منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أعظم وسيلة للمساواة أو أسوأ مصدر للظلم

وظائف “محجوزة للبشر”.. بيل غيتس يحذّر من ثمن الذكاء الاصطناعي على سوق العمل

27 أغسطس 2026
المؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت، بيل غيتس
المؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت، بيل غيتس

حذّر المؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت، بيل غيتس، من أن الذكاء الاصطناعي يهدد بإحداث اضطرابات واسعة في سوق العمل والمجتمع، داعيًا إلى تخصيص بعض الوظائف للبشر وحدهم، وفرض ضرائب على الروبوتات ورموز الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تستعد فيه الحكومات، بحسب تقديره، لحجم التحولات المقبلة.

ونشر غيتس مقالًا مطولًا يقارب 6 آلاف كلمة، رأى فيه أن “العديد من الوظائف ستختفي إلى الأبد”، لكن صانعي السياسات يستطيعون تخصيص بعض المهام للبشر، خصوصًا لحماية العاملين الذين لا يستطيعون تغيير وظائفهم أو إعادة تدريب أنفسهم بسهولة.

ونقلت “فايننشال تايمز” عنه وصفه هذا التصور بأنه “وظائف محجوزة للبشر”، مستلهمًا الفكرة من المحميات الطبيعية التي تُترك فيها بعض المناطق دون تطوير لأن خسارتها ستكون كبيرة للغاية.

وأوضح غيتس أن الفكرة لا تعني استبعاد الذكاء الاصطناعي بالكامل من قطاعات مثل الصحة أو التعليم، وإنما تحديد وظائف بعينها تظل للبشر، وذكر مثالًا على ذلك إبلاغ المرضى بالأخبار الطبية القاسية، قائلًا إن الروبوت قد يكون قادرًا تقنيًا على إخبار شخص بأنه مصاب بمرض عضال، “ومع ذلك، لا ينبغي أن يحدث”.

واستشهدت “الغارديان” كذلك بتجربة غيتس الشخصية مع الكوادر الطبية التي رعت والده، الذي توفي بمرض الزهايمر قبل ست سنوات، مشيرًا إلى وجود “لمسة إنسانية” في الرعاية التي قدموها له، لا يستطيع الروبوت أن يحل محلها ولا ينبغي له ذلك.

وربط غيتس دعوته بحماية مجموعات من العمال الأكثر عرضة لفقدان وظائفهم، معتبرًا أنه لا يمكن مطالبة شخص يبلغ 55 عامًا وأمضى حياته المهنية في البناء، على سبيل المثال، بالانتقال ببساطة إلى العمل في دار رعاية للمسنين.

ومن جانبها، طرحت منصة “ذا نيكست ويب” تصورًا مشابهًا ضمن مقترحه، مشيرة إلى أن بعض الوظائف قد تحصل على حماية مؤقتة للعاملين الذين يتعذر عليهم عمليًا إعادة التدريب، بينما تُحجز وظائف أخرى للبشر بصورة دائمة.

فترة الاضطراب

حذّر غيتس من أن الحكومات لا تستعد بما يكفي للتغيرات التي سيحدثها الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن تأثير التكنولوجيا سيمتد إلى الأمن القومي والتوظيف والتعليم والضرائب والطاقة والانتخابات والهواء والماء والصحة العامة والنظام المالي وإنفاذ القانون والنقل والأراضي العامة وأنظمة تكنولوجيا المعلومات.

وطالب بتنسيق عالمي للتعامل مع هذه التداعيات، بما في ذلك التعاون بين الولايات المتحدة والصين، معتبرًا أن القضايا الصعبة ستشمل تحديد الوظائف التي ينبغي حجزها للبشر، والتعامل مع الدول التي تختار السماح بمستويات أعلى من الأتمتة.

وأشارت “الغارديان” إلى أن فريق غيتس يعمل على ترتيب لقاء مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في نوفمبر لمناقشة الجهود العالمية الرامية إلى الحد من المخاطر المتزايدة للذكاء الاصطناعي.

وطرح غيتس ثلاثة مخاطر أوسع، وفق منصة “ذا نيكست ويب”، تتمثل في اختفاء الوظائف، خصوصًا بالنسبة إلى الشباب، واكتساب جهات إجرامية قدرات جديدة، وتأثر نمو الأطفال نتيجة الاعتماد على رفقاء الذكاء الاصطناعي الذين لا يدفعونهم إلى الخروج من مناطق راحتهم.

وحذّر كذلك من تأثير روبوتات الدردشة على المهارات الاجتماعية، مستعيدًا تجربته في شبابه في سياتل، عندما كان عليه بذل جهد لتطوير مهاراته الاجتماعية.

وقال إنه يشُك في أنه كان سيبذل الجهد نفسه لو كان لديه آنذاك رفيق من الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى احتمال أن تصبح روبوتات الدردشة شديدة الموافقة للمستخدمين مسببة للإدمان.

وأعرب غيتس عن قلقه أيضًا من تأثير الذكاء الاصطناعي على التعليم، مشيرًا إلى مؤشرات مبكرة على ارتباط الاستخدام المكثف للتكنولوجيا بتراجع التفكير النقدي، مع كون التأثير أقوى لدى الشباب، بحسب ما أوردته “الغارديان”.

وتوقّع غيتس أن تختفي بعض الوظائف قبل غيرها، إذ أشار “ذا نيكست ويب” إلى دعمه لفكرة أن وظائف دعم العملاء وهندسة البرمجيات والعمل القانوني المساعد ستكون من بين الوظائف التي تتأثر مبكرًا، بينما قد تتجه قطاعات البناء والضيافة نحو مزيد من الأتمتة بحلول نهاية العقد.

ضرائب على الروبوتات

دعا غيتس إلى تغيير النظام الضريبي للحد من الحافز الاقتصادي لاستبدال البشر بالآلات، مقترحًا فرض ضريبة على الروبوتات وعلى “الرموز”، وهي وحدات البيانات التي تعالجها أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وأوضح أن صاحب العمل يدفع ضرائب على أجور الموظف عندما يوظفه، بينما يستطيع عادةً خصم تكلفة الروبوت مباشرة باعتبارها مصروفًا تجاريًا، وهو ما يجعل النظام الضريبي، بحسب رأيه، يدفع باتجاه استبدال البشر بالآلات.

وذكرت منصة “تك كرانش” أن فرض ضريبة على الروبوتات يمكن أن يبطئ وتيرة الاستغناء عن العمل البشري، ويوفر أموالًا لإعادة تدريب العمال وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

وأشار غيتس إلى أن فكرة ضريبة الروبوتات ليست جديدة، فقد طرحها عام 2017، لكنها قوبلت آنذاك بانتقادات من اقتصاديين رأوا أنها قد تفرض ضريبة على الإنتاجية بدلًا من حماية العمال.

ووفق “ذا نيكست ويب”، يرى غيتس الآن أن الحاجة إلى مناقشة الفكرة أصبحت أكثر إلحاحًا مع تزايد التوقعات بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل.

وأقرّ غيتس بوجود أسئلة صعبة حول كيفية تطبيق مقترحاته، منها تحديد المستحقين للوظائف المحمية، والجهة التي ستتخذ القرار، وكيفية تطبيق القواعد، وما سيحدث عندما تتنافس دولة تفرض هذه القيود مع دولة تسمح بأتمتة أوسع.

وختم غيتس تحذيره بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون “أعظم وسيلة لتحقيق المساواة تم اختراعها على الإطلاق، أو أسوأ مصدر للظلم”، معتبرًا أن التحدي هائل، وأن القادة والخبراء والمجتمعات لا يواجهونه حتى الآن بالقدر الكافي.