خلال ساعتين، خسر العراقي حيدر كاظم مشروع تربية الأسماك الذي أمضى عاماً ونصف العام في بنائه، ففي قضاء الزبيدية بمحافظة واسط، اضطر الأب لثمانية أبناء إلى دفن نحو 300 طن من الأسماك بعدما نفقت إثر وصول مياه ملوثة إلى الأحواض المرتبطة بنهر دجلة.
وقال كاظم لوكالة فرانس برس إن خسائره تجاوزت مليون دولار، وإنه لم يتلقَّ تحذيراً مسبقاً من وصول المياه الملوثة. ولم تكن خسارته فردية؛ إذ تجاوز نفوق الأسماك في واسط ألف طن خلال أبريل/نيسان 2026، وفق مدير زراعة المحافظة أركان الشمري، في كارثة مست حق العاملين في القطاع بحماية مصادر رزقهم والحصول على المعلومات والإنصاف.
وبعد ستة أشهر، عاد دجلة إلى واجهة الجدل إثر تصريحات لوزيرة البيئة العراقية سروة عبد الواحد في 8 أكتوبر/تشرين الأول، تحدثت فيها عن إلقاء مخلفات مستشفيات غير معالجة في النهر، وربطت مخاوفها من تناول الأسماك باحتمال احتواء تلك المخلفات على دماء مرضى مصابين بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV).
وأثارت التصريحات مخاوف المستهلكين وأربكت أسواق الأسماك، لكنها أعادت طرح سؤال أوسع: من يلوث النهر؟ ومن يتحمل مسؤولية حماية صحة العراقيين وأرزاقهم؟

الفيروس لا ينتقل عبر الأسماك
وفق منظمة الصحة العالمية، لا ينتقل فيروس نقص المناعة البشرية عبر الطعام أو مياه الشرب، وإنما من خلال سوائل جسدية محددة وفي ظروف تسمح بانتقال العدوى. كما ينبغي التمييز بين الفيروس ومتلازمة نقص المناعة المكتسب «الإيدز».
لكن نفي انتقال الفيروس عبر الأسماك لا يعني سلامة المياه الملوثة أو صلاحية جميع الأسماك للاستهلاك. فالمخاطر الفعلية ترتبط بنوع الملوثات وتركيزاتها، ومنها الملوثات الميكروبية والكيميائية.
ويؤكد الدكتور محمد الزرقا، الخبير الدولي في المواد الكيميائية والمخلفات الخطرة، في تصريح خاص لـ«صفر»، أن تقييم الخطر يتطلب قياسات مخبرية تحدد طبيعة الملوث وتركيزه. فوجود مادة ملوثة لا يعني بالضرورة بلوغها مستوى خطراً، كما أن جريان المياه وتخفيف تركيز الملوثات لا يكفيان لإثبات سلامتها.
ويشدد على ضرورة تجنب التحذيرات التي تثير الذعر دون أدلة علمية، وإخضاع مخلفات المستشفيات للمعالجة والرقابة قبل تصريفها.

ملايين الأمتار المكعبة من الصرف
في 27 أغسطس/آب 2026، قال أمير الحسون، مدير عام دائرة التوعية والإعلام في وزارة البيئة، لشبكة رووداو إن نحو ستة ملايين متر مكعب من المخلفات ومياه الصرف ترصد يومياً في دجلة والفرات، بينها ما لا يقل عن 1.5 مليون متر مكعب من مياه الصرف غير المعالجة التي تطرحها المؤسسات البلدية في بغداد في دجلة. وأكدت الوزيرة الرقم الأخير مجدداً في سبتمبر/أيلول.
وأعلن مرصد العراق الأخضر رصد قرابة 500 مصدر تلوث دائم على امتداد دجلة وروافده، بينها 23 بؤرة حادة في بغداد، تشمل مصبات للصرف الصحي ومخلفات طبية وصناعية ومخلفات محطات الطاقة.
وتتفاقم المخاطر مع شح المياه وانخفاض تدفق النهر، ما يزيد تركيز الملوثات ويهدد مستويات الأكسجين الذائب الضروري لبقاء الأسماك.
وفي كارثة أبريل/نيسان، تحركت إطلاقات مائية من اتجاه سد حمرين عقب أمطار غزيرة نحو نهر ديالى، حاملة ترسبات ومخلفات باتجاه التقائه بدجلة. وأظهرت صور أقمار صناعية حللتها فرانس برس تغيراً في لون المياه، في حين ربطت تقارير فنية النفوق بالتلوث وانخفاض الأكسجين.
في المقابل، أوضحت وزارة الموارد المائية أن زيادة الإطلاقات استهدفت تحسين جودة المياه وتخفيف تركيز الملوثات، معتبرة أن أصل المشكلة يكمن في استمرار ضخ مياه المجاري غير المعالجة في نهر ديالى. ويبقى تحديد أسباب النفوق المباشرة مرهوناً بنتائج الفحوص والتحقيقات الفنية.

المسؤولية بين الوزارات وأمانة بغداد
عقب تصريحات وزيرة البيئة، اتفقت وزارتا البيئة والصحة على نفي انتقال فيروس نقص المناعة البشرية عبر الأسماك والمياه، لكن الخلاف استمر بشأن مصادر المخلفات.
وأعلنت وزارة البيئة حالة الطوارئ البيئية في 15 أكتوبر/تشرين الأول، وإطلاق منصة إلكترونية لتلقي بلاغات التلوث وتوثيق المخالفات وربطها بالإجراءات القانونية.
في المقابل، نفت وزارة الصحة طرح مخلفات مؤسساتها في الأنهار. وقال متحدثها سيف البدر إن مياه الصرف في مدينة الطب تتجه عبر الشبكة الرئيسة إلى محطة الرستمية، وإن محطة «T1» في باب المعظم تتبع أمانة بغداد ولا تستقبل مياه المؤسسات الصحية.
أما المتحدث باسم أمانة بغداد عدي الجنديل، فأوضح لوكالة الأنباء العراقية أن محطات نهرية قديمة أنشئت لتصريف مياه الأمطار، قبل أن يؤدي التوسع السكاني والتجاوزات إلى ربط خطوط صرف صحي بها.
وأشار إلى افتتاح سبع وحدات معالجة في الرستمية بطاقة تصميمية تبلغ 105 آلاف متر مكعب يومياً، وصيانة خطوط بينها «T1»، في حين يواجه مشروع «بديل قناة الشرطة» بطاقة 1.2 مليون متر مكعب يومياً ومشروع «البوعيثة» بطاقة 305 آلاف متر مكعب يومياً تعثرا بسبب نقص التخصيصات. وحذر من إغلاق المصبات دون بدائل عاملة خشية غرق شوارع بغداد بالمياه العادمة.
إجراءات رقابية تنتظر التنفيذ
في 24 سبتمبر/أيلول، صوت مجلس النواب على توصيات لجنة الأمر النيابي رقم 63 لسنة 2026، المكلفة بالتحقيق في تلوث دجلة والفرات وتحديد المقصرين وتعويض المتضررين.
وقال رئيس اللجنة النائب يوسف الكلابي إنها اطلعت على تقارير رسمية لدائرة الصحة العامة تشير إلى عدم صلاحية مياه الشرب في مناطق جنوبي بغداد للاستهلاك البشري، معلناً التوجه إلى تشديد العقوبات البيئية.
وفي أكتوبر/تشرين الأول، أقرت اللجنة الوطنية العليا للمياه إجراءات لمعالجة مصادر تلوث نهر ديالى وملاحقة المتسببين، وإلزام المحافظات بإنشاء محطات المعالجة وتشغيلها تحت رقابة وزارة البيئة.
لكن أثر هذه الإجراءات يتوقف على التنفيذ، وإعلان نتائج الفحوص، وتحديد المسؤوليات بصورة يمكن للسكان والمتضررين الاطلاع عليها.
الحق في المياه الآمنة والتعويض
يقول مصطفى سعدون، رئيس المرصد العراقي لحقوق الإنسان، لـ«صفر»، إن تلويث المياه يمس حقوق العراقيين الدستورية، مشيراً إلى أن المادة 33 تكفل الحق في بيئة سليمة وتلزم الدولة بحمايتها، في حين تكفل المادة 31 الحق في الرعاية الصحية.
ويوضح أن قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009 يرتب المسؤولية عن الضرر البيئي، وأن مادته السادسة عشرة تحظر تصريف المخلفات السائلة إلى الموارد المائية دون معالجتها وفق المحددات الوطنية.
ويؤكد أن الصيادين ومربي الأسماك يستطيعون المطالبة بالتعويض قضائياً متى ثبت ارتباط خسائرهم بمصدر تلوث محدد، وهو ما يستلزم تحاليل رسمية للمياه والأسماك وتوثيقاً للخسائر. وينتقد ضعف الرقابة وعدم إعلان نتائج التحقيقات الفنية، ما يصعب وصول المتضررين إلى الإنصاف.
بالنسبة إلى حيدر كاظم، لا تنتهي الكارثة بدفن 300 طن من الأسماك؛ فحقه في معرفة مصدر التلوث، والحصول على نتائج الفحوص، والمطالبة بالتعويض إذا ثبتت المسؤولية، لا تقل أهمية عن الإجراءات التي يفترض أن تمنع تكرار خسارته.
حماية دجلة لا تتحقق بنفي انتقال فيروس لا ينتقل عبر الطعام أو المياه، بل بمنع وصول المخلفات غير المعالجة إليه، واستكمال مشاريع المعالجة، وإعلان نتائج الرقابة ومحاسبة المقصرين، فحق العراقيين في مياه آمنة يجب أن تحميه المؤسسات قبل وقوع الكارثة، لا أن تبدأ مساءلتها بعد دفن الأسماك النافقة.
