منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الديمقراطيون يريدون صيفاً آخر طويلاً وساخناً من العنف

07 يونيو 2026
يبدو أن الديمقراطيين يرحبون بالاضطرابات المدنية التي يرونها تعبيراً عن حماس سياسي قابل للاستغلال.
يبدو أن الديمقراطيين يرحبون بالاضطرابات المدنية التي يرونها تعبيراً عن حماس سياسي قابل للاستغلال.

نوح روثمان

في رسالة مصورة وجهها إلى ناخبيه الأسبوع الماضي، عبّر السيناتور آندي كيم عن استيائه مما وصفه بـ«الفوضى التي أطلقتها وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) في شوارع مدينة نيوارك بولاية نيوجيرسي». وتعهد الديمقراطي المنتمي إلى «ولاية الحدائق» بأن يبذل كل ما في وسعه “لوقف هذه الفوضى”.. يا له من كلام فارغ.

إذا كان ثَمَّ طرف بذل كل ما يستطيع لتأجيج المشاعر ودفع المحرضين العنيفين إلى الشوارع، فهو كيم وزملاؤه الديمقراطيون الذين وضعوا سلامة المدنيين ورجال إنفاذ القانون على حد سواء في دائرة الخطر.

ولا يبدو أنهم يكترثون لحقيقة أنهم يشجعون العنف السياسي. بل إنهم يتعاملون مع الاضطرابات المدنية باعتبارها تعبيراً عن حماسة سياسية يمكن استغلالها. وهذه ليست المرة الأولى التي يضع فيها الديمقراطيون الحكمة جانباً في سبيل استمالة المتطرفين والمضطربين.

يبدو أن الديمقراطيين يرحبون بالاضطرابات المدنية التي يرونها تعبيراً عن حماس سياسي قابل للاستغلال.
يبدو أن الديمقراطيين يرحبون بالاضطرابات المدنية التي يرونها تعبيراً عن حماس سياسي قابل للاستغلال.

قراء كتابي الجديد «الدم والتقدم: قرن من العنف اليساري في أمريكا» يدركون تماماً ما الذي يشاهدونه اليوم في نيوارك، ويفهمون حجم المخاطر التي قد تترتب على ذلك.

فقد وصف أحد منظمي النقابات، في تصريح أقرب إلى الهذيان، مركز احتجاز «ديلاني هول» في نيوارك الذي تستخدمه إدارة ترامب لإيواء المهاجرين المستهدفين بقرارات الترحيل، بأنه «معسكر اعتقال» يُخفى فيه الناس قسراً. ورغم عبثية هذا الادعاء، فإنه ينسجم مع مزاعم أطلقها مشرعون ديمقراطيون قالوا فيها إن ظروف الاحتجاز داخل المنشأة «غير إنسانية»، على الرغم من تأكيدهم أنهم مُنعوا من الاطلاع عليها بأنفسهم.

لكن الحقيقة أن الديمقراطيين لم يُمنعوا من دخول المنشأة.

وفي لحظات أكثر صدقاً، يعترفون بأن معظم شكاوى المحتجزين تتعلق ببطء سير قضاياهم أمام المحاكم. وهذا يختلف جذرياً عن اتهامات الناشطين التي تزعم حرمان المحتجزين من الغذاء والرعاية الطبية المناسبة. ومع ذلك، فقد أثبتت النسخة الكبرى من هذه النظرية التآمرية قدرتها على دفع البعض نحو مزيد من التطرف.

قال أحد منظمي النقابات المختلين عقلياً في مركز احتجاز ديلاني هول في نيوارك: "إنه معسكر اعتقال، وهم يختفون الناس قسراً".
قال أحد منظمي النقابات المختلين عقلياً في مركز احتجاز ديلاني هول في نيوارك: “إنه معسكر اعتقال، وهم يختفون الناس قسراً”.

فعلى مدى نحو أسبوعين، واصل محرضون يرتدون الكوفية الفلسطينية مضايقة عناصر إنفاذ القانون الفيدراليين حول مركز «ديلاني هول»، وهي احتجاجات قوبلت برذاذ الفلفل، حتى ضد بعض الديمقراطيين، وبينهم السيناتور كيم نفسه. لكن أسوأ أعمال العنف وقعت خلال عطلة «يوم الذكرى».

فقد تعرض رجال شرطة مجهزون بمعدات مكافحة الشغب وأقنعة التنفس لوابل من زجاجات المياه والحجارة ومختلف المقذوفات، ألقاها محتجون كانوا بدورهم مجهزين جيداً. وردت الشرطة باستخدام الرصاص المطاطي وكرات الفلفل والقنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع.

على مدى أسبوعين تقريباً، قام محرضون بمضايقة قوات إنفاذ القانون الفيدرالية حول قاعة ديلاني.
على مدى أسبوعين تقريباً، قام محرضون بمضايقة قوات إنفاذ القانون الفيدرالية حول قاعة ديلاني.

كما اندفعت الشرطة الخيالة وسط الحشود، ونجحت مؤقتاً في تفريق المتظاهرين قبل أن يعيدوا تجميع صفوفهم في شارع مجاور، حيث أشعل بعضهم النيران في ألواح خشبية وأكوام قمامة وإطارات ومعدات مرورية بلاستيكية.

وقدّم القائم بأعمال المدعي العام تود بلانش صوراً قال إنها توثق تَعرُّضَ عناصر الشرطة للضرب، بل وحتى للعض من قبل بعض المشاركين في أعمال الشغب.

فهل يخشى الديمقراطيون النيران التي يطلقونها اليوم؟

هل خافوا منها العام الماضي عندما نفذ متطرفون ما لا يقل عن ثلاث هجمات مسلحة ضد مكاتب الهجرة الفيدرالية، استخدمت إحداها تكتيكات كمائن متطورة؟

وهل فكروا في العواقب عندما أضافوا كلمة «لكن» إلى إداناتهم السابقة الواضحة لجريمة القتل التي يُتهم بها لويجي مانجيوني، مطالبين الأمريكيين في الوقت ذاته بتفهم أن البلاد «معطلة» وأن الغضب الثوري رد فعل منطقي على ما يصفونه بالاضطهاد المنهجي؟ ألم يخطر ببالهم أن مثل هذا الخطاب قد يفتح الباب أمام مزيد من جرائم القتل؟

أدت جريمة قتل تشارلي كيرك العبثية إلى زيادة حدة العنف السياسي اليساري.
أدت جريمة قتل تشارلي كيرك العبثية إلى زيادة حدة العنف السياسي اليساري.

وهل راجعوا مواقفهم بعدما قلد قاتل الناشط المحافظ تشارلي كيرك الذي وصفه أحد معارفه بأنه «يساري للغاية في كل شيء تقريباً»، الأساليب ذاتها التي ارتبطت بمانجيوني؟

وهل أجروا أي مراجعة ذاتية بعد تعرض دونالد ترامب لمحاولة اغتيال ثالثة على يد شخص تأثر بالدعاية التي أصبحت متداولة على نطاق واسع في منصات يسارية مثل «بلو سكاي»؟ بالطبع لا.

فهم يقنعون أنفسهم بأنهم غير مضطرين لذلك. إذ يؤمنون أصلاً بأن معظم العنف السياسي الداخلي في الولايات المتحدة يأتي من اليمين. ويكررون هذه «الحقيقة الثابتة» بعد كل حادثة عنف يساري واضحة، حتى بات الجمهور يسمعها باستمرار.

لكن هذه المقولة محل شك كبير، فهي تستند إلى قواعد بيانات تدّعي، على نحو غريب، أن العنف السياسي في أمريكا بلغ ذروته عام 2019، كما تعتمد على تحليلات كمية تعد عنف السجون والعصابات وحتى العنف داخل الأسرة يندرج ضمن الإرهاب السياسي اليميني.

كما تستند إلى بيئة أكاديمية أصابها التشوه، وفق ما خلصت إليه وثيقة أُعدت عام 2021 لمصلحة وزارة الأمن الداخلي الأمريكية. وقد حذّر معدّو الوثيقة من أن الباحثين الذين يحاولون تسليط الضوء على خطر التطرف اليساري يتعرضون لحملات ترهيب وعزلة اجتماعية، بل وحتى لتهديدات بالانتقام الجسدي.

اجتذب لويجي مانجيوني معجبين متطرفين من اليسار يزعمون أن عنفه كان مبرراً بطريقة ما.
اجتذب لويجي مانجيوني معجبين متطرفين من اليسار يزعمون أن عنفه كان مبرراً بطريقة ما.

أما الحقيقة، فهي أن الولايات المتحدة تشهد اليوم موجة من العنف السياسي اليساري لم تعرف لها مثيلاً منذ نصف قرن، ومع ذلك، فهي ليست ظاهرة غير مسبوقة.

فهذه الموجة تشبه إلى حد مقلق أعمال العنف الفوضوية والاشتراكية التي اجتاحت البلاد خلال عشرينيات القرن الماضي، ثم عادت للظهور خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، وهي فترات يصفها المؤرخون عادة بأنها “مراحل منسية”، لكن هذا التاريخ ليس مجهولاً.

إنه تاريخ جرى التعتيم عليه، ما يحدث اليوم في شوارع نيوارك، وما قد يحدث لاحقاً، سيبدو مألوفاً بصورة مخيفة لقراء كتاب «الدم والتقدم». لقد حوّل الديمقراطيون العنف إلى ما يشبه الهوس السياسي، إذ يرون فيه تعبيراً مفرطاً لكنه مفيد عن الحماسة الأيديولوجية، في حين يواصلون إقناع أنفسهم بأن اليسار لا يعاني أصلاً من مشكلة مع العنف.

وكتاب «الدم والتقدم» ليس سوى لائحة اتهام مباشرة لهذه الأوهام، ولكل من أسهم في ترسيخها.

نقلاً عن نيويورك بوست