أن اعتماد قطاعات واسعة من السكان على الزراعة والرعي يجعل آثار الجفاف أكثر حدة على الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، ويحوّل أزمة المياه من قضية بيئية إلى ملف يرتبط مباشرة بحقوق الإنسان والحماية الإنسانية.

حين تتحول البيئة إلى أزمة حقوق

شهدت إثيوبيا خلال السنوات الأخيرة موجات جفاف متكررة أثرت بصورة كبيرة على المجتمعات الزراعية والبدوية.

ووفق بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف”، أدى استمرار نقص الأمطار وتراجع مصادر المياه إلى زيادة الضغط على المجتمعات المحلية وتفاقم الاحتياجات الإنسانية، بالتزامن مع النزوح الداخلي وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الإنسانية إلى وجود أكثر من 1.9 مليون نازح داخلي داخل البلاد، يعيش جزء كبير منهم في ظروف تتأثر مباشرة بندرة المياه وضعف البنية التحتية للخدمات.

وفي إقليم الصومال الإثيوبي أظهرت تقييمات إنسانية حديثة أن أكثر من 350 ألف شخص في منطقة دولو أدو تأثروا بفقدان الوصول إلى مصادر المياه نتيجة جفاف عدد من الآبار والبرك الموسمية التي كانت تمثل مصدرًا رئيسيًا للمياه للسكان المحليين.

أرقام تكشف عمق الأزمة

تكشف البيانات الحديثة حجم التحديات المرتبطة بالمياه والصرف الصحي في إثيوبيا، ووفق “اليونيسف”، فإن نحو 49.6 بالمئة فقط من السكان لديهم إمكانية الوصول إلى خدمات مياه أساسية، بينما لا تتجاوز نسبة الوصول إلى خدمات الصرف الصحي الأساسية 8.9 بالمئة، كما ترتبط ما بين 60 و80 بالمئة من المشكلات الصحية في البلاد بضعف الوصول إلى المياه الآمنة وخدمات النظافة والصرف الصحي.

وتشير البيانات كذلك إلى أن الإسهال ما يزال ثاني أبرز أسباب وفاة الأطفال دون سن الخامسة، ويتسبب بأكثر من 25 ألف وفاة سنويا، في حين يستمر نحو 38 بالمئة من سكان المناطق الريفية في ممارسة التغوط في العراء نتيجة ضعف البنية التحتية.

وفي المقابل، أظهرت تقارير الاستجابة الإنسانية أن برامج المياه والصرف الصحي خلال عام 2025 تمكنت من دعم أكثر من 2.3 مليون شخص للوصول إلى مياه آمنة، إلا أن الاحتياجات الإنسانية لا تزال أكبر من حجم الاستجابة المتاحة.

الماء كحق لا كخدمة

اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2010 بالحصول على المياه المأمونة وخدمات الصرف الصحي باعتباره حقا من حقوق الإنسان، لكن الوصول إلى المياه الآمنة في إثيوبيا بات أكثر هشاشة تحت ضغط الجفاف وتراجع الموارد.

فعلى مستوى الحق في الصحة أدى ضعف الوصول إلى المياه النظيفة إلى زيادة مخاطر الأمراض المرتبطة بالمياه وسوء التغذية، خاصة بين الأطفال والفئات الأكثر هشاشة.

كما تأثر الحق في الغذاء نتيجة تراجع الإنتاج الزراعي ونفوق أعداد من الماشية في المجتمعات المعتمدة على الرعي، ما زاد من معدلات انعدام الأمن الغذائي.

وانعكس نقص المياه أيضا على الحق في التعليم، إذ اضطرت بعض الأسر إلى تخصيص وقت أطول لجلب المياه أو الانتقال المؤقت بحثًا عن مصادر بديلة، ما أثر على انتظام الأطفال في المدارس، كما أسهمت الأزمة في زيادة الهشاشة الاقتصادية وتعميق الفقر وارتفاع الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

أزمة تتجاوز نقص الموارد

يرى الخبير في القانون الدولي الدكتور خالد العلوني، أن استمرار أزمة المياه في إثيوبيا يكشف أن آثار الجفاف لا تقف عند حدود البيئة أو الموارد الطبيعية، بل تمتد إلى جوهر التزامات حماية الإنسان وكرامته، لأن كل تراجع في الوصول إلى المياه الآمنة ينعكس على سلسلة مترابطة من الحقوق تبدأ من الصحة والغذاء ولا تنتهي عند التعليم والاستقرار الاجتماعي.

ويؤكد العلوني، في حديثه لـ«صفر»، أن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تقتصر على التدخلات الطارئة، بل تتطلب سياسات طويلة الأمد تركز على العدالة في توزيع الموارد وتطوير البنية التحتية للمياه وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع آثار التغير المناخي.

ويشير إلى أن الجفاف والضغوط البيئية في الدول الهشة تتحول تدريجيًا إلى تحديات تمس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وترفع مستويات الفقر والهشاشة داخل المجتمعات المعتمدة على الزراعة والموارد الطبيعية.