منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العدالة الصارمة في تكساس تكشف خللاً أعمق في الولايات الأميركية ذات الحكم الليبرالي

26 يونيو 2026
جدل متواصل بشأن استخدام مطار دالاس لاف فيلد لرحلات إدارة الهجرة الأمريكية عدة مرات أسبوعياً
جدل متواصل بشأن استخدام مطار دالاس لاف فيلد لرحلات إدارة الهجرة الأمريكية عدة مرات أسبوعياً

إن المحاكمة السريعة، والإدانة، والأحكام المشددة التي صدرت بحق مجموعة من عناصر “أنتيفا” بعد هجومهم المسلح على مركز احتجاز تابع لإدارة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) في ولاية تكساس، تمثل نموذجاً لما ينبغي أن يكون عليه تعامل منظومة العدالة مع هذه الجماعات في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، لولا أن الاعتبارات السياسية باتت تؤثر في عمل أجهزة إنفاذ القانون داخل الولايات التي يهيمن عليها الليبراليون.

ورغم أن بعض المحاكمات لا تزال مستمرة، فإن قاضيَين في المحكمة الفيدرالية، مارك بيتمان وريد أوكونور، وجّها رسالة واضحة من خلال الأحكام التي أصدراها بحق منفذي الهجوم المنسق على مركز “برايري لاند” للاحتجاز، الذي وقع في عيد الاستقلال الأميركي العام الماضي.. فقد حُكم على قائد المجموعة، الذي أطلق النار على أحد رجال الشرطة وأصابه في رقبته، بالسجن لمدة مئة عام، فيما تراوحت أحكام بقية المتهمين بين 30 و70 عاماً.

وتحمل هذه القضية أهمية خاصة لأنها تمثل المرة الأولى التي تنجح فيها السلطات الفيدرالية في إدانة عناصر من اليسار المتطرف بتهم تتعلق بالإرهاب، وهم أشخاص يعلنون صراحة دعوتهم إلى إسقاط النظام الأميركي بالقوة. وبرأيي، لن تكون هذه القضية الأخيرة من نوعها.

ورغم خطورة الوقائع، سارعت النائبة الديمقراطية رشيدة طليب إلى وصف الأحكام بأنها “مهزلة وغير مبررة على الإطلاق”، معتبرة أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تستخدم “القوة الغاشمة” ضد معارضيها لأن الأميركيين -بحسب رأيها- يرفضون ما وصفته بـ”النظام الفاشي”.

ومع ذلك، فإن موقفها يبقى أقل غرابة من موقف النائب الديمقراطي جيري نادلر، الذي سبق أن ادعى عام 2020 أن جماعة “أنتيفا” ليست سوى “فكرة”، وأن ما يُنسب إليها من أعمال عنف ليس سوى “أسطورة”، رغم الوقائع الموثقة.

ويبرز في هذه القضية أيضاً الدور الحاسم الذي لعبته قوات الشرطة المحلية في تكساس، والتي تعاونت مع السلطات الفيدرالية بصورة فعالة، ما أدى إلى سرعة القبض على المتورطين في الهجوم، في نموذج ناجح للتنسيق بين مختلف أجهزة إنفاذ القانون.

لكن من الصعب توقع تكرار هذا السيناريو في العديد من المدن الأميركية التي تتبنى سياسات “الملاذ الآمن”،

حيث تمنع القوانين المحلية الشرطة من التعاون مع السلطات الفيدرالية في القضايا المتعلقة بالهجرة، حتى عندما تتطور الاحتجاجات إلى أعمال عنف. وفي بعض الحالات، يذهب الساسة المحليون إلى حد إصدار تعليمات مباشرة للشرطة بعدم التدخل رغم تصاعد الفوضى.

ويستشهد الكاتب بما حدث أخيراً في مدينة نيوارك،

حيث أدت تعليمات رئيس البلدية راس باراكا إلى إحجام الشرطة المحلية عن التدخل خلال الهجوم المنظم على مركز “ديلاني هول” لاحتجاز المهاجرين.

ولا يقتصر الأمر على أجهزة الشرطة، إذ يرى الكاتب أن المحاكم الفيدرالية في الولايات ذات الأغلبية الديمقراطية قد لا تتبنى النهج نفسه الذي اتبعته محاكم تكساس في تطبيق القانون.

فبسبب القواعد التي تمنح أعضاء مجلس الشيوخ نفوذاً واسعاً في اختيار القضاة الفيدراليين داخل ولاياتهم، أصبحت المحاكم في كثير من الولايات الليبرالية، بحسب الكاتب، أكثر ميلاً إلى النظر بعين التعاطف إلى الجماعات اليسارية المتطرفة، بل وربما تتبنى الرواية التي تعتبر أن من يطلقون على أنفسهم “مناهضي الفاشية” لا يمكن إلا أن يكونوا في مواجهة “فاشيين”.

ومن هذا المنطلق، يدعو الكاتب إلى مراقبة الكيفية التي ستتعامل بها المحاكم الفيدرالية في ولاية مينيسوتا مع قضية تتعلق بـ15 ناشطاً مناهضاً لإدارة الهجرة، متهمين بالتآمر لعرقلة وإيذاء عناصر فيدراليين خلال أحداث شهدتها مدينة مينيابوليس الشتاء الماضي.

ويختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن عناصر “أنتيفا” على الأقل لا يخفون ازدراءهم للنظام والقوانين، إلا أنه يرى أن النفوذ الذي يمارسه اليسار على السياسيين الليبراليين وبعض دوائر القضاء قد يكون أكثر خطورة، لأنه يخلق بيئة تسمح باستمرار الفوضى.

ويؤكد أن الإرهابيين المحليين يجب أن يُعاملوا بالصرامة نفسها التي تُعامل بها التنظيمات الإجرامية المنظمة مثل المافيا، معتبراً أن كثيراً من الديمقراطيين باتوا أسرى للاعتبارات الأيديولوجية، إلى درجة تمنعهم من إدراك حقيقة بسيطة هي أن العنف يظل خطراً على المجتمع، مهما كانت الشعارات أو القضايا التي يرفعها مرتكبوه.

نقلاً عن “نيويورك بوست

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print