منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من حق مكتوب إلى دخل متآكل.. كيف يواجه متقاعدو ليبيا أزمة الحماية الاجتماعية؟

28 أغسطس 2026
احتجاجات المتقاعدين في ليبيا
احتجاجات المتقاعدين في ليبيا

تؤكد التشريعات الليبية أن التقاعد جزء من منظومة الضمان الاجتماعي التي يفترض أن توفر حماية للدخل بعد انتهاء سنوات العمل، لكن واقع هذه المنظومة يضع مئات الآلاف من المتقاعدين أمام فجوة متزايدة بين الحقوق القانونية ومستوى الاستفادة الفعلية منها، وتجمع الأزمة بين تأخر تسوية المعاشات، وضغوط التمويل، وتآكل القوة الشرائية، وتحديات الوصول إلى الخدمات الصحية، في وقت يتجه فيه المجتمع الليبي إلى زيادة ملموسة في أعداد كبار السن.

وأظهرت بيانات صندوق الضمان الاجتماعي في ليبيا أن الصندوق يصرف نحو 550 ألف معاش سنويًا، بينما يحتاج تنفيذ الزيادة المقررة بموجب القانون رقم 5 لسنة 2013 إلى تمويل إضافي يقدر بنحو 6.5 مليار دينار سنويًا.

وقال الصندوق، في مؤتمر صحفي في أغسطس 2025، إن محدودية تحصيل الاشتراكات، خصوصًا من القطاع الخاص، وضعف عوائد بعض الاستثمارات السابقة، يمثلان تحديات أمام توفير التمويل اللازم، موضحًا أن مساهمات القطاع الخاص لا تتجاوز نحو 4% من مصادر التمويل.

الشيخوخة تتسع

وأظهرت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان أن ليبيا تضم نحو 7.5 مليون نسمة في تقديرات عام 2025، بينما بلغت نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر نحو 8.5% وفق بيانات الأمم المتحدة السكانية، مع توقع ارتفاعها إلى 11.1% بحلول 2030.

ويعني هذا الاتجاه أن الضغط على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية لن يكون ظرفيًا، بل يرتبط بتحول ديموغرافي يتطلب سياسات حماية اجتماعية طويلة الأجل.

ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية لأن كبار السن في ليبيا لا يمثلون كتلة مالية فقط، بل فئة ترتفع احتياجاتها الصحية والاجتماعية مع التقدم في العمر.

وأوضح صندوق الأمم المتحدة للسكان في ملف ليبيا أن نحو 823 ألف شخص كانوا يحتاجون إلى مساعدات إنسانية في سياق الأزمة الممتدة، وأن كبار السن الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر شكلوا 5% من هذه الفئات المتضررة، بينما احتلت الرعاية الصحية والغذاء مقدمة الاحتياجات.

قانون عمره 13 عامًا

وأقر المشرع الليبي في مارس 2013 القانون رقم 5 لسنة 2013 بإضافة المادة 21 مكررًا إلى قانون الضمان الاجتماعي رقم 13 لسنة 1980، ونص على زيادة معاشات المتقاعدين بالنسبة ذاتها التي تزداد بها مرتبات العاملين في الدولة المقابلة لدرجاتهم الوظيفية عند التقاعد، مع آلية خاصة لبعض الفئات التأمينية.

وأقر مجلس النواب في يونيو 2024 القانون رقم 7 لسنة 2024، فنص على سريان أحكام القانون رقم 5 على المتقاعدين أيا كان تاريخ تقاعدهم، وتسوية معاشاتهم وفق أحكامه، وأزال هذا التعديل، من الناحية التشريعية، أي غموض بشأن شمول المتقاعدين السابقين، وربط الاستحقاق بتاريخ التقاعد.

وألزم مجلس النواب في أغسطس 2024، بموجب القانون رقم 10 لسنة 2024، الخزانة العامة بتغطية قيمة الزيادة الناتجة عن تطبيق القانون رقم 5، على أن تدرج المخصصات سنويًا في الميزانية العامة لصالح صندوق الضمان الاجتماعي، ويضع هذا النص مسؤولية التمويل على الدولة، بينما يظل الصندوق الجهة المنفذة لصرف المعاشات.

التمويل يعطل التنفيذ

وأوضح صندوق الضمان الاجتماعي في أغسطس 2025 أن تنفيذ القانون رقم 5 يحتاج إلى 6.5 مليار دينار إضافية سنويًا، مؤكدًا أن صرف الزيادة مرتبط بتوفير التمويل.

وقال الصندوق إن الزيادة المقررة تختلف حسب الدرجة الوظيفية، وتتراوح وفق احتساباته بين 66.67% للدرجة الأولى و195.11% للدرجة الخامسة عشرة، مع سقف لا يتجاوز المرتب النظير في ليبيا.

وكشف ديوان المحاسبة الليبي في يونيو 2023 أن تأخر التسوية بين صندوق الضمان الاجتماعي ووزارة المالية يعود إلى ملف التقاعد العسكري القائم منذ عام 2006، مشيرًا إلى صعوبات تنفيذ التقاعد العسكري وفق جدول المرتبات الموحد، ويظهر هذا السجل أن مشكلة التسويات ليست وليدة 2026، وإنما تمتد في بعض الملفات إلى سنوات طويلة.

ميزانية موحدة ولكن

وأعلن مصرف ليبيا المركزي في أبريل 2026 اعتماد أول ميزانية موحدة للدولة منذ أكثر من 13 عامًا، وقال إن الاتفاق يمثل خطوة نحو إنهاء الانقسام المالي وتعزيز الانضباط في الإنفاق.

ويكتسب هذا التطور أهمية مباشرة بالنسبة للمتقاعدين داخل ليبيا، لأن القانون رقم 10 لسنة 2024 ربط تمويل الزيادة بالميزانية العامة، ما يجعل انتظام الاعتمادات المالية عنصرًا حاسمًا في تنفيذ التسويات.

وأظهرت بيانات مصرف ليبيا المركزي أن إجمالي الإنفاق خلال 2025 بلغ نحو 136.8 مليار دينار، منها 73.3 مليار دينار في باب المرتبات و34.5 مليار دينار في باب الدعم.

وتوضح هذه الأرقام حجم الإنفاق العام الذي تتحرك داخله التزامات المعاشات، لكنها لا تعني أن بند المرتبات يتضمن معاشات المتقاعدين أو أن بند الدعم مخصص لهم، إذ أوضح المصرف أن بعض البنود تشمل أجورًا ومخصصات لجهات أخرى.

دعم يخفف ولا يسوي

واتخذت الحكومة خلال 2026 إجراءات لتخفيف الضغط عن أصحاب المعاشات، ونص قرار مجلس الوزراء رقم 258 لسنة 2026 على دعم شهري قدره 500 دينار لمن يتقاضى معاشًا بين 900 و1000 دينار، و400 دينار لمن يزيد معاشه على 1000 وحتى 1200، و300 دينار لمن يزيد على 1200 وحتى 1500، و200 دينار لمن يزيد على 1500 وحتى 2000 دينار.

وأوضح صندوق الضمان الاجتماعي لاحقًا أن عدد المستفيدين من الزيادة أو الدعم الجديد يبلغ نحو 510 آلاف من أصل 580 ألف صاحب معاش، بما يقارب 90% من إجمالي أصحاب المعاشات. وأظهر هذا الرقم الرسمي اختلافًا عن تقديرات النقابة العامة للمتقاعدين البالغة نحو 560 ألفًا.

وتختلف المنحة أو الزيادة المؤقتة عن التسوية القانونية للمعاش؛ فالدعم يعالج جانبًا من الدخل في المدى القصير، بينما تهدف التسوية إلى إعادة احتساب المعاش وفق الحق الذي قرره القانون، ويصبح هذا التمييز مهمًا عند تقييم السياسة العامة.

الغلاء يضغط على المعاش

وأظهرت أحدث البيانات المستندة إلى مصلحة الإحصاء والتعداد وصل التضخم في ليبيا إلى 12.7% على أساس سنوي في يونيو 2026، مقابل 14% في مايو، بينما بلغت زيادة أسعار الغذاء نحو 13.9% في يونيو، وتؤكد هذه الأرقام أن انخفاض التضخم الشهري لا يعني توقف ارتفاع المستوى العام للأسعار، وهو ما يضغط بصورة خاصة على أصحاب الدخول الثابتة.

ويعني ارتفاع الأسعار أن قيمة المعاش لا تقاس برقمها الاسمي فقط، وإنما بكمية السلع والخدمات التي يستطيع المتقاعد شراءها بهذا الدخل، ويزداد الأثر عندما يتعلق الإنفاق بالغذاء والأدوية والنقل والخدمات الصحية، وهي بنود يصعب على الأسر خفضها دون التأثير في مستوى معيشتها.

التأمين الصحي.. فجوة أخرى

بدأت ليبيا في 2022 تسجيل المتقاعدين ضمن منظومة التأمين الصحي العام كمرحلة أولى لتطبيق التأمين الصحي، على أن تتوسع التغطية لاحقًا، وأكدت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة أن تسجيل المتقاعدين كان نقطة الانطلاق في تنفيذ التأمين الصحي في ليبيا.

وأظهر تقرير ديوان المحاسبة الليبي لعام 2024 مشكلة مؤسسية أكثر تحديدًا، إذ سجل عدم وجود ربط إلكتروني فعال بين منظومة صندوق التأمين الصحي العام ومنظومة الخدمة المدنية لتحديث بيانات المتقاعدين، بما يشمل حالات الوفاة وتغيرات الرقم الوطني، وحذر من أن هذا الخلل قد يؤدي إلى صرف مستحقات لغير مستحقيها.

وقال صندوق التأمين الصحي العام إن خدمات برنامج المتقاعدين تشمل الرعاية الطبية الأساسية وخدمات التشخيص والعلاج وغيرها، فيما ناقشت الحكومة في مايو 2026 تطوير خدمات الصندوق وضمان تغطية تكاليف الرعاية الصحية الأساسية للمتقاعدين.

وتحتاج الشكاوى المتعلقة بفرض رسوم تسجيل أو مساهمة بنسبة 10% من تكلفة العلاج إلى قرار رسمي منشور يحدد أساسها ونطاق تطبيقها، ولذلك لا يمكن اعتبارها قاعدة عامة ثابتة اعتمادًا على تصريحات النقابة وحدها، أما المؤكد رسميًا فهو استمرار العمل على تطوير منظومة التأمين الصحي للمتقاعدين ووجود ملاحظات رقابية بشأن إدارة بيانات المنتفعين.

الحق في الضمان الاجتماعي

يرتبط الحق في معاش الشيخوخة بالتزامات دولية قبلتها ليبيا، فقد صادقت ليبيا عام 1975 على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 102 بشأن الحد الأدنى لمعايير الضمان الاجتماعي، كما صادقت في العام نفسه على الاتفاقية رقم 128 بشأن إعانات العجز والشيخوخة والورثة، وتضع هذه الاتفاقيات معايير للحماية الاجتماعية المرتبطة بالشيخوخة.

وينص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مادته التاسعة على حق كل شخص في الضمان الاجتماعي، بينما أوضحت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن هذا الحق يشمل استحقاقات الشيخوخة، وأن على الدول توفير نظم معاشات فعالة ومستدامة وميسرة، وضمان حد أدنى أساسي من المنافع الاجتماعية.

ويتقاطع ذلك مع الإطار التشريعي الليبي نفسه؛ فمسودة الدستور الليبي لعام 2016 تضمنت نصًا ينص على كفالة حقوق المتقاعدين بما يضمن تناسب المعاشات مع المراكز القانونية بغض النظر عن تاريخ الإحالة إلى التقاعد.

وتظل هذه المسودة إطارًا دستوريًا مقترحًا وليست دستورًا نافذًا، لكنها تكشف الاتجاه الحقوقي الذي ظهر في مشاريع الصياغة الدستورية الليبية.

منظومة تحتاج إلى إصلاح

وخلص البنك الدولي في تقييمه لمنظومة الحماية الاجتماعية في ليبيا إلى أن النظام شامل قانونيًا، لكنه محدود من حيث التغطية والأثر، مشيرًا إلى أن آثار سنوات الصراع والانقسام المؤسسي أثرت في توافر البيانات وفي تنفيذ بعض البرامج، خصوصًا في شرق البلاد حيث لا تتوافر بيانات تنفيذية لبعض برامج الحماية منذ عام 2016

وتضيف الأمم المتحدة بعدًا ديموغرافيًا إلى الأزمة؛ فارتفاع نسبة كبار السن من 8.5% من السكان في 2025 إلى 11.1% متوقعة في 2030 يعني أن عدد المستفيدين المحتملين من معاشات الشيخوخة والخدمات الصحية سيواصل النمو.

وتضع هذه المعطيات أزمة المتقاعدين في ليبيا أمام مسارين متلازمين: الأول قصير الأجل يتعلق بتوفير دخل قادر على مواجهة ارتفاع الأسعار وضمان استمرار صرف المعاشات والدعم، والثاني طويل الأجل يتعلق بإصلاح تمويل نظام التقاعد، وتوحيد قواعد البيانات، وضمان استدامة صندوق الضمان، وتوسيع التأمين الصحي وتحسين الرقابة عليه.

وتبقى مطالب النقابة العامة للمتقاعدين جزءًا من هذا المشهد؛ فقد أعلنت في أغسطس 2026 حالة الطوارئ وطالبت بتنفيذ قرار الدعم وتخصيص الأموال اللازمة لتطبيق القانون رقم 5 وتحسين التأمين الصحي، مهددة بالانتقال إلى الوقفات والاعتصام المفتوح.

وفي المحصلة، لا تختصر أزمة المتقاعدين الليبيين في تأخر زيادة مالية، وإنما تكشف اختبارًا لمنظومة الحماية الاجتماعية بأكملها، فهناك قانون عمره أكثر من عقد، وتعديلات تشريعية حديثة، والتزام قانوني على الخزانة العامة، واحتياج تمويلي قدره 6.5 مليار دينار سنويًا وفق صندوق الضمان، ونحو 580 ألف صاحب معاش وفق أحدث رقم صادر عن الصندوق، وتضخم سنوي بلغ 12.7% في يونيو 2026، ومنظومة تأمين صحي ما زالت تواجه تحديات تشغيلية ورقابية.

وتصبح الأولوية المعلوماتية في المرحلة المقبلة نشر رقم وطني موحد للمتقاعدين، وبيان واضح بعدد المعاشات التي تمت تسويتها، وقيمة الاعتمادات التي خصصتها الخزانة، ومراحل التنفيذ المتبقية، ونسبة التغطية الصحية الفعلية، وحجم الإنفاق المباشر الذي يتحمله المتقاعدون للعلاج، ويشكل نشر هذه البيانات بصورة دورية أساسًا ضروريًا لمساءلة المؤسسات وقياس التقدم في إعمال حق قانوني وإنساني يرتبط مباشرة بالكرامة والأمن الاقتصادي في مرحلة الشيخوخة.