منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

خلف القضبان بلا تهمة.. قضية حسام أبو صفية تفتح ملف احتجاز الكوادر الطبية في غزة

09 يونيو 2026
احتجاز الطبيب حسام أبو صفية في إسرائيل بلا تهمة
احتجاز الطبيب حسام أبو صفية في إسرائيل بلا تهمة

في ظل استمرار الحرب في غزة، تتجدد الأسئلة الحقوقية حول مصير الكوادر الطبية المحتجزة، ومدى احترام ضمانات العدالة والمعاملة الإنسانية في النزاعات المسلحة، وتبرز قضية الطبيب الفلسطيني حسام أبوصفية بوصفها واحدة من أكثر القضايا التي أثارت جدلاً خلال الأشهر الأخيرة، بعد احتجازه لفترة طويلة دون توجيه تهمة رسمية، ثم نقله إلى الحبس الانفرادي داخل سجن شديد الحراسة.

نقلت صحيفة الغارديان البريطانية عن منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل أن مدير مستشفى كمال عدوان شمال غزة، الدكتور حسام أبوصفية، اعتُقل أثناء عمله في 27 ديسمبر 2024، وما زال محتجزاً بعد أكثر من 525 يوماً دون توجيه تهمة رسمية إليه.

وأوضحت المنظمة أن السلطات الإسرائيلية صنفته “مقاتلاً غير شرعي”، وهو تصنيف تستخدمه إسرائيل لتبرير الاعتقال المطول دون محاكمة، وفقاً لما ورد في التقرير.

وأثار نقل الطبيب البالغ من العمر 53 عاماً من سجن كتسيئوت إلى سجن رامون، التابع لمجمع سجون غانوت، مخاوف إضافية بعدما وضع في الحبس الانفرادي من دون إبلاغ محاميه أو المنظمة الحقوقية بأسباب النقل.

ظروف احتجاز حسام أبوصفية

تحدث نجل الطبيب، الدكتور إلياس أبو صفية، عن أوضاع احتجاز وصفها بالقاسية، موضحاً أن والده خضع لعملية جراحية لإزالة شظايا استقرت في فخذه اليسرى أثناء الاحتجاز، ولا يزال يعاني من ألم وتورم مستمرين، وأضاف أن الأسرة أبلغت بأن الطبيب محتجز في زنزانة ضيقة للغاية لا تتجاوز مساحتها متراً مربعاً واحداً.

كما أشار إلياس إلى أن والده منع خلال الأشهر الأولى من اعتقاله من تغيير ملابسه، وأصيب بأمراض جلدية دون أن يتلقى العلاج المناسب، ولفت إلى أن “الاتهام الوحيد” الذي ينسب إليه، بحسب قوله، هو رفضه الامتثال لأوامر إخلاء المستشفى وترك المرضى لمصيرهم.

وأعادت القضية إلى الواجهة النقاش حول الحبس الانفرادي بوصفه أحد أكثر أشكال الاعتقال قسوة، وذكرت “الغارديان” أن قواعد مانديلا التابعة للأمم المتحدة تعد الحبس الانفرادي المطول لأكثر من 14 يوماً شكلاً من أشكال التعذيب.

وأكد المحامي ناصر عودة أنه قدم استئنافاً يطالب بالإفراج عن أبوصفية، لكنه أوضح أن المسؤولين الإسرائيليين أفادوا بأن الطبيب محتجز بموجب “قانون المقاتلين غير الشرعيين”، وهو قانون تعقد بموجبه الإجراءات القانونية خلف أبواب مغلقة وتخضع لأوامر حظر نشر.

دعوات للإفراج عن الطبيب

وأشارت الصحيفة إلى أن مجموعة من خبراء الأمم المتحدة طالبت في مارس 2025 بالإفراج الفوري عن الطبيب وضمان حصوله على الفحص الطبي والعلاج المناسب، كما أوضحت أن أبوصفية واحد من 14 طبيباً فلسطينياً من غزة تحتجزهم إسرائيل حالياً دون توجيه تهمة.

وأفادت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل بأنها علمت بوضع أبوصفية في الحبس الانفرادي بعد زيارة قام بها أحد محاميها في 4 يونيو لخمسة أطباء فلسطينيين آخرين محتجزين في سجن كتسيئوت، وقال أربعة منهم إن عناصر أمنية اقتحمت الجناح الذي كان يحتجز فيه الطبيب، وقيدته بالأصفاد وأخرجته دون أي تفسير.

ونقلت الغارديان عن الأطباء الخمسة الذين تمت زيارتهم أن ظروف الاحتجاز تدهورت خلال الشهرين الأخيرين، وأن حراس السجن أجبروا المحتجزين على الجلوس أو الاستلقاء على أسرة معدنية أو على الأرض معظم اليوم.

كما تحدث أحد الأطباء عن الاستخدام المتكرر للغاز المسيل للدموع، في حين قال طبيبان آخران إنهما لم يمثلا أمام قاضٍ منذ ديسمبر، حين مدد احتجازهما إلى أجل غير مسمى.

وأوضحت مصلحة السجون الإسرائيلية أنها لا تقدم معلومات بشأن أوضاع الاحتجاز “نظراً لالتزامات الخصوصية”، مضيفة أن الادعاءات الواردة “لا تعكس ممارسات جهاز المخابرات الإسرائيلي”.

نقل حسام أبوصفية للحبس الانفرادي

من جهتها، ذكرت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية أن منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل أعلنت نقل الدكتور حسام أبوصفية إلى الحبس الانفرادي دون أي تفسير في سجن شديد الحراسة جنوب إسرائيل، وأكدت الصحيفة أن الطبيب لا يزال محتجزاً دون توجيه أي تهمة إليه منذ اعتقاله في ديسمبر 2024.

وأضافت هآرتس أن المنظمة لم تبلغ بأسباب نقل الطبيب أو وضعه في الحبس الانفرادي، وأنها علمت بالأمر بعد زيارة قام بها محاميها للأطباء الفلسطينيين المحتجزين في سجن كتسيئوت.

وأشارت الصحيفة إلى أن معظم الأطباء المحتجزين اعتقلوا بعد 7 أكتوبر 2023 أثناء عملهم في مستشفيات غزة، وبعضهم اعتقل داخل المستشفيات نفسها، وفقاً لما قاله محاموهم الذين وصفوا ظروف احتجازهم بأنها قاسية.

وتطرقت هآرتس إلى تقرير بثته القناة 13 الإسرائيلية في فبراير 2025، تضمن مقابلة قصيرة مع أبو صفية من داخل السجن، وعندما سئل باللغة الإنجليزية عما إذا كان يقدم رعاية طبية لرهائن إسرائيليين، أجاب بأنه يقدم “خدمات طبية لمن يحتاجها”، لكنه عندما سئل مباشرة بالعربية عما إذا كان قد رأى رهائن في المستشفى، أجاب سريعاً: “لا، أنا طبيب أطفال”.

لا تقف قضية حسام أبوصفية عند حدود احتجاز طبيب واحد، بل تمتد لتطرح أسئلة أوسع حول حماية العاملين في القطاع الصحي أثناء النزاعات المسلحة، وضمانات المحاكمة العادلة، وحق المحتجزين في العلاج والتواصل مع عائلاتهم ومحاميهم.

وتظهر الروايات الواردة في التقارير أن الملف يحمل أبعاداً حقوقية متعددة، تتعلق بالاحتجاز المطول دون تهمة، والحبس الانفرادي، وظروف الاحتجاز، وإمكانية الوصول إلى الرعاية الطبية، وهي قضايا تحظى بحساسية خاصة في القانون الدولي الإنساني ومعايير حقوق الإنسان.