منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العدالة في سوريا.. كيف يمكن بناء مساءلة جنائية بعد عقود من الإفلات من العقاب؟

15 مايو 2026
مطالبات في سوريا لتحقيق العدالة ومنع الإفلات من العقاب
مطالبات في سوريا لتحقيق العدالة ومنع الإفلات من العقاب

لم تعد قضية المساءلة الجنائية في سوريا مجرد مطلب حقوقي ترفعه منظمات المجتمع المدني، بل أصبحت سؤالًا مركزيًا يتعلق بشكل الدولة نفسها بعد أكثر من نصف قرن من الحكم الاستبدادي، وأربعة عشر عامًا من النزاع والانتهاكات الجسيمة.

وفي هذا السياق، أعاد صدور تقرير “مسارات المساءلة الجنائية في سوريا” فتح النقاش حول الكيفية التي يمكن بها للسوريين بناء مسار محاسبة فعلي، لا يقتصر على معاقبة المسؤولين عن الجرائم، بل يمتد إلى إعادة الثقة بالقضاء، وحماية حقوق الضحايا، ومنع تكرار الانتهاكات في المستقبل.

ويكتسب هذا النقاش زخمًا إضافيًا مع إقرار السلطات السورية، في مايو 2025، إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ومع دعوات أممية متكررة لوضع العدالة وحقوق الإنسان في صلب المرحلة الانتقالية.

المساءلة ليست تفصيلًا

تنبع أهمية المساءلة الجنائية في سوريا من حجم الجرائم التي تراكمت منذ عام 2011، ومن قبلها إرث طويل من القمع المؤسسي، فوفق تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا الصادر في مارس 2026، فإن حجم انتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان كان هائلًا.

وشمل مئات الآلاف من حالات الاعتقال التعسفي والإخفاء، فيما ارتُكبت تقريبًا كل أنماط جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية الواردة في نظام روما الأساسي.

وترى اللجنة أن الانتقال السياسي في سوريا لا يمكن أن ينجح من دون تحقيق متزامن لأهداف أساسية، من بينها المساءلة عن الانتهاكات الواسعة، والإصلاح المؤسسي، واستعادة سيادة القانون.

وبهذا المعنى، فإن جوهر القضية لا يتعلق فقط بمحاكمة أفراد، بل ببناء منظومة عدالة جديدة قادرة على التعامل مع إرث الانتهاكات البنيوية، ولهذا يشدد تقرير “مسارات المساءلة الجنائية في سوريا” على أن العدالة الجنائية ليست غاية منفصلة، بل ركيزة ضمن تعافٍ وطني أوسع، هدفه ردع الجرائم المستقبلية، واستعادة ثقة السوريين بالمؤسسات الرسمية، وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب التي طبعت الحياة العامة في البلاد لعقود.

لماذا الآن؟

توقيت هذا النقاش ليس عرضيًا، فمن جهة، اتخذت السلطات السورية خطوة رسمية بإنشاء هيئة وطنية مستقلة للعدالة الانتقالية في 17 مايو 2025، وحدد مرسوم تأسيسها أهدافًا واضحة تشمل كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها النظام السابق، ومحاسبة المسؤولين عنها بالتنسيق مع الجهات المعنية، وتعويض الضحايا، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية.

كما أكد رئيس الهيئة لاحقًا أن أولوياتها تشمل الحقيقة، والمساءلة، والإنصاف والتعويض، مع إعطاء الضحايا وعائلاتهم دورًا محوريًا في العملية.

ومن جهة أخرى، تقول لجنة التحقيق الأممية إن سوريا بدأت بالفعل ما وصفته بـ”انتقال واسع”، بما في ذلك إنشاء هيئتين وطنيتين جديدتين بشأن العدالة الانتقالية والمفقودين، إلى جانب لجان تحقيق وطنية في أعمال القتل الجماعي التي شهدتها مناطق ساحلية ووسطى وجنوبية في عام 2025.

لكن اللجنة تحذر في الوقت نفسه من أن هذه الخطوات الأولية لا تكفي ما لم تترافق مع إصلاح فعلي للأمن والقضاء، ومحاسبة جدية تطول المنفذين والمسؤولين الأعلى رتبة على حد سواء.

أي عدالة تحتاج إليها سوريا؟

أحد أبرز عناصر الجدل يتمثل في شكل الآلية القضائية الأنسب، فالتقرير المدني الجديد لا يطرح وصفة وحيدة، بل يعرض عدة خيارات يمكن البناء عليها: محكمة محلية خاصة، أو محكمة مختلطة تضم قضاة محليين ودوليين، أو نهج متعدد المستويات يجمع بين الآليات الوطنية والدولية.

ويُفاضل التقرير بين هذه النماذج استنادًا إلى جدواها القانونية، ومتطلباتها المؤسسية، ومدى اتساقها مع الواقع السوري السياسي والاجتماعي، كما يناقش خيارات تحديد الولاية الزمنية والموضوعية والشخصية، واستراتيجيات الملاحقة القضائية، وكيفية ترتيب الأولويات بين الكم الهائل من الجرائم والضحايا والمتهمين.

هذا الطرح يعكس مشكلة حقيقية؛ سوريا لا تواجه ملفًا جنائيًا عاديًا، بل إرثًا معقدًا من الجرائم الجماعية، وتعدد الجهات المتورطة، وتفاوت قدرات المؤسسات المحلية، لذلك يبدو الحديث عن آلية واحدة شاملة أمرًا صعبًا من الناحية العملية، وهو ما يفسر تصاعد الاهتمام بخيارات العدالة المختلطة أو المتعددة المستويات، باعتبارها قد تسمح بتوزيع الأدوار بين القضاء الوطني والدعم الدولي، مع الحفاظ على الملكية السورية للمسار.

إصلاح القضاء نفسه

المعضلة الأهم في ملف المساءلة لا تكمن فقط في جمع الأدلة أو تحديد المسؤولين، بل في حالة النظام القضائي نفسه، فالتقرير يؤكد وجود ثغرات قانونية وهيكلية رئيسية، من بينها غياب إطار قانوني واضح للجرائم الدولية في التشريع السوري، وضعف استقلال القضاء، ووجود حواجز قائمة على النوع الاجتماعي تحد من المشاركة الكاملة للنساء في عمليات العدالة والمساءلة، ولذلك يربط التقرير بين المحاسبة وبين إصلاحات دستورية وقانونية ومؤسسية يجب أن تسير بالتوازي معها.

وتتقاطع هذه الخلاصة مع موقف لجنة التحقيق الأممية، التي شددت في مارس 2026 على الحاجة الملحة إلى إصلاح شامل للقطاع الأمني والقضائي، إلى جانب نزع السلاح، والتسريح، وإعادة الإدماج، وتدقيق أوضاع العناصر الأمنية، وتدريبهم على حقوق الإنسان.

وترى اللجنة أن سنوات الانتهاكات التي ارتكبتها القوات الحكومية السابقة والجماعات المسلحة غير الحكومية أدت إلى تآكل عميق في الثقة العامة، وأن استعادة هذه الثقة لن تتم من دون قضاء مستقل وبيئة قانونية عادلة.

الضحايا في صلب المسار

من الناحية الحقوقية، لا تكتمل العدالة الجنائية في سوريا إذا تحولت إلى مسار نخبوي أو تقني معزول عن الضحايا والناجين، ولهذا يلح التقرير السوري على أن تكون العملية مرتكزة على الضحايا، وعلى حقوقهم في معرفة الحقيقة، والمشاركة، وعدم التمييز، والشفافية، والرقابة، وبناء القدرات المؤسسية.

كما يولي أهمية خاصة لمشاركة الأسر وروابط الضحايا والمجتمع المدني، باعتبارها شرطًا لإنتاج عدالة ذات مصداقية اجتماعية، لا مجرد أحكام معزولة عن المجتمع.

وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان المنطق نفسه، ففي ديسمبر 2024، شددت على أن العدالة الانتقالية وبناء الثقة المجتمعية المرتكزين إلى حقوق الإنسان سيكونان فصلًا مهمًا في مستقبل سوريا، وأن السلطات مطالبة باتخاذ خطوات عاجلة لحفظ الأدلة المتعلقة بالجرائم والانتهاكات السابقة، بما يشمل المقابر الجماعية، والوثائق والسجلات من السجون ومراكز الاحتجاز والوزارات وغيرها من مؤسسات الدولة.

كما ربطت المفوضية بين العدالة وبين حق العائلات في معرفة مصير أحبائها المفقودين، وضرورة توفير الدعم النفسي والاجتماعي لهم.

ملف المفقودين.. جزء أساسي

لا يمكن فصل المساءلة الجنائية في سوريا عن ملف المفقودين والمختفين قسرًا، وهو من أكثر الملفات حساسية وإيلامًا، وقد رحبت مفوضية حقوق الإنسان في ديسمبر 2024 بتعيين رئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية، معتبرة أن هذه الخطوة مهمة لتخفيف معاناة الأسر.

كما أوضحت أن هذه المؤسسة ستُعنى بمصير المفقودين، فيما ستواصل آليات أممية أخرى، مثل لجنة التحقيق الدولية والآلية الدولية المحايدة والمستقلة، جمع المعلومات ورصد الانتهاكات في حدود ولاياتها.

ويكشف هذا التقسيم في الأدوار أن العدالة في سوريا لن تكون محاكمة جنائية فقط، بل شبكة من المسارات المتكاملة: كشف الحقيقة، والبحث عن المفقودين، وجبر الضرر، وحفظ الأدلة، والإصلاح المؤسسي، ومن هنا تبدو أي محاولة لحصر النقاش في المحكمة أو العقوبة فقط قاصرة عن فهم عمق الأزمة السورية نفسها.

واقع أمني هش

التحدي الآخر يتمثل في أن النقاش حول العدالة يجري بينما لا تزال البلاد تواجه انتهاكات جديدة، ففي تقريرها الأخير، وثّقت لجنة التحقيق الأممية أعمال قتل خارج القانون، وتعذيبًا، وسوء معاملة، ووفيات في الاحتجاز، واختفاءات قسرية، وانتهاكات لحقوق السكن والأرض والملكية، لا سيما بحق مجتمعات اعتُبرت مؤيدة للحكومة السابقة.

وأشارت إلى أن أكثر من 1,400 شخص، معظمهم من المدنيين العلويين، قُتلوا في أحداث مارس 2025 في اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة، وأن الحكومة بدأت توقيف ومحاكمة 14 مشتبهًا بهم، لكن المسؤولية الأوسع للقادة وكبار المسؤولين لم تُعالج بعد.

هذا الواقع يعني أن المساءلة في سوريا ليست فقط أداة لمحاسبة الماضي، بل أيضًا وسيلة لمنع الحاضر من الانزلاق إلى دورة جديدة من العنف، ومن هنا جاء تأكيد لجنة التحقيق على أن الناجين والمجتمعات المتضررة يستحقون العدالة والتعويض وضمانات عدم التكرار، وأن إنهاء الإفلات من العقاب شرط أساسي لاستعادة الثقة بين المجتمعات وقوات الأمن.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية