يجسد اليوم الدولي لنيلسون مانديلا الذي تحييه الأمم المتحدة في 18 يوليو من كل عام اعترافاً عالمياً بإرث أحد أبرز المدافعين عن الحرية وحقوق الإنسان، وتحول إلى مناسبة دولية لتجديد الالتزام بالقيم التي ناضل من أجلها رئيس جنوب إفريقيا الأسبق طوال حياته، وفي مقدمتها الكرامة الإنسانية، والمساواة، والعدالة، والمصالحة، والسلام.
ويأتي إحياء المناسبة هذا العام في وقت تؤكد فيه الأمم المتحدة أن القضاء على الفقر والتفاوت لم يعد مجرد هدف إنمائي، بل أصبح شرطاً أساسياً لإعمال حقوق الإنسان وبناء مجتمعات أكثر إنصافاً وشمولاً.
وأكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في رسالته بمناسبة اليوم الدولي لنيلسون مانديلا لعام 2026، أن العالم يحتفي بحياة مانديلا وإرثه بوصفه “شخصية شامخة كرست حياتها للسلام والمصالحة والعدالة وحقوق الإنسان”، مشيراً إلى أن موضوع هذا العام يذكر العالم بأن “ماديبا” كان أيضاً نصيراً بعيد النظر للقضاء على الفقر وتحقيق المساواة.
وأوضح الأمين العام أن مانديلا كان يؤمن بأن القضاء على الفقر “ليس صدقة، بل عمل تقتضيه دواعي الإنصاف وواجب يقع على عاتق الجميع”، لافتاً إلى أن العالم يشهد اليوم اتساعاً في فجوات التفاوت، إذ تتراكم الثروات بصورة غير عادلة في أيدي قلة، في حين يكافح ملايين الأشخاص لتلبية احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والمياه والمأوى والتعليم، كما أن النزاعات والصدمات الاقتصادية والكوارث المناخية أوقفت سنوات من التقدم في مكافحة الفقر.
ودعا غوتيريش إلى تحويل قيم مانديلا إلى سياسات عملية، عبر الاستثمار في العمل اللائق، والتغطية الصحية الشاملة، والتعليم الجيد، وأنظمة الحماية الاجتماعية، إلى جانب زيادة التمويل وإصلاح الهيكل المالي الدولي ليسمح للدول النامية بالحصول على التمويل وتخفيف أعباء الديون، فضلاً عن بناء اقتصادات تعتمد على الطاقة المتجددة لخدمة الإنسان وكوكب الأرض.
واختتم رسالته بتأكيد أن المستقبل لا يزال بين أيدي البشر إذا عملوا معاً لتحقيق رؤية مانديلا لعالم يقوم على العدل والشمول والمساواة والسلام.
تاريخ طويل من النضال
ارتبط الاحتفاء الدولي بمانديلا بتاريخ طويل من النضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، إذ ولد عام 1918 في منطقة ترانسكاي، وانخرط مبكراً في العمل السياسي دفاعاً عن حقوق الأغلبية السوداء، وانضم عام 1942 إلى المؤتمر الوطني الإفريقي، قبل أن يصبح أحد أبرز قادة مقاومة نظام الفصل العنصري بعد وصول الحزب القومي إلى السلطة عام 1948.
وتدرج نضال مانديلا من المقاومة السلمية إلى تبني الكفاح المسلح عقب مقتل متظاهرين عزل عام 1960، قبل أن يُعتقل عام 1962 ويحكم عليه بالسجن، ثم يصدر بحقه عام 1964 حكم بالسجن المؤبد بتهمة التخطيط لأعمال مسلحة والخيانة.
وأمضى 27 عاماً خلف القضبان، تحولت خلالها المطالبة بإطلاق سراحه إلى رمز عالمي لمناهضة التمييز العنصري.
رفض مانديلا عام 1985 عرضاً بالإفراج عنه مقابل التخلي عن المقاومة المسلحة، وظل في السجن حتى 11 فبراير 1990، عندما أُطلق سراحه بعد ضغوط داخلية ودولية واسعة.
وبعد ثلاث سنوات تقاسم مع رئيس جنوب إفريقيا آنذاك فريدريك ويليام دي كليرك جائزة نوبل للسلام، ثم أصبح عام 1994 أول رئيس أسود منتخب ديمقراطياً لجنوب إفريقيا، وقاد بلاده حتى عام 1999، مركزاً على تفكيك إرث الفصل العنصري، وتعزيز المصالحة الوطنية، ومواجهة الفقر وعدم المساواة.
واصل مانديلا بعد مغادرته الرئاسة الدفاع عن قضايا العدالة والكرامة الإنسانية، قبل أن يعتزل الحياة العامة رسمياً عام 2004، في حين بقي رمزاً عالمياً للنضال السلمي، وحصل خلال حياته على أكثر من 250 جائزة وتكريماً دولياً، أبرزها جائزة نوبل للسلام عام 1993.
واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2009 قراراً يقضي بإعلان يوم 18 يوليو، الموافق لذكرى ميلاد مانديلا، يوماً دولياً يحمل اسمه، وبدأ الاحتفال به رسمياً اعتباراً من عام 2010، اعترافاً بإسهاماته في ترسيخ ثقافة السلام والحرية وحقوق الإنسان.
وأصبحت المناسبة منذ ذلك الحين منصة سنوية للتذكير بأن كل فرد قادر على إحداث تغيير إيجابي في مجتمعه، وتجسيداً لفلسفة مانديلا القائمة على المسؤولية الفردية والجماعية في مواجهة الظلم والفقر والتمييز.
قواعد نيلسون مانديلا
اكتسب اليوم الدولي لنيلسون مانديلا بعداً حقوقياً إضافياً يرتبط بحقوق السجناء، استلهاماً من السنوات السبع والعشرين التي قضاها مانديلا في السجن، ففي ديسمبر 2015 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة “قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء” تحت اسم “قواعد نيلسون مانديلا”، باعتبارها المرجع الدولي الأبرز لضمان كرامة الأشخاص المحرومين من الحرية.
ومثلت هذه القواعد تحديثاً تاريخياً للنسخة الأصلية الصادرة عام 1955 بعد خمس سنوات من المشاورات الحكومية الدولية بما ينسجم مع القانون الدولي وأفضل الممارسات في إدارة السجون، كما عمل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة على دعم تنفيذها من خلال برنامج عالمي يركز على الحد من اللجوء إلى السجن، وتحسين أوضاع أماكن الاحتجاز، وتعزيز الإدارة السليمة للمؤسسات العقابية، ودعم إعادة إدماج السجناء في المجتمع بعد الإفراج عنهم.
وركز المكتب كذلك على تطوير برامج إعادة التأهيل وخدمات ما بعد الإفراج، ما يساعد الأشخاص المفرج عنهم على العودة إلى حياة ملتزمة بالقانون، ويسهم في الحد من معدلات العودة إلى الجريمة، مع تأكيد أن إدارات السجون لا تزال تواجه تحديات كبيرة، منها الاكتظاظ، وسوء الظروف المعيشية، والعنف، وارتفاع معدلات العود إلى الجريمة، إضافة إلى مخاطر التطرف العنيف داخل السجون.
وشهد عام 2017 تأسيس مجموعة أصدقاء قواعد نيلسون مانديلا، بوصفها شبكة مفتوحة للدول الأعضاء الراغبة في تعزيز التطبيق العملي لهذه القواعد، وتبادل الخبرات، ودعم برامج إصلاح السجون التي ينفذها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.
فعاليات ورسالة للعمل
خصصت الأمم المتحدة برنامجاً متنوعاً لإحياء اليوم الدولي لنيلسون مانديلا لعام 2026 يتضمن حواراً افتراضياً بعنوان “القلب عضلة” مع الممثل الجنوب إفريقي كينان أريسون، بطل الفيلم الذي اختارته جنوب إفريقيا رسمياً للمنافسة في فئة أفضل فيلم روائي دولي بالدورة الثامنة والتسعين لجوائز الأوسكار، والحائز جائزة لجنة التحكيم المسكونية في مهرجان برلين السينمائي الدولي.
وقدمت الأمم المتحدة كذلك حفلاً موسيقياً بعنوان “ماديبا” بمشاركة عازف الفلوت والمنتج والمؤلف الموسيقي الجنوب إفريقي ووتر كيلرمان، الحائز ثلاث جوائز غرامي وتسع جوائز للموسيقى في جنوب إفريقيا، احتفاءً بإرث مانديلا الثقافي والإنساني.
وربطت الأمم المتحدة المناسبة أيضاً بالعمل المناخي، عبر دعوة الجمهور للمشاركة في تحدي “اعملوا الآن × يوم مانديلا” ضمن حملة “اعملوا الآن” الخاصة بالعمل الفردي بشأن تغير المناخ والاستدامة، مؤكدة أن تغيير العادات اليومية واتخاذ خيارات أقل ضرراً بالبيئة يسهمان في مواجهة حالة الطوارئ المناخية وبناء عالم أكثر استدامة، مستحضرة مقولة مانديلا: “يجب ألا ننسى أبداً أن من واجبنا حماية هذه البيئة”.
واختتمت الأمم المتحدة رسالتها بتأكيد أن إحياء اليوم الدولي لنيلسون مانديلا لا يقتصر على استذكار شخصية تاريخية، بل يمثل دعوة متجددة لترجمة مبادئ العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية إلى أفعال وسياسات، استمراراً للإرث الذي تركه مانديلا للأجيال، والقائم على أن التغيير يصبح ممكناً عندما يتكاتف الناس دفاعاً عن حقوق الإنسان للجميع.
