تواجه جمهورية الكونغو الديمقراطية تحدياً صحياً وإنسانياً جديداً مع استمرار تفشي فيروس إيبولا في المناطق الشرقية من البلاد، في وقت تؤكد فيه منظمة الصحة العالمية أن النزاع المسلح وانعدام الاستقرار الأمني باتا يمثلان المعوق الأكبر أمام احتواء المرض ومنع انتشاره بين السكان.
ويأتي هذا التحذير في ظل تصاعد أعمال العنف في شرق الكونغو، حيث نقلت منظمة الصحة العالمية عن مديرها العام الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس قوله إن الوضع الأمني المتدهور في مقاطعة إيتوري يعقد بصورة كبيرة جهود الفرق الطبية العاملة على احتواء التفشي الأخير للفيروس، وأوضح تيدروس، خلال زيارة إلى مدينة بونيا، أن نحو مئة ألف شخص اضطروا للنزوح خلال الشهر الماضي فقط بسبب القتال، الأمر الذي جعل عمليات المراقبة الصحية وتتبع المخالطين للمصابين أكثر صعوبة وتعقيداً.
وأشار إلى أن استمرار الاشتباكات المسلحة والتنقل المستمر للسكان يضعان السلطات الصحية أمام تحديات غير مسبوقة، خاصة في ظل ضعف البنية الصحية وارتفاع معدلات الفقر وانعدام الاستقرار في المنطقة.
واقع إنساني معقد
وتعد مقاطعة إيتوري من أكثر المناطق تضرراً من موجات العنف المتكررة التي يشهدها شرق الكونغو منذ سنوات، حيث تنشط جماعات مسلحة متعددة تتنافس على النفوذ والموارد الطبيعية، ما تسبب في موجات نزوح واسعة وانهيار الخدمات الأساسية.
وأكد تيدروس أن البيئة الأمنية الحالية لا تعرقل فقط عمل الفرق الطبية، بل تهدد أيضاً بزيادة فرص انتقال العدوى، خصوصاً مع اضطرار آلاف العائلات إلى العيش في ظروف مكتظة ومخيمات تفتقر إلى الخدمات الصحية والمياه النظيفة.
وأضاف أن احتواء إيبولا يتطلب إجراءات صارمة تشمل عزل المصابين وتتبع المخالطين لهم لمدة تصل إلى ثلاثة أسابيع، وهي خطوات بات تنفيذها أكثر تعقيداً بسبب تحركات السكان المستمرة وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتضررة من القتال.
دعوات لوقف إطلاق النار
وجدد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية دعواته إلى جميع الأطراف المتنازعة في الكونغو لوقف إطلاق النار، مؤكداً أن الاستجابة الصحية لا يمكن أن تنجح في بيئة يسودها العنف وانعدام الأمن.
كما ناشد المجتمع الدولي زيادة الدعم المالي واللوجستي للسلطات الصحية والعاملين في الميدان، حتى يتمكنوا من الحصول على المعدات والإمدادات الضرورية لمواجهة التفشي.
وأشار إلى أن فرق الصحة تواجه ضغوطاً كبيرة بسبب نقص الإمكانات، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى استجابة عاجلة وشاملة تشمل الرعاية الطبية والدعم النفسي وتوفير وسائل الحماية للعاملين في الخطوط الأمامية.
وأكد تيدروس أن منظمة الصحة العالمية تعمل بالتعاون مع شركاء دوليين ومؤسسات بحثية لتسريع التجارب السريرية الخاصة بالعلاجات المحتملة، إلا أنه أوضح أن الأمر قد يستغرق عدة أشهر قبل التوصل إلى علاجات فعالة متاحة للاستخدام الواسع.
غياب اللقاحات المعتمدة
وتواجه السلطات الصحية تحدياً إضافياً يتمثل في عدم توفر لقاح أو علاج معتمد لسلالة بونديبوجيو من فيروس إيبولا، وهي السلالة المنتشرة حالياً في شرق الكونغو الديمقراطية.
وفي ظل غياب اللقاحات، تعتمد جهود الاحتواء بشكل أساسي على كسر سلاسل انتقال العدوى من خلال الكشف المبكر عن الإصابات، وعزل المرضى، ومراقبة المخالطين، إضافة إلى فرض إجراءات وقائية صارمة داخل المراكز الصحية.
لكن استمرار العنف المسلح يجعل تطبيق هذه الإجراءات أمراً بالغ الصعوبة، خاصة أن كثيراً من السكان يضطرون للتنقل بين القرى والمناطق هرباً من الاشتباكات، ما يزيد احتمالات انتقال الفيروس إلى مناطق جديدة.
كما تضم مقاطعة إيتوري مجتمعات تعمل في التعدين، وهي مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة وحركة تنقل نشطة، الأمر الذي يضاعف مخاطر انتشار العدوى بشكل أسرع.
مخاوف من توسع التفشي
ويخشى خبراء الصحة من أن يؤدي استمرار الوضع الأمني المتدهور إلى خروج التفشي عن السيطرة، خاصة مع محدودية قدرات النظام الصحي المحلي وضعف الاستجابة في بعض المناطق النائية، لافتين إلى أن أي تأخير في احتواء الفيروس قد يؤدي إلى تكرار سيناريوهات سابقة شهدتها الكونغو، حيث تسبب إيبولا في وفاة آلاف الأشخاص خلال موجات التفشي الماضية.
كما حذر مسؤولون أمميون من أن الأزمات الإنسانية المتزامنة، ومنها النزوح والجوع وتراجع الخدمات الأساسية، تخلق بيئة مثالية لانتشار الأمراض الوبائية، ليس فقط إيبولا وإنما أمراض أخرى تهدد حياة الملايين.
وتؤكد منظمات دولية أن نجاح جهود مكافحة إيبولا في شرق الكونغو لن يكون ممكناً دون معالجة جذور الأزمة الأمنية وتحسين الأوضاع الإنسانية، إلى جانب توفير دعم دولي مستدام للقطاع الصحي المحلي.
تعد جمهورية الكونغو الديمقراطية واحدة من أكثر الدول التي شهدت تفشيات متكررة لفيروس إيبولا منذ اكتشافه لأول مرة عام 1976 بالقرب من نهر إيبولا في وسط إفريقيا. وخلال العقود الماضية، واجهت البلاد عدة موجات وبائية أودت بحياة آلاف الأشخاص، خاصة في المناطق الشرقية التي تعاني من النزاعات المسلحة وضعف الخدمات الصحية، وينتمي فيروس إيبولا إلى مجموعة الحمى النزفية شديدة الخطورة، وتظهر أعراضه في صورة حمى حادة ونزيف داخلي وضعف شديد، في حين تصل معدلات الوفاة في بعض السلالات إلى مستويات مرتفعة للغاية. وتعد سلالة بونديبوجيو من السلالات النادرة نسبياً، ولا يتوفر لها حتى الآن لقاح معتمد، ما يزيد من تعقيد جهود الاستجابة الصحية الحالية في شرق الكونغو الديمقراطية.
