لم يعد التوسع الحضري يقاس بعدد الأبراج والطرق وشبكات النقل، بل بقدرة المدن على ضمان الحقوق الأساسية لسكانها، فمع انتقال ملايين الأشخاص من الأرياف إلى المراكز الحضرية، أصبحت قضايا السكن الملائم، والمياه، والصرف الصحي، والنقل، والرعاية الصحية، في صلب النقاش حول العدالة الاجتماعية وحق الإنسان في المدينة.
وتجسد الصين والهند هذا التحول بصورة واضحة، فالدولتان اللتان تضمان أكثر من ثلث سكان العالم، تشهدان واحدة من أسرع موجات التحضر عالمياً، في وقت تزداد فيه الضغوط على البنية التحتية والخدمات العامة، ما يضع السياسات الحضرية أمام اختبار حقيقي لتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وتؤكد الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (موئل الأمم المتحدة) أن إدارة التوسع الحضري أصبحت ركناً أساسياً لتحقيق التنمية المستدامة، مشيرة إلى أن أكثر من 80% من الدول اعتمدت سياسات حضرية وطنية لتنظيم النمو العمراني وتحسين جودة الحياة في المدن.
وتبرز الصين والهند نموذجين مختلفين في إدارة هذا التحول؛ فالصين تمتلك خبرة طويلة في التخطيط الحضري والاستثمار في البنية التحتية، في حين تواجه الهند تحديات كبرى ناجمة عن النمو السكاني المتسارع واتساع الفجوة بين احتياجات المدن والإمكانات المتاحة.
تحديات السكن في الهند والصين
ارتفعت نسبة السكان المقيمين في المدن الصينية إلى أكثر من 66% من إجمالي السكان، مقارنة بأقل من 20% قبل أربعة عقود، في واحد من أسرع التحولات الحضرية في العالم.
ورغم استمرار الإنفاق الحكومي على مشاريع النقل والبنية التحتية، تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن قطاع الإسكان يواجه تباطؤاً في بناء الوحدات السكنية الجديدة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار المساكن وتزايد الضغوط على الخدمات العامة، ما يجعل توفير السكن الميسر أحد أبرز التحديات أمام المدن الصينية.
وفي المقابل، يتوقع البنك الدولي أن يعيش نحو 600 مليون شخص في المدن الهندية بحلول عام 2036، أي ما يقارب 40% من سكان البلاد، في حين ستنتج المدن نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي.
غير أن هذا التحول يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وتشير التقديرات إلى أن نحو 70% من المرافق الحضرية التي ستحتاجها الهند بحلول عام 2047 لم تُنشأ بعد، في حين تحتاج البلاد إلى استثمارات تقارب 840 مليار دولار حتى عام 2036، أي نحو 55 مليار دولار سنوياً، وهو ما يتجاوز بكثير مستويات الإنفاق الحالية.
السكن والخدمات.. من الحقوق لا المشروعات
ترى الأمم المتحدة أن التنمية الحضرية لا تقتصر على تشييد المباني والطرق، بل ترتبط مباشرة بالحق في السكن اللائق، والحصول على المياه، والصرف الصحي، والنقل، والتعليم، والرعاية الصحية.
وتشير بيانات “موئل الأمم المتحدة” إلى أن نحو 2.8 مليار شخص حول العالم يعيشون في مساكن غير ملائمة، في حين يحتاج العالم إلى إنشاء نحو 96 ألف وحدة سكنية يومياً حتى عام 2030 لتلبية الطلب المتزايد.
ويعيش نحو 23% من سكان العالم في مساكن لا تستوفي المعايير الأساسية، ما يجعل أزمة السكن واحدة من كبريات التحديات الحقوقية والتنموية عالمياً.
التنمية لا تقاس بسرعة البناء
يرى الخبير في شؤون الصين تيمو شميتز أن التوسع الحضري في الصين والهند يعكس اختلافاً في البنية الاجتماعية والإدارية لكل منهما.
ويقول شميتز، في حديثه لـ”صفر”، إن نظام الطبقات الاجتماعية في الهند ما يزال يؤثر في فرص الحراك الاجتماعي والاستفادة المتكافئة من التنمية، في حين تعتمد الصين بصورة كبرى على نموذج إداري يقوم على المنافسة بين الحكومات المحلية في تنفيذ السياسات العامة وتحقيق نتائج قابلة للقياس، وهو ما أسهم في تسريع تنفيذ مشاريع البنية التحتية.
ويضيف أن هذا النموذج منح المدن الصينية قدرة كبرى على تنفيذ المشاريع الكبرى، لكنه لا يعني انتهاء التحديات المرتبطة بارتفاع أسعار السكن أو كلفة المعيشة أو ضمان وصول جميع الفئات إلى الخدمات الأساسية.
العدالة الحضرية معيار للنجاح
تكشف تجربة الصين والهند أن نجاح المدن لا يقاس بسرعة التوسع العمراني أو حجم الاستثمارات فقط، بل بقدرتها على توفير سكن ملائم وخدمات أساسية لجميع السكان دون تمييز.
وكلما اتسعت المدن، ازدادت الحاجة إلى سياسات تضمن عدالة توزيع الموارد، وتقلص الفجوة بين المناطق والفئات الاجتماعية، وتحول دون تحول النمو الحضري إلى مصدر جديد للإقصاء والتفاوت.
وفي ظل استمرار النمو السكاني وتزايد الضغوط على المدن، يصبح الاستثمار في السكن الميسر، والنقل العام، والبنية التحتية المستدامة، وإشراك المجتمعات المحلية في التخطيط العمراني، جزءاً من التزام الدول بإعمال الحق في السكن والتنمية المستدامة، وبناء مدن أكثر شمولاً وقدرة على الاستجابة لاحتياجات سكانها.

