لم تكن نهى تخشى التكنولوجيا بقدر ما كانت ترفض أن تكتب الآلة بدلا منها، فالكتابة بالنسبة إلى الصحفية والكاتبة ليست مهمة تؤدى فحسب، بل جزءاً من هويتها المهنية التي تشكّلت عبر سنوات من البحث والقراءة والكتابة.
لكن موقفها بدأ يتغير عندما التحقت بمؤسسة متخصصة في صناعة المحتوى، واكتشفت أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارا شخصيا، بل أصبح جزءا من متطلبات العمل وتسريع الإنتاج، ومع الوقت وفّرت لها هذه الأدوات ساعات من بعض المهام، لكنها شعرت في المقابل بأن شيئا من علاقتها القديمة بالبحث والكتابة يتراجع.
تجربة نهى تختصر تحولا أوسع داخل غرف الأخبار، فالذكاء الاصطناعي لا يغير الأدوات التي يعمل بها الصحفي فقط، بل يعيد تعريف المهارات المطلوبة منه وحجم العمل المتوقع إنجازه، ويفتح سؤالا حقوقيا يتجاوز مستقبل المهنة إلى مستقبل العاملين فيها: من يتحمل كلفة الانتقال إلى غرفة الأخبار الجديدة؟
من أداة مساعدة إلى شرط للعمل
دخل الذكاء الاصطناعي مراحل متعددة من العمل الصحفي، من البحث وجمع البيانات إلى التفريغ والتلخيص والتحرير وإنتاج المحتوى، ومع قدرته على اختصار الوقت ورفع الكفاءة، تظهر مخاوف موازية تتعلق بالاستقرار الوظيفي والمسؤولية المهنية.
ولا يعني التحول بالضرورة اختفاء الصحفي، لكنه قد يعني اختفاء بعض المهام أو تقلصها وظهور مهارات جديدة يصبح إتقانها شرطاً للمنافسة والاستمرار، كما أن التكنولوجيا التي توفّر وقت الصحفي قد تستخدم لرفع سقف ما يطلب منه إنجازه، فيصبح مطالبا بإنتاج أسرع ومهام أكثر.
وتكشف بيانات معهد رويترز لدراسة الصحافة لعام 2026 اتساع حضور هذه التقنيات، إذ قال 97 بالمئة من مسؤولي المؤسسات إن الأتمتة في المهام الخلفية، مثل التفريغ والمساعدة في التحرير والبيانات الوصفية، أصبحت مهمة لعملهم، بينما يستخدم 82 بالمئة الذكاء الاصطناعي في جمع الأخبار.
لكن تأثيره في الوظائف يبدو أقل حسما حتى الآن، فقد قالت 67 بالمئة من المؤسسات إنها لم توفر وظائف نتيجة الكفاءة التي أتاحها الذكاء الاصطناعي، مقابل 16 بالمئة خفضت أعدادا محدودة من العاملين، فيما أضافت 9 بالمئة وظائف أو أدوارا جديدة مرتبطة بهذه التقنيات.
مصر.. الاستخدام المؤسسي لا يزال محدودا
تبدو الصورة داخل المؤسسات الصحفية المصرية مختلفة عن هذا الانتشار العالمي، يقول نقيب الصحفيين المصريين خالد البلشي إن الذكاء الاصطناعي لم يتحول بعد إلى استخدام مؤسسي واسع في مصر، باستثناء عدد قليل جدا من الصحف التي تستخدم تقنياته في بعض الأقسام مثل التصحيح، فيما لا يزال استخدام غرف التحقق داخل بعض المؤسسات قيد التطوير.
ويقول البلشي، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إن النقابة وضعت باباً يتعلق بالذكاء الاصطناعي ضمن ميثاق الشرف الصحفي، يتضمن دليلاً ومعايير وإرشادات للاستخدام الأخلاقي لهذه التقنيات داخل غرف التحرير.
لكن محدودية الاستخدام حالياً لا تلغي المخاوف المستقبلية، فالبلشي يرى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤثر بصورة كبيرة في التوظيف داخل المؤسسات الحديثة، في وقت لا يزال الفصل التعسفي قائما رغم وجود القوانين الخاصة بحماية العاملين، معتبراً أن الخوف من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الصحفي بأنه “خوف مشروع”، لكنه يرى أن المواجهة تبدأ بتحويل التحدي إلى فرصة، قائلا: “لن نكون مجرد مستخدمين سلبيين لهذه التقنيات، بل سنشارك في تطويرها”.
ويربط ذلك ببرامج تدريبية لتمكين الصحفيين من أدوات كشف التزييف والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الصحافة الاستقصائية، وإعادة هيكلة التدريب في كليات الإعلام، ووضع معايير للتحقق من المحتوى، مع إبقاء التحقق والتقصي والتحليل النقدي من اختصاص الصحفي.
من يدفع كلفة اكتساب المهارات؟
هنا ينتقل النقاش من مستقبل المهنة إلى حقوق العاملين فيها، يقول مجدي البدوي، رئيس النقابة العامة للعاملين بالصحافة والإعلام في مصر، إن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في فرص العمل، لكنه لا يعتقد أنه قادر على إحلال الآلة محل الصحفي بالكامل، محذرا من أن بعض العاملين قد يفقدون وظائفهم، خصوصا من لا يمتلكون المهارات اللازمة للبيئة الجديدة.
ويرى البدوي أن التدريب وإعادة التأهيل أصبحا ضرورة، وهو ما يطرح سؤالا يتعلق بمسؤولية المؤسسات نفسها : إذا غيرت المؤسسة الأدوات والمهارات المطلوبة لأداء الوظيفة، فهل يتحمل الصحفي وحده كلفة تعلمها، أم تصبح إعادة تأهيله جزءا من مسؤولية المؤسسة؟
ويمتد الأمر إلى الأمان الوظيفي والحماية الاجتماعية مع توسع العمل عبر المنصات الرقمية، حيث قد يعمل الصحفي من دولة لمصلحة مؤسسة في دولة أخرى، ما يجعل الأجر وساعات العمل والجهة المختصة بالنزاع أكثر تعقيدا، مشددا على العقود الواضحة والموثقة وآليات تنظيم العمل عبر المنصات.
ومن الناحية القانونية، يرى المستشار وائل نجم، المحامي بالنقض، أن الحقوق لا ينبغي أن تترك للتقدير الإداري المطلق، بل يجب أن تخضع للقانون والرقابة والمراجعة، حتى لا تتحول القرارات المرتبطة باستخدام التكنولوجيا إلى مساس بحقوق العاملين من دون ضمانات واضحة.

المؤسسات لا تستطيع تجاهل التحول
في المقابل، ترى موناليزا فريحة، المسؤولة في موقع صحيفة “النهار”، أن المؤسسات الإعلامية التي لا تواكب ثورة الذكاء الاصطناعي ستتخلف عن مسار التطور، لما توفره هذه الأدوات من إمكانات في البحث والترجمة والاختصار وتسريع العمل وزيادة الإنتاج.
لكن فريحة ترفض، في حديث خصت به “صفر”، أن تصبح زيادة الكفاءة مرادفا للاستغناء عن الصحفي، مؤكدة أن استخدام الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى إشراف بشري، وأن خبرة الصحفي وثقافته تجعلانه أكثر قدرة على الاستفادة من الأدوات الجديدة، عبر تدريب موظفيها والاستفادة من خبراتهم بدلا من الاستغناء عنهم.
وهنا تلتقي -رغم اختلاف المواقع- وجهات النظر النقابية والمهنية والإدارية: الذكاء الاصطناعي أصبح جزءا من مستقبل غرف الأخبار، لكن الطريقة التي تدير بها المؤسسات الانتقال إليه هي التي ستحدد من يستفيد من مكاسب الكفاءة ومن يتحمل كلفتها.
غرفة أخبار جديدة وحقوق قديمة
نهى نفسها لم تعد ترفض الذكاء الاصطناعي كما فعلت في البداية، تعلّمت استخدامه واستفادت مما يوفره من وقت، لكنها فقدت في الطريق شيئا من المتعة التي كانت تجدها في البحث والكتابة.
وتكشف تجربتها أن التحول لا يقاس بعدد الدقائق التي توفرها الخوارزمية أو بعدد المواد الإضافية التي تستطيع المؤسسة إنتاجها، فخلف كل مهمة تختصرها الآلة صحفيٌ مُطالبٌ بتعلم مهارات جديدة، ووظيفة يعاد تعريفها، ومؤسسةٌ تملك قرار توزيع مكاسب التكنولوجيا وكلفتها.


